شقت السينما الهندية طريقها إلى باكستان بهدوء رغما عن ضجيج الصراع المستمر بين البلدين منذ سنين، فباكستان التي أوقفت الجيش الهندي عند خط الهدنة الفاصل في كشمير لم تستطع صد غزو الأفلام الهندية – تنتج نحو ألف فيلم سنويا – ومنعها من أن تصل لكل بيت باكستاني عبر أقراص الـ«دي في دي» أو «الكابل». 

ولم يمنع حظر استمر 41 عامًا (انتهى عام 2006) للأفلام الهندية تعدد مظاهر الغزو الثقافي الهندي في اختراق الشارع الباكستاني الذي عجزت السينما المحلية عن إنتاج أفلام جيدة له، لتصبح أسماء أبطال الأفلام الهندية في المجتمع الباكستاني مثل «بوجا» و«راجيت» متداولة، ويصبح تقليد الشباب للرقصات الموجودة في الأفلام الهندية متقنًا، ويبدل بالساري الباكستاني والسروال للشباب الجونلات والجينز.

كيف انهارت السينما الباكستانية التي كانت تنافس السينما الهندية؟

شاه روخان

TAJ MAHAL HOTEL, NEW DELHI, INDIA – 2015/04/11: Bollywood Actor Shah Rukh Khan (Brand ambassador, Mahagun) addressed the media during the launch of Mahagun “M Collection” Programme in New Delhi. (Photo by Wasim Sarvar/Pacific Press/LightRocket via Getty Images)

 

قد يستغرب الكثير منا عندما يعلم أن صناعة السينما الباكستانية كانت قوية بدرجة تمكنها قبل السبعينات من منافسة نظيرتها الهندية، ومعالجة القضايا الاجتماعية للمجتمع الباكستاني بصورة رائعة، لكنها بدأت تتداعى خاصة في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وذلك حينما سحبت وزارة الثقافة الباكستانية دعمها وتمويلها للسينما، بل وتمادت في فرض قيود تقنية وأدبية صارمة على صناعة السينما في الثمانينات, وهذا ما أدى إلى انخفاض عدد دور العرض السينمائية من 1400 دار عرض في الثمانينات ليصل إلى 250 دار فقط مع أوائل التسعينات .

ففي السنوات الأخيرة أخذت السينما الباكستانية تعاني من نقص التمويل، وتعاني أيضا من عدم توافر فنيين مؤهلين يمكنهم منافسة بوليوود، وهذا يعني الآن عدم وجود من يستثمر في إنتاج الأفلام الباكستانية، فالآن يتم إنتاج 30 فيلما باكستانيا كل عام مقابل 1000 فيلم هندي.

وفي عام 2009 توقفت السينما تماما، وذلك عندما قامت حركة طالبان بالهجوم المنظم على دور العرض وقد توقفت شركات إنتاج الأفلام الباكستانية عن العمل لسنوات، وقد شهدت مدينة لاهور، التي تعد مقر صناعة السينما الباكستانية؛ سلسلة من الهجمات التفجيرية، ويعتبر النقاد الباكستانيون عام 2010 الأسوأ إذ تم إنتاج سبعة أفلام فقط وكان الفشل الذريع مصير ستة منهم، وفقد عشرات الآلاف من العاملين بصناعة السينما وظائفهم بعدما فشل هذا القطاع المهم في الاستحواذ على اهتمام الحكومة.

ولم تتعافَ صناعة السينما الباكستانية منذ ذلك الحين، رغم قيام بعض دور الإنتاج بمحاولات كثيرة لإحيائها من خلال إنتاج بعض الأفلام الرائعة، فجميع هذه المحاولات فشلت في مساعدة هذه الصناعة على النهوض من كبوتها مرة أخرى، يقول الناقد السينمائي والصحافي الباكستاني خوار مشتاق: “صناعة السينما الباكستانية باتت في عداد الأموات منذ سنوات. هناك تدفق هائل للأفلام الهندية ولم يعد هناك من يشعر بالحاجة إلى إحياء صناعة السينما الباكستانية”.

وتقول وزيرة الإعلام الباكستانية فردوس عاشق أعوان: “إننا بحاجة إلى تعزيز ثقافتنا من خلال إحياء صناعة السينما الباكستانية ولن يتأتى ذلك إلا بالارتقاء بمحتوى الأفلام والحبكة الدرامية. لسنا بحاجة إلى الاعتماد على ثقافة أخرى، ولذا يتعين علينا إحياء صناعة السينما لدينا”.

كيف غزت السينما الهندية باكستان؟

 

اتخذت الحكومة الباكستانية قرارًا بحظر عرض الأفلام الهندية عام 1965، وذلك عندما اندلعت الحرب بين الدولتين على خلفية الصراع حول إقليم كشمير الحدودي، لكن الوسائل المتعددة التي اتخذتها الحكومة الباكستانية للحد من انتشار الأفلام الهندية بشكل مهول لم تنجح في الحد من الهجوم الثقافي الهندي ولا في حد غرام الباكستانيين بالأفلام الهندية، خاصة في ظل اندثار دور عرض السينما في باكستان.

لقد أصبحت الأفلام الهندية في ذاك الوقت تصل عبر الأقراص المدمجة بروبيات قليلة إلى كافة القرى الباكستانية، وعندما كانت الحكومة الباكستانية تقوم بحملات مداهمة على محلات بيع الفيديو كان أصحاب تلك المتاجر يخفونها، ولا يبيعونها إلا للزبائن الموثوق بهم كأي ممنوعات أخرى.

وبعد دخول البلدين في عملية سلام ومفاوضات، فقدت الحكومة الباكستانية السيطرة أكثر على انتشار الأفلام الهندية وأقراصها المدمجة، وأصبحت الأفلام الهندية تجد طريقها للباكستانيين بسهولة وبأرخص الأثمان، بل إنه في عام 2006 سمحت حكومة باكستان برفع الحظر وعرض فيلم (تاج محل) المأخوذ عن قصة حقيقية للإمبراطور المغولي شاه جيهان، إلا أن تفجيرات مدينة بومباي الهندية 2008 واتهام جماعات باكستانية مسلحة بالوقوف وراء هذا الاعتداء تسببت في تدهور العلاقات مجددا بين الجارتين ومحاربة الأفلام الهندية .

وتعود سرعة الغزو السينمائي الهندي إلى أن معظم الأفلام ناطقة بالأوردية، وهي اللغة الأم في باكستان، بالإضافة إلى أن مشاهير الممثلين الهنود من أصول مسلمة، مثل نصير الدين خان، وشاروخان خان، الذي يطلق عليه لقب “ملك بوليوود”.

بعيدًا عن الصراع، لماذا تحظر باكستان الأفلام الهندية؟

يعتقد الباكستانيون أن الغزو الثقافي السينمائي الهندي هدفه غزو العقل الباكستاني وذلك عبر الأفلام التي تتحدث عن العلاقات الهندية الباكستانية، حيث يرى الخبراء في باكستان أن الهند كدولة خاضت ثلاث حروب مع باكستان وفشلت في تحقيق مآربها، استطاعت استخدام سلاح الغزو الثقافي عبر الأفلام الهندية التي قسمت المجتمع الباكستاني، ويرى المثقفون الباكستانيون أن الشعبية الطاغية للأفلام الهندية في باكستان تعد بمثابة غزو ثقافي، وهو ما يمكن أن يكون له تأثير سلبي للغاية على القيم الأخلاقية في المجتمع الباكستاني.

وما يزيد قلق هؤلاء المثقفين بشكل خاص هو مستوى الفحش الذي بات شيئا أساسيًا في الأفلام الهندية وهو ما يهدد قيم المجتمع المسلم الباكستاني حسب رأيهم، ويتخوف المراقبون الباكستانيون من الترويج لسياسة الأحزاب الحاكمة في الهند ضد باكستان، مثل ما أنتج من أفلام تتحدث عن معارك “كارجيل” والحدود في كشمير وغيرها، وهو ما كان السبب وراء حظر إسلام أباد لكثير من هذه الأفلام في السابق ووصفها بفنون الكراهية.

أبرز الأفلام الهندية والباكستانية التي تناولت الصراع بين البلدين:- 

فيلم (فناء) «دمرت في الحب»

واحد من أشهر الأفلام الهندية التي تناولت الصراع الهندي الباكستاني هو فيلم (فناء) الذي أنتج عام 2006. تدور أحداث الفيلم في كشمير، حيث يقوم أمير خان أو ريحان في الفيلم بدور الإرهابي الكشميري الذي يتنكر في دور مرشد سياحي في المزارات الهندية كي يتمكن لاحقا من تفجير المكان بتحريض من جده القائد في العمليات الكشميرية الهادفة للاستقلال عن الهند وباكستان معا.

وأثناء عمله المتخفي يقابل “زويا” الفتاة العمياء التي تزور الهند لأول مرة فيقع بحبها رغمًا عنه وكان من نتاج ذلك طفل سمته أمه بعدها بريحان ذكرى لزوجها الذي اعتقدت أنه مات في الانفجار الذي حدث في الهند، غير أنها تكتشف بعد ذلك أنه حي فتتمسك به بقوة بعد فراق عشر سنين ولا تتركه حتى تعلم أنه إرهابي فتضطر إلى أن تضحي بحبها الوحيد والذي كان سبب شفائها من العمى وتقتله لتمنعه من القيام بالمزيد من العمليات الإرهابية.

فيلم (حيدر)

لقطة من فيلم حيدر

يتناول فيلم “حيدر” الهندي الذي وصف بأنه “واحد من أهم الأفلام الهندية لعام 2014” أحداثًا تقع في الجزء الخاضع لسيطرة الهند في كشمير. وتدور الأحداث حول الشاعر حيدر الذي يعود إلى كشمير في ذروة التمرد ليجد أن والده اختفى ووالدته أقامت علاقة مع عمه.

ونجح المخرج خلال أحداث الفيلم في التركيز بقوة على «كشمير» الإقليم الذي شهد أسوأ صراع مسلح في تاريخه خلال التسعينات من القرن الماضي بعد أن وقعت اشتباكات عنيفة بين جماعات “انفصالية” وقوات الأمن الهندية للمطالبة بالاستقلال عن حكم الهند.

فيلم «فير زارا»

في هذا الفيلم، يقع البطل وهو طيار هندي وسيم في حب البطلة وهي فتاة باكستانية، تزور مدينة دلهي في رحلة جامعية، وعندما يذهب لخطبتها يحبك له والد الفتاة تهمة تجسس بسبب العلاقات المتردية بين البلدين نتيجة قضية كشمير والحدود الملتهبة، وبعد أن يقضي بطل الفيلم 15 عامًا في السجون الباكستانية، يعود إلى موطن رأسه ليجد الفتاة في انتظاره في منزل أسرته كل هذه السنوات.

ويستمد الفيلم زخمه من تعقيدات العلاقات السياسية بين الهند وباكستان، ونال الفيلم الذي يشكل نسخة هندية باكستانية من قصة الحب الشهيرة (روميو وجولييت) ست جوائز بينها أوسكار أفضل فيلم، وأوسكار أفضل ممثل للنجم الهندي شاروك خان الذي أدى دور الطيار الهندي فير.

فيلم (واار)

يناقش فيلم (واار) للمخرج الباكستاني (بلال لاشاري) قضية الصراع بين الهند وباكستان، حيث يقوم مجموعة من الرجال الهنود النافذين بالاتفاق مع عناصر إسلامية باكستانية متشددة لتنفيذ هجوم مسلح على الأراضي الباكستانية, وهو المخطط الذي يبوء بالفشل، وقد أثار هذا الفيلم – الذي استغرق تصويره ثلاث سنوات بميزانية قدرها أكثر من 2 مليون دولار – جدلا واسعا واعتبره بعض القائمين على صناعة السينما في بوليوود فيلما دعائيا يهدف إلى النيل من صورة الهند ودورها في تأجيج الصراع بين الدولتين, ومن المنتظر أن يتم عرض هذا الفيلم تجاريا في دبي وكندا والولايات المتحدة.


المصادر

تحميل المزيد