برغم كل أوقات الفتور والاختلاف بين البلدين، فإن تحالف السعودية وباكستان، يظل أمرًا واقعًا واضحًا للمراقبين، فهل نشهد قريبًا انتهاء هذا التحالف؟

يصف الأمير تركي بن فيصل، رئيس جهاز المخابرات السعودية السابق، العلاقات بين المملكة العربية السعودية، وباكستان بأنها «ربما الأقرب في العالم بدون اتفاقيات أو معاهدات رسمية»، وفي حقيقة الأمر فإن هذا الوصف ليس بمبالغة؛ إذ تتمتع كلٌّ من الرياض وإسلام آباد بعلاقة استراتيجية قديمة، تخللتها بعض الفترات الفاترة والاختلاف من حين إلى آخر، لكنها ظلت علاقة وطيدة.

لكن في الآونة الأخيرة، شهدت العلاقة بين باكستان والمملكة العربية السعودية، تطورات قد تشير إلى زيادة التوترات بين الحليفين الاستراتيجيين، فهل سينتهي التحالف بين البلدين؟

تصريحات باكستانية مناهضة للرياض.. من هنا كانت البداية

بعد طلبات عديدة من إسلام آباد للرياض بعقد اجتماع طارئ لـ«منظمة التعاون الإسلامي»، التي يقع مقرها في الرياض، والتي تعد ثاني أكبر مؤسسة حكومية بعد الأمم المتحدة، لمناقشة أمر إقليم كشمير المتنازع عليه، ظهر وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي في برنامج حواري باللغة الأُردية في 5 أغسطس (آب) الماضي – بعد يأس باكستان من اجتماع منظمة دول التعاون الإسلامي – مهاجمًا الرياض وموقفها من أزمة كشمير.

وبنبرة غير اعتيادية من مسئول باكستاني تجاه المملكة العربية السعودية؛ طالب قريشي بعقد اجتماع لمنظمة دول التعاون الإسلامي، بعيدًا عن الرياض وتأجيلها المتكرر لاجتماع وزراء الخارجية، وانتقد أيضًا ما أسماه «لامبالاة» المنظمة، التي يقع مقرها في المملكة العربية السعودية، من حل النزاع في كشمير.

«إذا لم تعقد المنظمة اجتماعًا طارئًا، فسنعقد اجتماعًا خارج إطار المنظمة، ولم يعد بوسع باكستان الصمت حيال ما يحدث في كشمير» *وزير خارجية باكستان

وتجدر الإشارة إلى أنه في أغسطس 2019م، ألغى البرلمان الهندي المادتين 370 و أ-35، اللتين كانتا تمنحان كشمير حكمًا ذاتيًّا إلى حد ما.

وبالعودة إلى تصريحات وزير الخارجية الباكستاني، التي كانت أثارت الكثير من الجدل داخل القيادة السعودية، وخاصة وأن باكستان لم تعلن تحديدًا ما الدول التي تجتمع معها لحل أزمة كشمير، كان الخوف في الرياض من أن يكون القصد من وراء تصريحات قريشي، هو الاجتماع بتركيا، وماليزيا، وكلاهما تنافسان الرياض من أجل قيادة العالم الإسلامي.

محاولات باكستانية للتهدئة والسعودية تريد أموالها

لم تهدأ ردود الفعل الغاضبة داخل المملكة العربية السعودية، خاصة وأن إسلام آباد لم تتفوه بكلمة واحدة عن الدول الإسلامية الأخرى التي يمكن أن تصبح جزءًا من تحالفها الجديد بعيدًا عن الرياض، لحل أزمة كشمير.

وفي الوقت نفسه، لم يتراجع وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، عن تصريحاته، ولم يسع إلى توضيحها لمحاولة تهدئة الأمور، بل العكس حدث، فقد أقرت وزارة الخارجية الباكستانية تصريحات وزيرها، ولم تتبرأ منها.

انتقد السفير السعودي السابق لدى باكستان، الدكتور علي عواض العسيري، تصريحات قريشي، وفي الوقت ذاته أراد تأكيد قوة العلاقة بين الرياض وإسلام آباد، ورأى أن تصريحات وزير الخارجية الباكستاني ما هي إلا حالة غضب فردية، لكنه أيضًا أرسل رسائل غير مباشرة لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، قائلًا: «هل سيذكر عمران خان وزير خارجيته بالحذر في المستقبل؟»، وحذر باكستان من اتخاذ أي خطوة لتشكيل تحالف إسلامي خارج إطار منظمة دول التعاون الإسلامي قائلًا: «إذا كانت باكستان تخطط لإنشاء تحالف آخر، فهذا اقتراح خطير، وأمر لا يمكن توقعه من باكستان».

وبعيدًا عن الانتقادات السعودية الفردية، فقد قررت الرياض أن ترد بطريقتها الخاصة على ما اعتبرته إهانة من قبل وزير الخارجية الباكستاني، فأرسلت طلبًا إلى إسلام آباد لسداد جزء من القرض المقدم لها والبالغ 3 مليارات دولار، وجمدت تسهيل ائتماني نفطي بقيمة 3.2 مليارات دولار.

الأموال التي تتحدث السعودية عن سدادها، كانت عبارة عن حزمة مساعدة اقتصادية، قدمها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لرئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، في بداية توليه السلطة عام 2018م، كانت المساعدات المالية السعودية عبارة عن قرض بقيمة 6 مليارات دولار، 3 مليارات دولار منها مدفوعات مؤجلة على واردات النفط، بينما ذهبت 3 مليارات دولار أخرى لتعزيز احتياطيات باكستان من النقد الأجنبي.

محمد بن سلمان

تحدثت وسائل الإعلام الباكستانية، عن طلب المسئولين السعوديين، إعادة مليار دولار أخرى، غير تلك التي سددتها إسلام آباد في شهر يوليو (تموز) 2020م، يقول الصحافي الباكستاني أحمد قريشي، لـ«ساسة بوست»: «يبدو أن السعوديين مصرون على تعريض الاقتصاد الباكستاني للخطر في ذلك الوقت العصيب، فكان من المفترض أن تسدد إسلام آباد الدفعة الثانية من القرض، في العام المقبل».

في محاولة من إسلام آباد لاحتواء الأمور، وعدم جعل الخلاف الدبلوماسي بين البلدين يؤثر في علاقة الشراكة الاستراتيجية بين المملكة وباكستان؛ أرسلت الحكومة الباكستانية الجنرال قمر باجوا، قائد الجيش الباكستاني إلى الرياض؛ إذ كانت المؤسسة العسكرية الباكستانية قبل زيارة الجنرال باجوا للسعودية، تحاول تهدئة الأمور مؤكدة دور المملكة العربية السعودية في قيادة العالم الإسلامي.

وصل الجنرال باجوا إلى الرياض في منتصف شهر أغسطس (آب)، وبحسب الصحافي الباكستاني الذي تحدث إلى «ساسة بوست»، كان الغرض من الزيارة مقابلة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بالرغم من نفي وسائل الإعلام الباكستانية ذلك الأمر، مكتفية بإعلان أن سبب الزيارة مناقشة بعض الأمور الثنائية.

لكن زيارة الجنرال باجوا التي استمرت ثلاثة أيام، والذي اصطحب معه فيها رئيس جهاز المخابرات، الفريق فايز حميد؛ لم تسفر عن مقابلة ولي العهد السعودي، وبحسب الصحافي أحمد قريشي، فإن ولي العهد رفض مقابلة الجنرال باجوا.

عاد باجوا خالي الوفاض إلى إسلام آباد، فلم يتمكن من مقابلة ولي العهد لضمان الحصول على رضاه والتأكد من زوال غضبه، وأيضًا لم يستطع أن يؤثر في المسئولين السعوديين للعدول عن طلب الرياض أموالها لدى باكستان.

لكن باكستان ليست في موقف الحليف الضعيف في شراكتها مع المملكة العربية السعودية؛ فبينما تعتمد عليها ماليًّا اعتمادًا كبيرًا، تحتاج الرياض إليها أيضًا. لذلك ردت باكستان على رفض مقابلة قائدها العسكري الكبير، بإعلان وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، زيارته إلى الصين، في إشارة تبدو واضحة من إسلام آباد، مفادها «سنعيد تقييم علاقاتنا الاستراتيجية بالمملكة»، خاصة وأن الصين بعد أيام قليلة من إعلان السعودية مطالبة باكستان بسداد جزء من مديونيتها، أقرضت إسلام آباد مليار دولار على الفور!

محمد أسد وأصل تحالف السعودية وباكستان

تطوُّر الأمور بين الرياض وإسلام آباد في الأسابيع القليلة الماضية، لا يمكن وضعه في إطار تخلي البلدين بعضهما عن بعض، ولفهم الأمر بصورة أشمل؛ لا بد من الحديث عن أصل العلاقات بين باكستان والمملكة العربية السعودية وقوَّتها، مع وضع خلافاتهم من فترة لأخرى في إطار محدد.

في بداية الحديث عن العلاقة الاستراتيجية بين الرياض وإسلام آباد، تجب الإشارة إلى الصحافي النمساوي اليهودي، ليوبولد فايس، أو محمد أسد، بعد إشهار إسلامه.

دولي

منذ شهرين
كيف نجحت باكستان في أن تصبح الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي؟

في أواخر عشرينيات القرن الماضي، كان محمد أسد صديقًا مقربًا للعائلة المالكة في الرياض، بحكم كونه صحافيًّا مهتمًّا بالقضايا العربية، وبعد ست سنوات من المكوث في المملكة العربية السعودية، قرر أسد الذهاب إلى شبه القارة الهندية في عام 1932م.

مكث محمد أسد في الهند، وانضم إلى حركة الحرية التي نتج منها تقسيم الهند، واستقلال باكستان في عام 1947م. أردات الجمهورية الإسلامية الناشئة حديثًا في باكستان، توطيد علاقاتها بالمملكة العربية السعودية، ولم تجد أفضل من محمد أسد لمساعدتها في ذلك، واستغل محمد أسد سنوات صداقته مع العائلة الملكية بالرياض، لتشكيل العلاقات السعودية الباكستانية، وكانت تلك هي بداية علاقة استراتيجية قوية بين البلدين.

ازدادت العلاقة بين باكستان والمملكة العربية السعودية قوة، في الستينيات على وجه التحديد، واستمرت إلى الآن، باستثناء فترة حكومة حزب الشعب الباكستاني.

دعمت المملكة العربية السعودية باكستان دعمًا كبيرًا في حروبها مع الهند في عام 1956م وعام 1971م، بجانب دعم الرياض المالي الكبير لباكستان، وإمدادها بالنفط في أغلب الأوقات، وفي المقابل، قدمت باكستان للمملكة العربية السعودية دعمًا عسكريًّا وأمنيًّا، ما زال مستمرًّا إلى الآن، ففي عام 1967م وقَّع البلدان على اتفاقية تعاون ثنائية في المجال العسكري والأمني، وعلى إثرها أرسلت باكستان مئات الضباط والمستشارين العسكريين إلى الرياض.

وبحسب التقديرات، فهناك حوالي 5 آلاف جندي باكستاني يحمون المملكة في الوقت الحالي. يقول عبد العزيز ميرزا، السفير الباكستاني السابق لدى الرياض، في حديثه لـ«ساسة بوست»: «اختارت الأسرة الحاكمة في الرياض الضباط والجنود الباكستانيين لحمايتهم وحماية المملكة، وهذا يعكس ثقة كبيرة متبادلة بين البلدين».

النفوذ السعودي في باكستان يتوغل ويتنشر

على مدار سنوات التعاون الاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية وباكستان، كان النفوذ السياسى والديني السعودي في إسلام آباد يزداد يومًا بعد يوم، حتى إن المجتمع الباكستاني لديه نظرة إيجابية تجاه الرياض.

كذلك ضخت السعودية الكثير من الأموال لإنعاش الاقتصاد الباكستاني، وفعلت المثل لفرض الأيديولوجية الدينية الخاصة بها، فهناك مليارات الدولارات من المال السعودي ذهبت إلى المدارس والأحزاب الدينية في باكستان؛ إذ مولت السعودية حوالي 24 ألف مدرسة دينية في مختلف أنحاء البلاد، بحسب التقارير الإعلامية.

يقول السيد عبد العزيز ميرزا، السفير الباكستاني السابق لدى المملكة العربية السعودية، لـ«ساسة بوست»: «السعودية وباكستان من أهم اللاعبين في العالم الإسلامي، ولهما دور مهم في الجغرافيا السياسية في المنطقة. ففي مقابل الدعم المالي السعودي الكبير لباكستان؛ تحمي الأخيرة أمن المملكة التي تنظر أيضًا إلى قوة باكستان النووية».

وتجدر الإشارة إلى أن باكستان هي القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي؛ وتشير بعض التقارير إلى أن السعودية كانت قد موَّلت البرنامج النووي الباكستاني السري في السبعينيات، وهي من الدول القلائل التي اعترفت ببرنامج إسلام آباد النووي. وترى المملكة العربية السعودية في شراكتها القوية مع باكستان، أن الأخيرة يمكن أن تكون عامل ردع نووي في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الخصم الإقليمي للرياض.

أزمة اليمن: باكستان حليف السعودية «ناكر الجميل»

بالنظر إلى السنوات الخمسة الأخيرة في علاقة السعودية بباكستان، نجد أن الخلاف الأخير السابق ذكره، ليس الأول من نوعه؛ فقد اصطدم البلدان بعضهما ببعض في كثير من الأمور، وكانت بداية هذه الخلافات من أزمة اليمن. ففي عام 2015م، رفضت باكستان طلب المملكة العربية السعودية للمساعدة في محاربة جماعة الحوثي في اليمن، ضمن التحالف الذي تقوده الرياض في حربها في اليمن.

الحوثيين

عندما قرر البرلمان الباكستاني في أبريل (نيسان) 2015م، عدم خوض بلاده في حروب بالوكالة، والالتزام بسياسة باكستان الخارجية، وهي البقاء على الحياد تجاه مشكلات الشرق الأوسط. حينذاك أصيبت الرياض بصدمة، جعلتها ترى باكستان شريكًا ناكرًا للجميل؛ رفض مساعدتها في اليمن برغم الكم الهائل من المساعدات المالية.

الأزمة اليمنية كانت واحدة من أهم الأسباب لتغيير ديناميكيات العلاقات والتعاون بين الرياض وإسلام آباد، فلجأت السعودية إلى استخدام نفوذها الديني في باكستان للضغط على الحكومة لمساعدتها في اليمن. نظمت الأحزاب الدينية الباكستانية المدعومة من المملكة العربية السعودية، مظاهرات للمطالبة بإرسال قوات باكستانية إلى اليمن لمساعدة الرياض، لكن تلك المساعي لم تنجح في ثني القرار الباكستاني.

تقول عائشة زمان، الباحثة في العلاقات الباكستانية السعودية، والمقيمة في إسلام آباد، لـ«ساسة بوست»: «كانت جميع المؤسسات السياسية والعسكرية والمدنية داخل باكستان، رافضة للتدخل في أزمة اليمن، حتى الأحزاب الإسلامية الكبيرة في إسلام آباد، خشيت من الانضمام إلى المظاهرات التي كانت تقف وراءها السعودية».

ترى السيدة زمان، أن رد فعل السعودية تجاه الرفض الباكستاني للتدخل في أزمة اليمن، ومحاولة الرياض لاستعراض نفوذها الديني وعلاقاتها القوية مع الجماعات الدينية، جعل إسلام آباد تعيد التفكير في علاقتها بالرياض.

فتقول «تخشى القيادة الباكستانية من تأجيج الطائفية وتعرض البلاد إلى أحداث دامية؛ فباكستان لديها أقلية شيعية، وفي الوقت نفسه تريد الحفاظ على علاقة هادئة مع إيران، وتهيئة الأجواء لتشجيع بكين على الاستثمار، لذلك قررت الحكومة الالتزام بسياسة الحياد، وعدم التورط في المغامرات السعودية في المنطقة».

لكن مع ذلك، أعلنت إسلام آباد، أنها ستقف بجانب المملكة العربية السعودية في أي وقت تتعرض فيه البلاد لهجوم مباشر.

السعودية وأزمة مكتب «طالبان» بالدوحة!

في منتصف عام 2017م، عندما قطعت المملكة العربية السعودية علاقاتها مع قطر؛ رفضت الرياض استمرار عمل مكتب جماعة طالبان الأفغانية بالدوحة، وتواصلت السعودية مع إسلام آباد لاستضافة المكتب لديها، ويعود الأمر إلى التسعينيات، عندما كانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول التي رحبت بحكم طالبان، وشجعت – إن لم تكن أرغمت – باكستان على الاعتراف بالجماعة.

تقول السيدة عائشة زمان الباحثة المختصة بالعلاقات الباكستانية السعودية لـ«ساسة بوست»: «بجانب أن طالبان نفسها رفضت مغادرة الدوحة، فإن القادة الباكستانيين كانوا يرفضون أمر استضافة مكتب طالبان في إسلام آباد، وكانوا غاضبين من الضغوط السعودية فيما يخص هذا الأمر».

الاجتماع السري بتركيا وقمة كوالالمبور و«تهديد السعودية»

في عام 2019م، وعلى هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، اجتمع سرًّا، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد.

قبل الاجتماع الثلاثي؛ كان رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، قد تحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عما أسماه تحالفًا ثلاثيًّا يجمع بين ماليزيا وتركيا وباكستان من أجل «الدفاع عن الإسلام وتوحيد الأمة وتحقيق استقلالها».

حينها، رأت المملكة العربية السعودية أن هذا التحالف الثلاثي ما هو إلا محاولة لمنافسة الدور السعودي في العالم الإسلامي، ومحاولة من جانب تركيا للصدارة وتصدير فكرة الخلافة الإسلامية.

لكن الصحافي الباكستاني أشرف قريشي، يرى أن مخاوف السعودية من هذا التحالف ليست في محلها، فيقول لـ«ساسة بوست»: «تحاول باكستان الانفتاح على شراكات جديدة مع جيرانها، والأمور لا تسير نحو تشكيل جبهة ضد السعودية، إسلام آباد على الحياد من الجميع، وتريد الحفاظ على مصالحها الخارجية والابتعاد عن المنافسات الإقليمية».

كان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، يظهر الكثير من الحماسة تجاه هذا التحالف الثلاثي الجديد، فكان قد أعلن إنشاء قناة تليفزيونية مشتركة لمكافحة الإسلاموفوبيا والدعوة لوحدة الأمة الإسلامية.

يرى السيد ميرزا أن الرياض بدأت في الشك في نوايا باكستان الجديدة، فيقول «كانت هناك اتصالات مكثفة بين ولي العهد السعودي وعمران خان، بعد إعلان التحالف الثلاثي، كان الأمير غاضبًا، واعتبر التحالف إهانة مباشرة لدور الرياض في قيادة العالم الإسلامي، ولا يجوز أن تخرج من حليف مثل باكستان، لذلك تراجع خان عن قمة كوالالمبور».

وفي نهاية عام 2019م، عندما أعلنت الخارجية الباكستانية، عدم مشاركة إسلام آباد في القمة الإسلامية المصغرة في ماليزيا، كثرت الأحاديث وقتها عن الضغوط التي تعرض لها رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان من قبل المملكة العربية السعودية، لعدم حضور قمة كوالالمبور، ثم لم يلبث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن صرح قائلًا «إن باكستان تعرضت لضغوط سعودية من أجل ثنيها عن المشاركة في القمة الإسلامية بكوالالمبور».

وزاد الرئيس أردوغان من سخونة الشائعات، عندما صرح مؤكدًا أن: «السعوديين هددوا بسحب الودائع السعودية من البنوك الباكستانية، وترحيل العمالة الباكستانية في المملكة».

نفت كلٌّ من الخارجية الباكستانية والسعودية، تصريحات أردوغان، والشائعات المتزايدة عن الضغوط السعودية، وبالرغم من النفي الشديد من كلا الجانبين السعودي والباكستاني، تقول السيدة عائشة زمان لـ«ساسة بوست»: «أمر الضغوط صحيح، والتهديد بترحيل العمالة وسحب الأموال، هو الرد الكلاسيكي للقادة السعوديين، تجاه إسلام آباد»، وتضيف شارحة: «السعودية تخشى التقارب الباكستاني التركي، بل ترفضه تمامًا، وتحاول الضغط ماليًّا على باكستان لإيقاف هذا التقارب، بالرغم من تقاربها هي مع الهند مؤخرًا، مع علمهم بحساسية الموقف بالنسبة لإسلام آباد».

كيف تري باكستان الاستثمارات السعودية في الهند؟

إذا كانت المملكة العربية السعودية تعيب على باكستان تقاربها من تركيا وإيران، فالقيادة الباكستانية ترى الاستثمارات السعودية في الهند بمثابة سبب قوي لصمتها تجاه ما يحدث في كشمير، بالرغم من علم الرياض مدى أهمية هذا الأمر بالنسبة لإسلام آباد.

ففي بداية العام الحالي، طلبت باكستان من الرياض عقد اجتماع عاجل لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي بشأن كشمير، لكن الأخيرة رفضت. يقول الصحافي الباكستاني باقر سيد لـ«ساسة بوست»: «كانت السعودية قد وعدت عمران خان، بعد قمة كوالالمبور التي لم تشارك بها إسلام آباد، بعقد اجتماع طارئ لمناقشة الأفعال الهندية الأخيرة في كشمير، وظلت تماطل في الأمر، مما أصاب باكستان بخيبة أمل».

جدير بالذكر، أنه في عام 2019م، زار ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الهند، بغرض توسيع حجم التجارة بين البلدين، وأعرب عن أمله في زيادة الاستثمارات بين نيودلهي والرياض لتصل إلى 100 مليار دولار، خلال العامين المقبلين. بينما تصل حجم الاتفاقيات التجارية بين إسلام آباد والرياض إلى 20 مليار دولار.

يقول باقر السيد في حديثه لـ«ساسة بوست»: «السعودية تجد أن السوق الهندي، مكانًا جيدًا للاستثمار؛ فالعلاقات الهندية السعودية في السنوات القليلة الماضية، تسير في مسار تصاعدي، وهذا ما يثير حفيظة باكستان».

التقارب الباكستاني التركي في الكفة المقابلة

في الوقت الذي وصف فيه الأمير محمد بن سلمان، تركيا بأنها جزء من «مثلث الشر» في المنطقة، ومنعت المملكة العربية السعودية بث المسلسلات التركية، بالرغم من شعبيتها الجارفة في دول الخليج؛ رأت إسلام آباد، أنه من الجيد إعادة النظر إلى جيرانها، وتقييم سياساتها الخارجية، وعدم الاعتماد على المساعدات المالية السعودية إلى حد ما، في مواجهة التقارب السعودي الهندي.

حتى إن رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، وهو الذي تربطه بمحمد بن سلمان علاقة قوية، لدرجة أنه استخدم طائرة الأخير الخاصة في السفر إلى نيويورك؛ أشاد بالمسلسل التاريخي التركي «قيام أرطغرل»، وطالب التليفزيون الباكستاني الحكومي بعرضه، ليستفيد أبناء باكستان ويتعلموا الحضارة والخلافة الإسلامية، فيما تواصل تركيا تشييد القنصلية التركية في مدينة كراتشي جنوب باكستان، والتي من المقرر أن تكون أكبر قنصلية تركية في العالم.

بدأ التقارب بين إسلام آباد وأنقرة عام 2019م، عندما زار عمران خان تركيا لتعزيز تعاون البلدين في العديد من المجالات، فالعلاقات بين تركيا وباكستان ليست بجديدة، لكن السعي لتقويتها بدأ مؤخرًا.

وعلى مدى العقود القليلة الماضية كان التعاون العسكري بين البلدين كبيرًا، وهناك العديد من الاتفاقيات في قطاع الأسلحة، والآن أصبحت باكستان الطامعة في الاستثمارات الأجنبية، في حاجة ماسة إلى الاستثمار التركي، وفي المقابل ترغب تركيا في تقوية دورها في المنطقة، وفتح أسواق جديدة للاستثمار، عن طريق التقارب والتعاون الاستراتيجي مع سوق مهمة وكبيرة مثل السوق الباكستانية.

كما أن البلدين يطمحان في مبادرة طريق الحرير الجديد؛ فبكين تسعى لتطوير ميناء جوادر الباكستاني، ومع الاتفاقية طويلة الأجل بين بكين وطهران، وضم ميناء تشابهار في إيران لأعمال التطوير الصينية، سيكون من السهل ربط إيران بباكستان، وستعم الفائد على تركيا من خلال تعزيز الحركة التجارية عبر هذا الممر.

يقول باقر سيد لـ«ساسة بوست»: «أنقرة تعتمد العمل على خطة العمق الاستراتيجي، وتجد في باكستان حليفًا قويًّا في العمق الآسيوي من ناحية، وفي العالم الإسلامي من ناحية أخرى»، يضيف سيد قائلًا: «تحتاج باكستان للتعاون العسكري مع تركيا، لتعزيز أمنها، فتركيا أصبحت أكبر ثاني مورد للأسلحة لباكستان، ناهيك عن التعاون في التدريب على الأسلحة وتحديثها وإصلاحها».

وماذا عن علاقة باكستان بالجمهورية الإسلامية في إيران؟

كانت دائمًا ما تحاول المملكة العربية السعودية، مواجهة النفوذ الإيراني، بتعزيز موطئ قدمها السياسي والديني والأيديولوجي في باكستان، لكن باكستان أصرت على خلق علاقة متوازنة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

عندما وصل حزب الشعب الباكستاني إلى السلطة من عام 2008م إلى 2013م، كانت تلك أكثر فترات التقارب بين طهران وإسلام آباد، في ما غير ذلك، كانت العلاقات تبدو عادية للغاية.

في عام 2019م، زار رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، طهران، ولم تكن تلك المرة الأولى التي يزور فيها رئيس وزراء باكستاني طهران، جميعهم فعلوا ذلك، وجميعهم تحدثوا مع القادة الإيرانيين على ضرورة العمل على حماية أمن البلدين والحدود المشتركة.

لكن عمران خان، في تلك الزيارة، أراد إيصال رسالة مباشرة إلى القيادة الإيرانية، رسالة تحمل إشارات تفيد بدء العمل الجاد على التعاون، فزار عمران خان مدينة مشهد المقدسة لدى الشيعة المسلمين، والتي يوجد بها ضريح الإمام الثامن لدى الشيعة.

أراد خان إظهار جدية نواياه تجاه إيران، من خلال تلك الزيارة الإنسانية إلى مدينة دينية شيعية، ولم يكتف بذلك، بل صاحبه في زيارته إلى إيران كبار القادة العسكريين والمسؤولين الأمنيين في باكستان، وقال خان «سيجلس مدير المسئولين الأمنيين الباكستانيين مع نظرائهم الإيرانيين، لمناقشة سبل التعاون، وحتى نثق في بعضنا البعض».

بالرغم من أن العلاقة بين إسلام آباد وطهران هادئة رتيبة معظم الوقت، فإنها من وقت لآخر تمر بصدامات، مثل حادثة عام 1990م، عندما اغتيل مدير أحد المراكز الثقافية الإيرانية في مدينة لاهور، على أيدي جماعة سنية مسلحة، وصفتها إيران بأنها متطرفة، ومدعومة من المملكة العربية السعودية.

وعلى ما يبدو أن عمران خان عازم على استعادة العلاقات الطيبة مع إيران، خاصة بعد اتفاقية الأخيرة مع الصين، والمشاركة في مشروع الحزام والطريق، ففي حديثه لـ«ساسة بوست»، يقول مسئول بوزارة الخارجية الإيرانية، طلب عدم ذكر اسمه، لأنه غير مخول له بالتحدث إلى وسائل الإعلام: «في الأشهر الأخيرة، بدأت قنوات اتصال جديدة بين طهران وإسلام آباد، وبعد أن أوقفت الرياض إمدادات النفط لباكستان، هناك اتصالات على مستوى رفيع بين القيادات في كلٍّ من باكستان وإيران، لمناقشة أمر تصدير النفط الإيراني، لكن الأمر متوقف على نتيجة الانتخابات الأمريكية».

يضيف المصدر مؤكدًا، أنه: «في المستقبل القريب، ستكون هناك شراكة تجارية كبيرة إلى حد ما بين طهران وإسلام آباد، إيران مهتمة بجيرانها، وتسعى لزيادة الاستثمار والتعاون الأمني مع باكستان». وعن الخلافات الأخيرة والمتزايدة بين باكستان والمملكة العربية السعودية، يقول المسئول بوزارة الخارجية الإيرانية، «القيادة في طهران، تعلم تمام  العلم أن الرياض كانت تمنع إسلام آباد من التقارب مع الجمهورية الإسلامية، لكن هناك الكثير من المعادلات السياسية الجديدة في المنطقة، وباكستان على ما يبدو تعيد النظر في سياستها الخارجية».

صديق عدوي ليس صديقي.. سياسة باكستان الخارجية

بالنظر إلى العلاقات الوطيدة بين باكستان والمملكة العربية السعودية، والاعتماد الباكستاني على المال والنفط السعودي، مصدرًا للشرعية السياسية والاستقرار الاجتماعي؛ يمكن أن يتبادر إلى ذهن المرء، أن إسلام آباد ما هي إلا مجرد تابع للمملكة، وهي التي توجه السياسية الداخلية والخارجية لباكستان، لكن الأمر ليس كذلك بالضبط.

Embed from Getty Images

تلخص مريم نصيري، الباحثة في الشأن الباكستاني، والمقيمة في طهران، السياسة الخارجية الباكستانية، في حديثها لـ«ساسة بوست»، في ثلاث نقاط كالآتي: «أولًا: المساعدة في مواجهة الهند، ثانيًا: الحفاظ على سياسية الحياد بخصوص الشرق الأوسط، ثالثًا: الحصول على الدعم المالي لإدارة البلاد».

وهذا يفسر كثيرًا، ارتباط إسلام آباد بالرياض لسنوات كثيرة، ويفسر أيضًا ارتباطها من قبل بإيران، التي كانت في يوم من الأيام من أهم الداعمين الماليين لباكستان، وأمدت طهران إسلام آباد بالأسحلة في وقت حربها مع الهند عام 1965م.

وبحسب السيدة نصيري، ابتعدت باكستان عن إيران، عندما أبدت الأخيرة بعض الاهتمام بالزعيم غاندي، بالتحديد في عام 1975م، وبدأت باكستان تعيد النظر في علاقتها بإيران، بحسب إطار السياسة الخارجية للبلاد، وهذا ما تفعله الآن مع المملكة العربية السعودية، خاصة بعد الاستثمارات السعودية الضخمة في الهند، وعدم إظهار أي نية سعودية لمساعدة إسلام آباد في حل أزمة كشمير.

تقول المحللة السياسية الباكستانية، عائشة صديقه، في مقال منشور لها، إن الرياض بدأت تفقد جزءًا من نفوذها المالي داخل باكستان، نتيجة لمغامرات ولي العهد السعودي، وانخفاض أسعار النفط، بالإضافة إلى سياسية «سعودة» العمالة في المملكة، والاتجاه إلى الاستغناء عن العمالة الباكستانية.

كل تلك العوامل، بالإضافة إلى عامل ظهور الاستثمارات الصينية في باكستان، والوعود الوردية التي أعطتها كلٌّ من طهران وبكين لإسلام آباد، تجعل الأخيرة تعيد نظرتها تجاه المملكة العربية السعودية، وتطرح سؤالًا مهمًّا «بعد كل تلك التطورات، ما الذي تستفيده باكستان من الرياض لاستكمال الشراكة معها، وعدم الدخول في تحالفات جديدة؟».

ترى السيدة نصيري، أن باكستان تمر بمرحلة «الانتقال بعيدًا عن السعودية»، والاقتراب أكثر وأكثر من تركيا، وإيران، والصين، فتقول: «تشعر إسلام آباد، بأن السعودية حليف متطلب، ومتقلب المزاج، يريد إخضاع الإرادة الباكستانية في مقابل الدعم المالي لها، وأغفلت الرياض أهمية أمر كشمير بالنسبة للباكستانيين وحساسيتهم تجاهها، لذلك تبدأ إسلام آباد في خلق تحالفات جديدة، تنعش اقتصادها، وتقف بجانبها في أزمة كشمير، ولا تعرض أمنها الداخلي للفتن».

أخيرًا.. هل انتهت صداقة الرياض وإسلام آباد طويلة الأمد؟

الإجابة ببساطة، لا، لم تنته العلاقة الاستراتيجية المستمرة منذ عقود بين باكستان والمملكة العربية السعودية، لأنها في الأساس علاقات مبنية على التعاون العسكري والأمني، ولا تستطيع الرياض الاستغناء عن هذه الشراكة المهمة مع باكستان.

فكانت السعودية واحدة من أكبر مستوردي الأسلحة الباكستانية التقليدية، كما أنها تدعمها بالمال لإجراء التجارب النووية، ووصل الأمر إلى طلب السعودية من الجنرال المتقاعد رحيل شريف، قائد الجيش الباكستاني السابق بأن يقود التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب.

دولي

منذ 9 شهور
عمران خان مع «فورين بوليسي»: يجب أن تتدخل أمريكا في كشمير.. ونحن ممتنون للصين

وفي وقت الأزمات الكبرى، التي يمر بها اقتصاد باكستان؛ تكون المملكة العربية السعودية دائمًا حاضرة؛ فعندما كانت إسلام آباد واقعة تحت العقوبات في عام 1998م، قدمت الرياض النفط الخام بقيمة ملياري دولار، بوصفها دفعات مؤجلة السداد، ولكن الأمر انتهى إلى تحول الأمر إلى منحة.

وفي ظل أزمة جائحة فيروس كورونا، والتي نتج منها تسريح بعض الدول الخليجية للعمالة الأجنبية لديها، لم تفعل السعودية الشيء نفسه تجاه العمالة الباكستانية التي تقدر بحوالي 2.5 مليون باكستاني، بل أصدرت الحكومة السعودية قرارًا يمنع الشركات من تسريح العمال الباكستانيين.

في النهاية، فإن الخلافات الأخيرة بين البلدين، ابتداء من أزمة اليمن، وصولًا إلى التصريحات الدبلوماسية الباكستانية المناهضة للسعودية، ليست نهاية المطاف، بل مجرد إعادة نظر، وتغيير في الاستراتيجيات في الوقت المناسب.

المصادر

تحميل المزيد