خلال العقود الماضية دائمًا ما كانت تحمل قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي ثقلًا كبيرًا في الغناء المصري والأغاني المصرية، فيصعب أن ينسى جيل الستينات أم كلثوم وهي تشدو «أصبح عندي الآن بندقية إلى فلسطين خذوني معكم»، ولكن خلال السنوات الأخيرة، ومع ما مرّت به القضية الفلسطينية من منعطفات تاريخية غير مسبوقة، كانت ردة الفعل الفنية المصرية باهتة أو تكاد تكون منعدمة، لنتتبع في هذا التقرير رحلة فلسطين في الأغنية المصرية على عدة عقود مضت وصولًا للعقد الأخير وما شهدته تلك الرحلة من تغيرات، وردود أفعال تباينت بين القوة والضعف.

مطربو جيل الألفية.. حين كانت فلسطين «تريند» الوجدان المصري

«يارب نولنا الشهادة هناك.. يارب أوعدنا بنترجاك»

بحماس شديد ردد المغني المصري الشهير محمد فؤاد تلك الكلمات مطلع الألفينات. الإجابة بديهية، هانك تعود إلى فلسطين، فقد كانت القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي هو الشغل الشاغل للرأي العام، وأغاني الكثير من الفنانين المصريين الذين ذاع صيتهم لدى جيل الألفية.

وأكمل فؤاد «بحلف ياقدس بربي وسماكي لتعودي زي ما ربي سماكي.. أرض الطهارة وعيسى والرسالات.. معراج محمد للسبع سموات» أغنية فؤاد حملت اسم «الأقصى نادى» وبدأت بعلم إسرائيل مشتعل، وعلى أصوات هتافات «بالروح بالدم نفديكي يا فلسطين»، وغنى المطرب الشهير «الأقصى نادى والندا غالي ويهون عشانه العمر لو غالي.. رافض أشوف الغدر حر طليق.. رافض أدوق الزاد وأخوي غريق».

أجواء التضامن المصرية كانت مشتعلة، في أجواء الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000 حتى 2005)، فليس فؤاد فقط من غنّى، بل أشهر مطربي هذا العصر، هاني شاكر نقيب الموسيقيين الحالي، تامر حسني، والهضبة « عمرو دياب»، فقبل سنوات طويلة من مشاحنات شاكر مع حسن شاكوش، وحمو بيكا، وصناع المهرجانات، كان لشاكر قضية أخرى أكبر بكثير تشغله، وهي فلسطين والقدس.

حين غنّى شاكر: «على باب القدس وعود وأماني وحلم كبير.. وصلاة بتخلي الشوك في طريقنا كأنه حرير.. في إيديهم نار.. واحنا بأحجار.. حنخلي ظلام الغدر يفوت.. في سبيل الله ارخصي يا حياة.. يا تعود القدس يا إما نموت» وشغل مشهد مقتل الطفل محمد الدرة في أحضان أبيه أغنية شاكر الذي غنّى: «كان صوت الحق بصرخة طفل في حضن الموت.. تنهيدة أب في آخر نظرة وآخر صوت.. وعيون بتقول القدس هتبقى ومش هتموت».

مشهد الدرة أيضًا كان من المشاهد التي أوردها عمرو دياب في مستهل أغنيته الشهيرة، وسط مشاهد لمعاناة أطفال فلسطين وشعبها، ليشدو دياب مغنيًا: «آخر كلام عندنا.. القدس دي أرضنا.. والحق ده حقنا.. والحق حق ربنا»، وحذّر: «وابني اللي شاف موته وأنا شايفه بألف شهيد، حالف لآخد تاره وارجعلك بإبن جديد» وتضيف أغنية دياب: «والأم إيه اللي يفيدها.. لو خدت منها ضناها تموت.. القدس لازم هناخدها.. وده حق مش محتاج لسكوت»

تامر حسني أيضًا أعرب في منتصف العقد الأول من الألفية عن تضامنه مع القضية الفلسطينة عندما غنّى: «ترابك يا فلسطين تاج على راسي، أمشي أتباهى بيه بين أهلي وناسي» ومع شعور ممزوج بين العجز والتضامن أكمل حسني «يارب مش عارف أنا أعمل ايه؟ يارب قدّرهم على اللي هم فيه.. مش عارف أعمل حاجة.. نفسي أعمل حاجة.. شايف أخويا بيتعذب وأنا بتفرج عليه» وبلغة متحفظة وحريصة دعا حسني الحكام العرب، وجامعة الدولة العربية، لحل قضية فلسطين: «محتاجين وقفة عربية لحل القضية.. بأعلى صوت أرجوكوا اتحركوا.. عارفين مش قصدكوا.. بس بردو محدش يقدر يسكت واخواته بتموت».

كليب حسني مثل العديد من الكليبات الأًخرى أظهرت المظاهرات التضامنية مع فلسطين، ففي هذا الوقت، يمكن القول إن فلسطين كانت «التريند» في الوجدان المصري والعربي، لدرجة وجهت كبار الفنانين للغناء لقضية فلسطين التي تشغل الرأي العام المصري، مع مساحة لإظهار التضامن سمح بها النظام الأسبق في مصر، الذي كان رئيسه من الجيل الذي شارك في حرب أكتوبر ضد إسرائيل، وإن كان من أبرز داعمي التطبيع والسلام بعد ذلك، لكن العديد من أبناء هذا النظام كانت عقيدتهم القتالية قد بنيت في عصر «إسرائيل هي العدو الأوحد»، بالرغم من كل ما تبع ذلك من تغيرات.

وبالرغم من العلاقة الجيدة التي جمعت بين القاهرة وتل أبيب في ذلك الوقت، لم يكن مبارك شديد الصرامة في قمع التظاهرات التضامنية مع فلسطين، في ظل رأي عام مصري تربّى على معاداة إسرائيل، ولفظ انتهاكاتها ضد الفلسطينيين والعرب، وإن كانت سياسة الدولة تسير في طريق مختلف.

التضامن المعلن في عصر مبارك مع فلسطين وصل لدرجة غنّت فيها آمال ماهر أغنية تؤكد عربية فلسطين وجمال مصر: «عربية يا أرض فلسطين، قدس ومهد وعهد ودين.. تفديك أرواحنا يا بلادى، اسمك دايم يا فلسطين.. أحلى بلاد الدنيا مصر»، وهي لم تكن مجرد أُغنية ظهرت للنور في عهد مبارك، ولكن غنّتها آمال على شاشة التلفزيون المصري في احتفالية حضر فيها رئيس النظام الأسبق مبارك نفسه مع قادة الجيش، تابعوا فيها الأغنية مع رقصات الدبكة الفلسطينية.

أوبريتات جماعية مصرية وعربية في حب فلسطين

التضامن المصري مع القضية الفلسطينية لم يتوقف فقط على أغاني فردية لكبار مطربي مصر، بل امتد لأوبريتات حضرها عشرات الفنانين المصريين من مطربين، ومطربات، وممثلين، وممثلات، ومن أشهر الأوبريتات في هذا الجانب: أوبريت «القدس هترجع لنا»، ذلك الأوبريت الذي ظهر فيه كبار الفنانين والفنانات في مصر بملابس الحداد السوداء. وغنّوا: «كان شايل ألوانه، كان رايح مدرسته، وبيحلم بحصانه، وبلعبه وطيارته، ولما انطلق الغدر وموت حتى براءته، سال الدم الطاهر على كراسته، كلنا بنقول أرضنا، أرضنا.. دمنا.. أمنا.. وان مات ملايين مننا القدس هترجع لنا».

ولم يخلُ الأوبريت من الحديث عن المشهد الأيقوني لمقتل محمد الدرة، الذي جاء في مستهل الأوبريت الذي شارك أكثر من 35 من كبار  فناني مصر، وهم: «أحمد السقا، وخالد النبوي، ومنى زكي، وشريف سلامة، وهدى سلطان، وهاني رمزي، وأحمد حلمي، وموناليزا، وشريف منير، وحنان ترك، وآثار الحكيم، وأنوشكا، ومدحت صالح، وسامى العدل، وكريم عبد العزيز، ومحمود ياسين، ونادية لطفي، وسميحة أيوب، هدى عمار، ويسرا، وعلاء عبد الخالق، وهشام عباس، ومنى عبد الغني، ومحمد حماقي، ولينا، وإيهاب توفيق، وشيماء سعيد، ومحمد محيي، وخالد عجاج، وطارق فؤاد، وحكيم، وفاروق الفيشاوي، وطلعت زين، وصابرين، ومها البدري».

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل سعى أحمد العريان، المنتج المصري من أصل فلسطيني، إلى تنظيم أوبريتات عربية كبيرة شارك فيها مطربون مصريون وعرب في حب فلسطين، من أشهرها: أوبريت الحلم العربي، الذي كان من إنتاج وإخراج وتلحين وكلمات مصريين، وخرج الأوبريت للنور عام 1998 بين الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية، وكان عملًا فنيًا قويًا استمر لنحو 20 دقيقة شارك في غنائه «23 حالم عربي» بحسب منتجيه، يحكون فيه عن عدد من أهم مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، وحلم التحرير العربي من الاحتلال الإسرائيلي.

الأوبريت من كلمات المصري مدحت العدل، وألحان حلمي بكر ومحمد صلاح الشرنوبي وحميد الشاعري، وقدّم الأوبريت حسين فهمي، وشارك في غنائه: «محمد الحلو، وإيهاب توفيق، وغادة رجب، وأنوشكا» وغنّى الفنانون: «أجيال ورا أجيال، هتعيش على حلمنا.. واللي نقوله اليوم.. محسوب على عمرنا، جايز ظلام الليل.. يبعدنا يوم إنما، يقدر شعاع النور.. يوصل لأبعد سما، دا حلمنا طول عمرنا.. حضن يضمنا كلنا كلنا».

ولم يكتفِ العريان بإنتاج الحلم العربي، فبعد 10 سنوات، أنتج العريان في 2008 أوبريت مشابه حمل اسم «الضمير العربي»: وبدأ الأوبريت برسالة تؤكد ضرورة محاكمة أنفسنا أمام ضمائرنا ورفض الاستسلام والصمت لتحقيق الحلم العربي، وجاء في كلمات الرسالة: «لأن الضمير منارة الإنسان إلى الصواب، نستعين به لتحقيق الحلم العربي، لذا دعو ضمائركم تنطق فالضمير الأبكم شيطان أخرس».

الأوبريت شارك فيه العديد من الفنانين العرب، بينهم ما لا يقل عن تسعة مصريين، وهم «عزت أبو عوف، وأشرف عبد الباقي، ونهال عنبر، ودينا عبد الله، ومنة فضالي، وإيهاب توفيق، وشيرين عبد الوهاب، وآمال ماهر»، بالإضافة إلى هاني شاكر الذي غنّى: «أنا عربي ورافض صمتي كاتم إحساس جواية، والشعب العربي في صفي هقول ويرد ورايا، ماتت قلوب الناس ماتت بها النخوة.. يمكن نسينا في يوم إن العرب إخوة» وتعدّت مدة الأوبريت 40 دقيقة، وشارك فيه كبار الفنانين العرب من أبرزهم: وديع الصافي، ونانسي عجرم، ولطيفة، وأحلام، والشاب خالد.

قبل السادات.. «إلى فلسطين خذوني معكم»

الأغنية المصرية في حب فلسطين لم تكن بدايتها بالطبع في الثلاثة عقود الماضية سالفة الذكر، بل إنها استمرت في الثلاث عقود الأخيرة، بالرغم من تغير السياسة المصرية كليًا في تجاه التطبيع، لكن قبل ذلك كان قوة الأغنية تسير مع قوة السلاح والسياسة في تجاه واحد «تحرير فلسطين»، الغناء في حب فلسطين متجذر في تاريخ مصر الحديث، وقد غنت «كوكب الشرق» أم كلثوم تغني لفلسطين في نهاية الستينات، في أغنية من كلمات الشاعر السوري نزار القباني «أصبح عندي الآن بندقية إلى فلسطين خذوني معكم.. إلى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية»، وهي أغنية من تلحين من محمد عبد الوهاب الذي غناها بدوره من بعدها.

عبد الوهاب نفسه غنّى ولحّن قصيدة «فلسطين»، والتي تقول: «أخي جاوز الظالمون المدى، فحق الجهاد وحق الفدا، أنتركهم يغصبون العروبة، مجد الأبوة والسؤددَ؟ وليس بغير صليل السيوف، يجيبون صوتًا لنا أو صدى، فجرد حسامك من غمده، فليس له بعد أن يغمدا».

العندليب عبد الحليم حافظ غنّى للقدس أغنية «المسيح» في الستينات بعد هزيمة 1967: «على أرضها طبع المسيح قدمه، علي أرضها نزف المسيح ألمه، في القدس في طريق الآلام.. ابنك يا قدس زي المسيح لازم يعود.. على أرضها»، وكذلك اشتهرت أشعار فؤاد حداد الذي اشتهر بمناصرته للقضية الفلسطينية، ومن أشهر أعماله: «المسحراتي» الذي تحدّث فيها عن القدس، وغناها سيد المكاوي عندما قال: «يا قدس نوارة السنين، كأن عيني في ميتمي، يا قدس ما يحتمل دمي، إلا أشوفك وأرتمي، وأبوس ترابك المريمي»، وكانت الأجواء حينها مواتية لأغاني كتلك أثناء فترة عبد الناصر الذي أعلن إسرائيل عدوه الأول، وخاض ضده عدة حروب، لتجد أغاني كتلك صداها في قلوب العرب والمصريين أجيال خلف أجيال.

مع صفقة القرن.. فلسطين تتلاشى من الأغنية المصرية

وخلال آخر عقد تقلّص الحديث عن القضية الفلسطينية في الأغاني المصرية، وقبل ثورة 25 يناير 2011 بمدة وجيزة، غنّى حمزة نمرة «اسمي مصر»، وقال: «يا إسرائيل ما بقولش أبدًا ده حرام، لكن بقول إن اللى مات صاحي في مكانه في بيت لحم.. في الخليل.. في لبنان، واقف هناك لو تسمعوه.. تسمعوه بيقول محال.. بيقول محال.. هتهون علينا خضرة.. أو بحر ورمال.. عارفه قبله أبقى مين؟ أبقى كلمه كل عصر، اسمي إيه وبكل فخر؟ اسمى أعظم اسم اسمي.. اسمى مصر».

كانت تلك الأغنية من مطرب مصري مستقل لا يمثل البناء الفني في مصر إعلانًا عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة ستنقرض فيها أغاني فلسطين.

كانت هذه إحدى أبرز الأغاني التي جاءت بصوت مصري عن فلسطين، وانتشرت بعد الثورة، بالإضافة إلى إعادة آمال ماهر غناء «عربية يا أرض فلسطين» في دار الأوبرا المصري في مارس (آذار) 2013، في احتفالية لتكريم الراحل عمار الشريعي، في حفلة جاءت على التلفزيون الرسمي المصري، وبعد ذلك خفت الحديث عن فلسطين في الأغنية المصرية خلال السنوات الأخيرة، بالرغم مما مر بالقضية الفلسطينية من أحداث جسام وقرارات مصيرية.

خلال الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي بدأت منذ عام 2015 إلى الآن، وما شهدته من مسيرات العودة، وقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة إسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وصولًا للإعلان عن صفقة القرن، لم تكد تسمع أغنية مصرية تضامنية مع فلسطين من كبار فناني مصر مثلما حدث في عقود سابقة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 8 شهور
«فلسطين المستقبلية».. فك ألغاز خريطة ترامب الجديدة

لم يعد التعبير عن التضامن مع فلسطين متاحًا، مع حظر التظاهرات غير المؤيدة للحكومة بكافة أنواعها، في ظل علاقات استثنائية تجمع بين القاهرة وتل أبيب، جعلت مصر تنسق عسكريًا مع إسرائيل نفسها، وتسمح إسرائيل باستخدام مصر لمجالها الجوي لعمل عمليات عسكرية، بحسب ما أكدته صحف إسرائيلية سابقًا دون نفي مصري، وهذا كله لدحض «العدو الجديد» للحكومة المصرية، وهو ما تسميه «الإرهاب» ذاك العدو المشترك للبلدين، ذلك العدو الذي تشحذ الدولة بكل طاقتها ووسائل إعلامها وفنانيها لمواجهته.

وتعليقًا على تباين اهتمام الأغاني المصرية بالقضية الفلسطينية خلال الحقب الماضية قال محمود الحلواني، أستاذ الموسيقى والاتجاهات المعاصرة للفنون بجامعة القاهرة: «منذ زيارة السادات لإسرائيل والاعتراف بدولة الكيان الصهيوني كان أول مسمار في نعش القضية الفلسطينية»، مُضيفًا في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: «للأسف اعتراف مصر بوجود دولة إسرائيل كان كارثة، وبالطبع الأعمال الفنية مرتبطة بالاتجاهات السياسية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد