تميزت العلاقات السعودية الباكستانية برسوخها وقوتها منذ سنوات طوال، تطورت فيها العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية بين البلدين، حتى باتت باكستان أقرب حلفاء المملكة العربية السعودية، وخير مثال على ذلك ما اعتيد أن يُستشهد به من تقديم السعودية دعمًا سخيًا لباكستان في ملفها النووي.

وبالرغم من رفض باكستان تحقيق رغبة حليفتها السعودية بالانضمام إلى التحالف العسكري الذي تقوده في المنطقة في حربها على الحوثيين، إلا أن التطورات الأخيرة المتمثلة في ضربات «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) ضد باكستان، قد تفرض واقعًا مُغايرًا.

إصرار سعودي على ضم باكستان إلى حلفها

بالرغم من تصويت البرلمان الباكستاني بالبقاء على الحياد وعدم الانضمام إلى التحالف الذي تقوده الرياض لمحاربة الحوثيين في اليمن، وذلك في أبريل (نيسان) 2015، إلا أن السعودية التي دعمت إنشاء النووي الباكستاني منذ عام 1974، لا تزال مُصرة على ضمّها.

وعلى ما يبدو فإنّ الإصرار السعودي قد أتى ببعض ثماره، فمؤخرًا كشف في مركز ستراتفور الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والأمنية، النقاب عن احتمال تعيين قائد الجيش الباكستاني المتقاعد «رحيل شريف» رئيسًا للتحالف السعودي كجزء من خطة استرضاء الرياض، ولذلك قد تشهد الأيام المقبلة نجاح للسعودية في جر باكستان إلى الالتزام بالتحالف ضمن دوله الـ34، خاصة أن بين باكستان والسعودية اتفاقية تعاون أمني مُشترك، وثمّة ألف عسكري باكستاني مُستشارين في السعودية، كما يُساهم الجيش الباكستاني على تطوير الجيش السعودي، خاصة في سلاحي المشاة والجويّة.

وفضلًا عن أن انضمام باكستان لتحالف السعودية يعطيه ثقلًا كبيرًا، فهو أيضًا من جهة أُخرى يضمن بنسبة كبيرة تفادي انحياز باكستان لغريمة السعودية، إيران، وهذا ما يُؤكد عليه المحلل السياسي المصري أسامة الهتيمي، الذي أشار إلى أنّ أن باكستان لا تزال تأمل ضمّ إيران للتحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي أُعلن عنه من الرياض في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2015، خاصة وأن مصالح كبيرة تجمع بين باكستان وإيران، وهو «ما يدفعها للحرص على أن تبقى على علاقة قوية ووطيدة بالبلدين»، على حد قول الهتيمي.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

ومع تنامي التحديات الأمنية أمام باكستان متمثلًا في «تنظيم الدولة»، قد تنصاع الدولة النووية لرغبة السعودية، لتعزيز الجُهد الأمني اعتمادًا على الدور الاستخباراتي السعودي، وهو ما أشار إليه الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية مصطفى زهران، بقوله «تحتاج باكستان إلى الجهد الاستخباراتي السعودية، وتحتاج السعودية إلى الجهد العسكري الباكستاني».

باكستان وعبء التوازن بين السعودية وإيران

مرت العلاقات الباكستانية الإيرانية بحالات مدة وجزر، فعلى سبيل المثال أغضب إيران باكستان عندما وقعت اتفاقية مع الهند وأفغانستان، في 19 يونيو (حزيران) الماضي، تقضي بتشغيل ميناء تشابهار الإيراني بشكل مُشترك، ليربط أفغانستان بالبحر، والهند وإيران بدول آسيا الوسطى عبر أفغانستان.

ووفقًا لمراقبين، فإنّ هذا الاتفاق قد يأتي على حساب ميناء غوادر الباكستاني، فضلًا عن أنّ تعزيز علاقات إيران مع الهند غريمة باكستان ومع أفغانستان، قد يدفع باكستان نحو «التقوقع». مع ذلك تبدي باكستان حرصًا دائمًا على الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران.

ومع تقاربها المعروف مع السعودية، ثم إصرارها حتى الآن عدم الانحياز المعلن لأحد الجانبين، قد يُمثّل عليها عبئًا كبيرًا، بخاصة مع الإصرار السعودي على انضمامها لتحالفها العسكري، وهو ما قد يضعها في موقف محرج مع إيران المتاخمة لحدودها والتي تتقاسم معها العديد من الروابط الثقافية واللغوية والدينية، وعليه فإنّ باكستان التي تقيم تحالفًا «مشروطًا» مع السعودية، «تجد نفسها منذ سنوات بحاجة إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع دولتين متنافستين كلتيهما يحاول تقويض نفوذ الآخر ليفوز بزعامة العالم الإسلامي»، وفقًا لمركز ستراتفور.

ويُمكن الإشارة إلى عدة عوامل قد تنأى بباكستان عن الانجرار التام لرغبات السعودية بمعاداة إيران، من بينها حاجة باكستان للحفاظ على علاقتها الاقتصادية مع إيران خاصة من ناحية الملف الثقيل المتعلق بأزمة الكهرباء، كما أن هناك مصلحة مشتركة بين إيران وباكستان في قمع الحركة الانفصالية البلوشية الناشطة فيهما.

يضاف لهذه العوامل تخوف باكستان من انتقال عدوى الطائفية إلى أراضيها، إذ إنّ 20% من سكانها من الشيعة، وقد عانت سابقًا من توترات طائفية دعمت فيها إيران الشيعة الباكستانيين، وهو ما أشار إليه الباحث الأمريكي أليكس فاتانكا في مجلة فورين أفيرز، حين قال: إن «إسلام آباد تخشى من انتقال العدوى الطائفية إلى الداخل الباكستاني؛ وهو ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات لتهدئة المخاوف بين كل من طهران والرياض، ولكن دون الوقوع في براثن حرب أهلية من أجل تحقيق تفوق إقليمي لطرف آخر»، فيما أكّد طاهر مالك الأستاذ بالجامعة الوطنية الباكستانية على أن إيران والسعودية كليهما يمثلان أهمية بالنسبة إلى باكستان، فوفقًا له، من جهة إيران فهي جارتها المُباشرة، ومن جهة السعودية فهي «شريكنا الوثيق» بتعبيره، وعليه «يجب على سياستنا الخارجية مراعاة مصالحنا القومية، وليس مصالح مجموعة دينية»، كما قال مالك.

هل دعمت السعودية الإرهاب في باكستان؟

يبدو أن آفاق تنظيم الدولة المستقبلية في باكستان واعدة

في يناير (كانون الثاني) الماضي، أُعلن عن تبني السعودية بناء 1900 وحدة سكنية في باكستان ضمن حملة لإغاثة منكوبي الفيضانات التي ضربت البلاد في 2010 وتضرر منها 25 مليون باكستاني. ولم يكن هذا المشروع إلا حلقة جديدة في سلسلة الدعم السعودي لباكستان، فقد ساندت السعودية هذا البلد في جميع الأزمات التي مر بها، لا سيما خلال حروبه مع الهند، كما عارضت السعودية فكرة انفصال بنجلاديش عن باكستان عام 1971، ودعمت كذلك باكستان في مواجهة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، وتعد السعودية واحدة من أهم الدول الخليجية التي تحتضن الملايين من العمالة الباكستانية.

وثمّة مرتكز هام تنطلق منه العديد من المصادر عند تطرقها لدعم السعودية لباكستان، يتلخص من أن هذا الدعم السخي سواء في بناء المساجد والمدارس الدينية في باكستان أو غيره، ساهم في دفع وجود التيار السلفي الوهابي في باكستان، التيار الذي يتقاطع في أدبياته المؤسسة مع الكثير مما في أدبيات «تنظيم الدولة» ومن قبله تنظيم القاعدة، حتى أن الانفجار الذي أوقع قبل أيام 72 قتيلًا ونحو 250 مُصابًا، حَمَل مسؤوليته ما يُوصف بـ«الإسلام المتشدد» الذي تتهم السعودية بتغذيته، وذلك لاستهداف الانفجار ضريحًا صوفيًا في مدينة سهوان بإقليم السند جنوب شرق باكستان.

وعن هذا يقول الكاتب والمؤرخ البريطاني ويليام دالريميل «في السبعينات استخدمت الثروة النفطية في السعودية لنشر المعتقدات غير المتسامحة في جميع أنحاء العالم، ونتيجة لذلك، تعلم الكثير من المسلمين المعاصرين التراث الديني الإسلامي الذي يقوم باستبعاد الصوفية». ثُمّ يُشير إلى هجوم «تنظيم الدولة» في باكستان، بقوله «أظهر هذا الهجوم الانتشار المرعب الذي استطاع تنظيم الدولة تحقيقه، فهو الآن قادر على ضرب الداخل الباكستاني»، مُساويًا بين تهديد «تنظيم الدولة» وطالبان على باكستان.

من انفجار المرقد الصوفي في مدينة سهوان (المصدر: الجزيرة)


ولكن ما مدى الاتفاق مع تحليل دالرميبل؟ أسامة الهتيمي على سبيل المثال، يُقر بأنها نظرة غربية للإسلام، حيث الغرب يرون أن الصوفية من بين مُختلف المدارس الإسلامية هي الأكثر تعبيرًا عما يُسمى بـ«الإسلام المعتدل»، في حين ينظر الغرب إلى بقية المدارس الأُخرى على أنها مفرخة تطرف وإرهاب، وينسحب الأمر كذلك على السلفية الوهابية التي تتبناها السعودية مذهبًا رسميًا منذ نشأتها.

وتنطلق الاتهامات الموجهة للسعودية بـ«دعم الإرهاب»، من حرصها على نشر مذهبها الذي يحمل بين طياته رفضًا للتصوّف، ووفقًا للهتيمي فإن هذا يحدث «اشتباكًا فكريًا قد يتطور لدى البعض من المتشددين إلى أشكال أُخرى تصل للعنف».

وبينما كانت أفغانستان تتهم الاستخبارات الباكستانية باستخدام «تنظيم الدولة» بإخضاعها في المفاوضات السياسية وفرض الشروط عليها، تضطر الآن الحكومة الباكستانية التي سبق وأن نفت وجود التنظيم على أراضيها، للتسليم بأن باكستان باتت دولة جاذبة لـ«تنظيم الدولة» لذات الأسباب التي جذبت سابقًا تنظيم القاعدة وطالبان، وهو ما أكّد عليه فرحان زاهد الباحث المختص في دراسات الإرهاب بجامعة فريجي في بروكسل، الذي قال: «يبدو أن آفاق تنظيم الدولة المستقبلية في باكستان واعدة»، وما يُعزز من ذلك قدرة التنظيم على جذب أعضاء جددًا فيه، بالإضافة إلى انحسار القاعدة في باكستان بعض الضربات الأمنية المتلاحقة لأبرز قادتها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد