ميرفت عوف

2

ميرفت عوف

2

«لا توجد شرعية دستورية ولا قانونية للمحاكم في قطاع غزة، وبالتالي الحكومة في رام الله لها الحق في اتخاذ أي قرار بشأن إجراء الانتخابات من عدمها في غزة»، صدر هذا القرار عن محكمة العدل العليا في رام الله أمس (الثالث من أكتوبر/ تشرين الثاني)، واستندت فيه المحكمة إلى المادة 291 من قانون أصول المحاكمات المدنية.

اعتُبر هذا القرار من قبل حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وغيرها من الفصائل، قرارًا «سياسيًّا» بالدرجة الأولى، فيما اعتبره أغلب المواطنين الفلسطينيين قرارًا يؤكد لهم ما يدركونه جيدًا، وهو أن الانقسام ما زال قائمًا، وآمال انتهائه مبددة، بسبب عدم وجود توافق فلسطيني داخلي على إجراء انتخابات محلية هينة الإجراءات.

ويقرأ المحللون السياسيون في القرار، ردًّا فتحاويًّا على موافقة حماس على إجراء الانتخابات بدايةً، ثم دورها في إسقاط قوائم تابعة لفتح بشكل كامل، لاعتبارات تقول إنها متعلقة بمخالفة القانون، فيما اعتبرت حركة حماس قرار رام الله «تهربًا من العملية الانتخابية».

فتح والصدمة من موافقة حماس على الانتخابات

يرى الكاتب الفلسطيني ساري عرابي، أن قرار محكمة العدل العليا كان متوقعًا، ويرجع قراءته تلك إلى بداية ظهور اعتراضات قيادات فتح على الانتخابات، ودعوتهم لتأجيلها، ومهاجمتهم لحماس لأنها قررت المشاركة فيها، وقال: «كان مرجحًا حينها أن تلجأ فتح للقضاء لإعادة ترتيب موضوع الانتخابات، بما يناسب أوضاعها، فقد أرادت قيادة السلطة من هذه الانتخابات تجديد شرعيتها، ولعلها كانت تراهن على أن حماس لن تشارك، وستمنع إجراءها في غزة».

ويواصل عرابي الحديث لـ«ساسة بوست» بالقول إن مشاركة حماس والسماح لها بالانتخابات في غزة، أربك حسابات السلطة، واضطرها للجوء للقضاء لوقف الانتخابات في غزة، ويستدرك: «هذا القرار العجيب الذي يكرس الانقسام، ويمعن في التفرد والهيمنة والإقصاء، يخدم حماس، لأنه أولًا يطعن في الشرعية التي أرادتها السلطة من هذه الانتخابات، وثانيًا يتيح لحماس ترتيب الأمر من طرف واحد في غزة، ويريحها من عبء الانتخابات»، كما أنه يبقي المجال أمام حماس للمشاركة بطريقةٍ ما في الضفة، كأن تقوم بدعم قوائم مهنيين ومستقلين، حسب عرابي.

ويوضح عرابي أن: «إجراءات السلطة تثبت أن الانتخابات ليست مفتاح إنهاء الانقسام، والخروج من أزمات القضية الفلسطينية المستحكمة، وكذلك تثبت أن فتح وقيادتها تفتقران تمامًا لإرادة الشراكة، وأن الانتخابات بالنسبة لهم ليست إلا وسيلة لتحقيق مصالح ضيقة لا علاقة لها بأي قضية وطنية».

القضاء في أتون الصراع السياسي

يعتبر  مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة، عصام يونس، أن قرار المحكمة العليا «يؤزم المُأزم» كون تداعياته ستكون خطيرةً، ويقول يونس: «زج القضاء في أتون الصراع السياسي أمر خطير، لا يمكن أن تجري انتخابات في منطقة دون أخرى، هذا فرض عين يفرضه القانون، وتفرضه متطلبات القضية الوطنية».

ويتابع القول: «الانتخابات لا ينظر لها بذاتها، الانتخابات المحلية الهدف الرئيس منها أن تشكل خطوة على طريق وضع حد لحالة الانقسام السياسي، وإعادة الاعتبار للنظام السياسي، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بشكلٍ عام، فهي خطوة مهمة على طريق طويل، وقيمتها في أن تجرى بكافة الأراضي الفلسطينية حسب ما ينص عليه القانون الفلسطيني، وهو ما يتوافق عليه الجميع كخطوة على طريق طويل لإنهاء الانقسام، وتحقيق ما يريده الفلسطينيون لوضع حدٍّ لهذا العبث السياسي الذي دفع ثمنه باهظًا».

ويشير يونس خلال حديثٍ لـ«ساسة بوست» إلى أن هذا القرار ينطوي على خطورة بالغة، لأنه يعزز من الانقسام الفلسطيني، مشددًا على أهمية أن تجري الانتخابات في قطاع غزة والضفة الغربية، وأن على لجنة الانتخابات المركزية أن تتحمل المسئولية في هذا الشأن.

جولة جديدة من الاتهامات المتبادلة

«قرار المحكمة العليا الفلسطينية، هو قرار قضائي رغم أنه لا يوجد لدينا شيء معزول عن السياسة، فهناك قرار لدى السلطة الفلسطينية ومحاكمها وقضائها، بأنه لا شيء شرعي في قطاع غزة، وبالتالي المحكمة استندت إلى ذلك بأن الانتخابات لا يمكن إجرائها لغياب السلطة الشرعية، وهي بذلك ألقت الكرة في ملعب الحكومة»، هذا ما يؤكده لنا المحلل السياسي طلال عوكل.

وفي قراءته للوضع بعد قرار المحكمة، يقول عوكل لـ«ساسة بوست»: «الحكومة الآن تستطيع أن تقول بناءً على هذا القرار أنه سنجري الانتخابات مثلًا، وتعطي فرصة أطول إذا تم تقدم في موضوع المصالحة، أو أن تجري الانتخابات في وقت قريب، فالبعد السياسي مرتبط بقرار الحكومة، لكن الحكومة الآن لا تستطيع أن تعود إلى القرار السابق، الذي اعتبرت فيه أن القضاء في قطاع غزة يمكن أن يشكل مرجعية للشكاوى والضغوط، وأن الأمن يستطيع أن يشرف على هذه الانتخابات، وبالتالي الظروف في واقعها الراهن لا تسمح بإجراء انتخابات في قطاع غزة».

ويعقب عوكل على رد فعل حركة حماس الذي اتهم القرار بكونه قرارًا مسيسًا، بالقول: «حماس تلقي بالكرة على الطرف الآخر، وتؤكد أنها وافقت على الانتخابات وقامت بما يلزم، ولكن الطرف الآخر لا يرغب في إجراء انتخابات، وقرار المحكمة هو قرار سياسي؛ مما يعني أننا أمام جولة أخرى من الاتهامات المتبادلة بين الطرفين».

مزيد من الانقسام بين شطري الوطن

يشدد المختص في الشأن الإقليمي والقضية الفلسطينية، فهمي شراب، على خطورة القرار النهائي الذي أصدرته محكمة العدل العليا، ظُهر الأمس، ويتمثل ذلك في أنه «يقطع شعرة معاوية بين السلطة وحماس، في أمل المصالحة عبر بوابة الانتخابات»، ويوضح شراب أن: «القرار من شأنه أن يباعد الهوة بين الأطراف، وخاصةً أن جميع الفصائل أدانت هذا القرار، واعتبرته مسيسًا بالدرجة الأولى، وغير عقلاني، ولم يراع المصلحة الوطنية، ومستقبل وحدة التراب الفلسطيني، ولم شمل الفلسطينيين عبر نظام سياسي واحد».

ويشير شراب إلى أن القرار يدخل الفلسطينيين مرة أخرى في أتون «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، إذ إن كل فصيل يحكم منطقة منفصلة بأريحية. ويتناول شراب ذريعة كون محاكم غزة ومؤسساتها غير شرعية، ويجيب: «كان من الممكن الاستعانة بخبراء ولجان محايدة تراقب كل إجراء بخصوص الانتخابات، وبوجود قائمة قانونية محترمة ممثلة برئيس لجنة الانتخابات د.حنا ناصر، كان من الممكن أيضًا إجراء الانتخابات بأقل عوار وتجاوزات، والبدء في تجديد الشرعيات المنتهية لجميع الأطراف».

ويؤكد شراب أن هذا الإجراء يرفع الإحراج عن حماس، كونها اتهمت بأنها السبب في تعطيل المصالحة برفضها للانتخابات، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «الفلسطينيون بجميع فئاتهم متعلقون بانتخابات البلديات، رغم أنها خدماتية وليست سياسية، وذلك لأنهم وصلوا لمرحلة التعلق بأي قشة تنقذهم من سنوات الفقر وضياع الفرص، التي يعيشونها، خاصةً في غزة المحاصرة، لذلك على أصحاب القرار في السلطة الفلسطينية ألا يغفلوا عن حياة مليوني مواطن في غزة، ينتظرون انفراجة في الأفق السياسي».

تعليقات الفيسبوك