في الوقت الذي ما فتئت فيه باكستان تؤكد على التزامها بحماية أراضي المملكة العربية السعودية، رفض البرلمان الباكستاني مؤخرًا الانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية لمكافحة المتمردين الحوثيين في اليمن.

وبينما يواجه العديد من الباكستانيين مخاطر داخلية من قبل تنظيم طالبان، فإنهم يعارضون التدخل في عمليات عسكرية خارج الديار، خاصة وأن العمليات تتعلق بمحاربة عدو لم يُسمع عنه من قبل لدى الباكستانيين من جهة، وبما يعتري ذلك التدخل من مخاطر تدهور العلاقات مع إيران، البلد الداعم لإسلام أباد من جهة أخرى.

وزير الشؤون الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، أنور قرقاش، انتقد القرار الباكستاني، واصفًا إياه “بالقرار المتناقض والخطير وغير المتوقع”. كما اتهم قرقاش باكستان بتعزيز المصالح الإيرانية على حساب حلفائها في الخليج العربي، وأضاف بأن إسلام أباد اختارت الحياد في “مواجهة وجودية”، وبأنها ستدفع الثمن.

ردود الفعل الباكستانية تجاه التصريحات الإماراتية عبر عنها وزير الداخلية الباكستاني، شودري نزار علي خان، الذي وصف التصريحات بقوله بأنه ليس من المقبول من دولة صديقة أن تصدر مثل تلك التهديدات. غير أن رئيس الوزراء الباكستاني، نواز شريف، والذي يقر بفضل حكام السعودية في الحفاظ على سلامته بعد الإطاحة به في انقلاب 1999، يواجه ضغوطًا كبيرة في الوقت الحالي.

لم لا، فالدول الخليجية تحتضن الملايين من العمالة الباكستانية التي تقوم بإرسال تحويلات مالية كبيرة، فضلًا عن الاستثمارات الضخمة التي يمتلكها عدد من السياسيين والقادة الباكستانيين في منطقة الخليج العربي. وفي مقابل ذلك، يحظى الأثرياء العرب في باكستان بمعاملة الملوك الذين يسمح لهم بخرق قوانين حماية البيئة والصيد.

لا يبدو غريبًا إذن أن تعج الأجواء السعودية برحلات مكوكية لأعضاء في حكومة باكستان لشرح وجهات نظر بلادهم. أو ربما يشي ذلك ببعض التراجع في المواقف الباكستانية.

تراجع قد يعكسه موافقة الجيش الباكستاني مؤخرًا على تقديم الدعم البحري للسعودية في فرض حظر على الأسلحة ضد الحوثيين. رغم ذلك، إلا أن هذا التراجع لن يجبّ قرار البرلمان الباكستاني. فالتدهور الذي شهدته العلاقات بين باكستان وحلفائها العرب، وإن كان مؤقتًا، إلا أنه تدهور غير مسبوق.

قرار البرلمان الباكستاني جاء مفاجئًا للسعودية، خاصة وأن القرار أعقب اتفاق المبادئ الذي تم الاتفاق عليه بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي لطهران. فالمملكة لطالما أبدت مخاوف حيال التقارب الإيراني الأمريكي، كما هو الحال مع تطوير البرنامج النووي الإيراني.

الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودي السابق، كان قد وصف إيران بكونها “نمر من ورق له مخالب فولاذية”. وبحسب ما كشفت عنه وثائق ويكيليكس، فإن العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله، حث الولايات المتحدة على مهاجمة إيران و”قطع رأس الأفعى”. أما الآن، ووفقًا للاتفاق النووي، فإن الوقت الذي ستحتاجه طهران لبناء سلاحها النووي لن يستغرق أكثر من عام واحد فقط.

من شأن هذا التطور أن يساهم في تقويض الاستراتيجية النووية السعودية القائمة منذ زمن بعيد. شهدت سبعينيات القرن الماضي محاولات سعودية لتمديد نفوذ المملكة، ولو بشكل جزئي، متذرعة بالتضامن الإسلامي. تبددت هذه المحاولات آنذاك في تقديم الدعم المالي للبرنامج النووي الباكستاني. ممتنة لذلك، أطلقت الحكومة الباكستانية على مدينة يالبور اسم فيصل آباد على اسم الملك السعودي فيصل.

وحينما أبدت باكستان قلقها بعد أن قامت الهند بإجراء اختبارات شملت خمسة قنابل نووية في عام 1998، تعهدت الحكومة السعودية بإرسال 50.000 برميل نفط يومًا دون مقابل، وهو ما مكن باكستان من إجراء اختبارات فيما بعد شملت ستة قنابل.

في مقابل السخاء الذي قدمته المملكة، تلقت السعودية مساعدات عسكرية باكستانية في شكل جنود وصواريخ باليستية. وليس ذلك فحسب، بل إن الطيارين الباكستانيين قادوا طائرات مقاتلة سعودية ضد جنوب اليمن في أواخر الستينيات من القرن الماضي. كما أن القوات الجوية الباكستانية ساعدت القوات الجوية الملكية السعودية في سنواتها الأولى. واليوم، يجرى تدريب الضباط السعوديين في كليات الدفاع الوطني الباكستانية.

الحكومة السعودية من جانبها تبنت نهج المقايضات في مقابل بعض الفوائد النووية، بما في ذلك، إذا لزم الأمر، أن تقوم باستلام بعض من الأسلحة النووية التي ساهمت في تمويلها. ثمة مزاعم في هذا الشأن بتخصيص بعض الرؤوس الحربية الباكستانية لهذا الغرض في قاعدة جوية في كامرا، قرب إسلام آباد، وهو الأمر الذي تنفيه باكستان، التي تمتلك قرابة 120 رأسًا نووية.

وبينما توقعت السعودية أنها تقع تحت المظلة الباكستانية النووية، كما هو الحال مع اليابان التي يقال بأنها تحتمي بالمظلة النووية الأمريكية، خاصة وأن القدرات النووية الباكستانية تتخطى حاجز 2750 كم، فقد دفع القلق السعودي إزاء التردد الباكستاني في دعم السياسة السعودية في اليمن، إلى البحث عن بدائل نووية أخرى كنوع من الضغط على إسلام آباد، باعتبارها شريكًا نوويًا كان من المفترض أن يتم الاعتماد عليه.

في شهر مارس الماضي، قامت السعودية بتوقيع اتفاق مع كوريا الجنوبية يشمل عمل التقييمات اللازمة لإمكانية بناء مفاعلين نوويين في السعودية التي تخطط لبناء 16 مفاعلًا للطاقة النووية خلال العشرين سنة المقبلة. ويتوقع أن يتم الانتهاء من أول مفاعل نووي في 2022 بحسب الرابطة النووية العالمية.

دفعت المواقف الباكستانية الأخيرة إلى تصاعد المخاوف السعودية تجاه باكستان، شريك السعودية النووي الذي لا غنى عنه، والذي قد لا يخضع لإملاءات المملكة الخليجية الأكثر ثراءً بعد الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد