في البداية، كان واضحًا أن السلطة الفلسطينية لم تكن متحمسة لمواجهة انتفاضة القدس، والالتزام بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، ولم يكن هذا السلوك نابعًا إلا من رغبتها في ممارسة الضغط على دولة الاحتلال واقتناص الفرص لتحقيق مصالح سياسية.

PALESTINIAN-ISRAEL-PEACE-US-UN-ABBASدومًا ما يصفه الفلسطينيون بـ”الخنجر المسموم”، حيث يُغرس التنسيق الأمني بين أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وأجهزة الأمنية في دولة الاحتلال الإسرائيلي في الجسد الوطني الفلسطيني، ««، في وقت تمارس دولة الاحتلال أبشع اعتداءاتها على الفلسطينيين في كل مكان داخل أراضيهم.
ورغم الصدمة الفلسطينية من جرأة رئيس المخابرات الفلسطينية العامّة “ماجد فرج” في التصريح بأنهم يعملون ليل نهار من أجل إحباط العمليات الفدائية ضد إسرائيل ومصادرة سلاح المقاومة، إلا أنهم كانوا يدركون جيدًا أن التنسيق الأمني مع الاحتلال مستمر مع استمرار سقوط أبنائهم شهداء وجرحى خلال انتفاضة الأقصى، وهو ما فسره محللون بأن الجانب الرسمي الفلسطيني يجتهد لإضعاف الانتفاضة وتعطيلها.

تقرير «ساسة بوست» التالي يقف على حقيقة العمل الرسمي الفلسطيني لإجهاض انتفاضة القدس بتنسيقه الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.

(1) هل قررت السلطة مواجهة انتفاضة القدس؟

ISRAEL-PALESTINIAN-CONFLICT-STABBINGفي البداية، كان واضحًا أن السلطة الفلسطينية لم تكن متحمسة لمواجهة انتفاضة القدس، والالتزام بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، ولم يكن هذا السلوك نابعًا إلا من رغبتها في ممارسة الضغط على دولة الاحتلال، واقتناص الفرص لتحقيق مصالح سياسية كمواصلة التفاوض، والتوقف عن الاستيطان، وإحداث تسهيلات ميدانية في الضفة الغربية على وجه التحديد، واتضح هذا الهدف عندما طالب رئيس السلطة محمود عباس بتحقيق شروط من أجل العمل على إيقاف الانتفاضة، إذ طالب بوجود مراقبين دوليين في الأقصى، وعودة وضع الأقصى لما قبل سنة 2000، ووقف الاستيطان، والإفراج عن أسرى الدفعة الرابعة، وعندما لم تتحقق هذه المطالب، سارع المجلس المركزي الفلسطيني لإصدار قرار في مارس2015 بوقف التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل بأشكاله كافة، غير أن هذا القرار لم يخرج إلى حيز التنفيذ الفعلي.

لم تتحقق شروط السلطة، ولم تستقر أيضًا على موقفها بسبب خوفها من فقدان السيطرة على مسار الانتفاضة، واستجابة للضغوط الدولية والإقليمية على رئيس السلطة لوقفها، سرعان ما حدث تحول في موقفها، أخذت الأجهزة الأمنية في منع التحركات الشعبية من التماس مع قوات الاحتلال، وأخذ قوات الحرس الرئاسي في قمع المتظاهرين، ومنعهــم من التوجــه إلى أماكن الاشــتباك والمواجهة مع الاحتلال، وزاد التنسيق الأمني إلى درجة تمتدحها الأوساط الأمنية الإسرائيلية، واستأنفت عمليات الاعتقال السياسي في صفوف نشطاء حركة “حماس” بالضفة الغربية بهدف منع توسع الانتفاضة.

ويؤكد تقرير لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة المحتلة أن: “السلطة نفذت 300 اعتداء بحق المواطنين خلال شهر أكتوبر الماضي 2015، عدا عن عشرات حالات الدهم والمحاكمات والتمديد ورفض الإفراج عنهم، بالإضافة للمحاولات المستمرة للإطاحة بانتفاضة القدس”. وأشارت اللجنة إلى: “أن السلطة تزعم أن الاعتقالات تأتي في إطار الحفاظ على الأمن والاستقرار، ومحاربة السلاح غير الشرعي، وملاحقة الخارجين عن القانون. غير أن الأسباب الحقيقية للحملات تعود إلى القضاء على المقاومة، وإخماد انتفاضة القدس”.

وأقر الرئيس محمود عباس بأن: “ما تقوم به الأجهزة الأمنية من إجراءات يتم بأمر منه”، وقال إن التنسيق الأمني مع الاحتلال قائم حتى في الانتفاضة، لأن سياسته قائمة على منع توريط الفلسطينيين في حروب لا يقدر عليها، وقد برر الرئيس محمود عبس سياسته تلك بالقول أمام ممثلي وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية بمقر الرئاسة الفلسطينية برام الله بأنه: “لن يقبل أن يلقي الأطفال الحجارة على الجيش الإسرائيلي ثم يُقتلون، وأن الأمن الفلسطيني يمنع ذلك لحمايتهم بأوامر منه”.

وكشفت مصادر إسرائيلية النقاب عن أن قيادة السلطة الفلسطينية نقلت رسائل “طمأنة” لإسرائيل تؤكد أن رئيس السلطة محمود عباس عازم على عدم السماح باندلاع انتفاضة جديدة، وتؤكد هذه المصادر أن: “التعاون الأمني بين السلطة وإسرائيل يحافظ على وتيرته الاعتيادية، وأن الأحداث الأخيرة لم تؤثر على فاعليته”، أما صحيفة “هآرتس” العبرية فأكدت أن هناك “تحسنًا ملحوظًا طرأ على علاقات التنسيق الأمني بين الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية، وهناك تغير كبير في موقف الطرف الأخير من انتفاضة القدس”، وتشير الصحيفة إلى أن: “السلطة الفلسطينية أحدثت تغييرًا ظهر جليًّا عبر الإعلام الرسمي الفلسطيني، من خلال وقف التحريض على المقاومة، بالإضافة للتراجع في مشاركة عناصر حركة فتح في المظاهرات والمواجهات”.

(2) ولكن.. لماذا لا ترغب السلطة الفلسطينية في استمرار انتفاضة القدس؟

Israeli soldiers fire tear gas into Palestinianيؤكد تقرير مركز “الزيتونة” للدراسات على ما سبق وأشرنا إليه وهو أن هناك: “مؤشرات تنبئ بأن السلطة تحوّل موقفها، وبدأت أجهزتها الأمنية في إجراءات ميدانية جادة لوقف الانتفاضة، الأمر الذي يزيد من القلق حول مستقبل الانتفاضة الجارية”، ويشير التقرير إلى “زيادة التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية، وقوات الاحتلال قياسًا على الفترة التي رافقت انطلاقتها. ما يعني أن هنالك قرارًا داخليًّا من السلطة بالتأثير عليها سلبًا.”

عدة أسباب تقف وراء رغبة السلطة الفلسطينية في منع اندلاع انتفاضة شعبية واسعة، كحرص السلطة على التوظيف السياسي لأجهزتها، وأيضًا الاستجابة للضغط الدولي الممارس على السلطة الفلسطينية، إذ طلبت الإدارة الأمريكية منها العمل على تخفيض التوتر، وقد عمل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري على ترتيب تفاهمات بشأن المسجد الأقصى مع الجانب الأردني.

كما يمكنا الإشارة إلى أن هناك طمأنة إسرائيلية للسلطة بأنها ستحقق لها شيئًا من مطالبها، فحسب ما ذكرت “هآرتس” فإن: “أجهزة أمن الاحتلال تعمل على بلورة اقتراحات للمستوى السياسي الإسرائيلي، ستُطالبه فيها بتقديم بوادر حسنة تجاه السلطة الفلسطينية، مرجحة أن تؤدي إلى تخفيض موجة العنف”. وحسب المصادر عرضت دولة الاحتلال على السلطة الفلسطينية تقديم تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين في عدة مجالات، مقابل “الحفاظ على أمن إسرائيل”، ومن هذه التسهيلات زيادة تصاريح العمل للعمال الفلسطينيين لتقليل نسبة البطالة في الضفة الغربية، وتطوير البنى التحتية في المدن والقرى الفلسطينية.

أسباب أخرى ذكرها الإسرائيليون، فكما يقول الخبير الأمني الإسرائيلي يوسي ميلمان، إن “معظم عمليات إطلاق النار في الضفة تتم بإيعاز من حماس حسب تعليماتها، لكن نجاحاتها ما زالت محدودة، لأن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تنجح من خلال التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في إحباط معظم العمليات المذكورة”، وأضاف ميلمان في مقاله بـ”معاريف” أن: “السلطة الفلسطينية لا ترغب في اندلاع انتفاضة شعبية واسعة، ولا تريد العودة لما تسميه أخطاء ياسر عرفات، الذي غض الطرف عن انخراط أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في عمليات إطلاق النار خلال الانتفاضة الثانية، بل إنها تصدر تعليماتها للأجهزة الأمنية بمواصلة التعاون مع الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك”.

أما صحيفة “إسرائيل اليوم” فتذكر أن السلطة تخشى من أن تستغل حركة حماس الأحداث لإشعال الضفة الغربية، وتؤكد الصحيفة أن: “عباس أصدر تعليمات واضحة وعلنية لقادة أجهزته الأمنية بعدم الانجرار للأحداث وعدم الإسهام فيها بحجة أنها تلعب لصالح إسرائيل”، ويوافق على هذا الرأي المحلل العسكري في “هآرتس” عاموس هرئيل، إذ اعتبر أن تحسن مستوى التنسيق الأمني يعود إلى “خشية السلطة من استغلال حركة حماس لتجدد المواجهات، وتحويل الهبة الحالية إلى انتفاضة ثالثة يتم استخدام الأسلحة النارية والعمليات الاستشهادية فيها، لمحاولة تقويض حكم السلطة”.

تصريحات فرج والغضب الفلسطيني

رغم إدراك الفلسطينيين لحقيقة أن التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال الإسرائيلي قائم ومستمر، إلا أن تصريحات رئيس المخابرات العامّة ماجد فرج التي أقر فيها بإحباط الأجهزة الأمنية بالضفة تنفيذ 200 عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي شكلت صدمة كبيرة لهم.

تفاخر فرج أيضًا في حديثه لمجلة “ديفنس نيوز” الأمنية الأمريكية بأن: “الأجهزة الأمنية الفلسطينية اعتقلت خلال تلك الفترة أكثر من 100 فلسطيني وصادرت أسلحة”، وأكد أنه “سيحافظ على التنسيق الأمني مع إسرائيل حتى استئناف المفاوضات السلمية”.

أحدثت هذه التصريحات موجة غضب شعبية وفصائلية كبيرة بين الفلسطينيين، واعتبرت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أن تصريحات فرج تؤكد أن أجهزة أمن السلطة بالضفة تعمل ضد الإجماع الوطني، وذكر بيان الحركة أن: “تصريحات ماجد فرج، بأن الحفاظ على التنسيق الأمني مهم، يدلل على أن حماية أمن الاحتلال أصبحت عقيدة ثابتة لتلك الأجهزة، وهي دليل على دور الأجهزة الأمنية في خدمة أمن الاحتلال ومحاربة الانتفاضة الفلسطينية”.

من جانبه، أكد مسؤول المكتب الإعلامي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين داود شهاب، أن الخطير فيما ورد على لسان اللواء فرج هو: “الربط بين ما يجري في العالم والعمليات الفدائية التي تأتي في إطار المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني”. وقال: “الخطير في تصريحات اللواء فرج هو حديثه عن إحباط العمليات الفدائية في سياق الحديث عن تحالفات دولية لمواجهة “الإرهاب”، وهذا ما يوظّف لخدمة الدعاية الصهيونية التي تعمل على تشويه الانتفاضة، والمقاومة المشروعة، ومسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني”.

أما “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” فوصفت تصريحات فرج بـ”الفضيحة السياسية”، واعتبرتها “تشكل غطاءً لسياسة القتل والإعدام اليومي، وطعنة في خاصرة الانتفاضة”. وذكرت الجبهة في بيان لها، أن تصريحات فرج تنطوي على “مخالفة صريحة” لقرارات المجلس المركزي الفلسطيني في آذار/ مارس 2015، وقرارات اللجنة التنفيذية، والتي أجمعت على التحلل من قيود اتفاق أوسلو، وفي مقدمتها وقف التنسيق الأمني، وأضافت: “لم يتحدث عن دور تلك الأجهزة في حماية شعبنا من إرهاب الاحتلال والمستوطنين، وهذا ما يؤكد على المحاولات الرامية لإجهاض الانتفاضة”.

(3)التنسيق الأمني

PALESTINIAN-ISRAEL-CONFLICT-CLASHESتُمكن اتفاقية “أوسلو” مع اتفاقيات أخرى صنفت تحت “اتفاقيات السلام مع إسرائيل” دولة الاحتلال الإسرائيلي من اجتياح أي منطقة في أراضي الضفة الغربية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، والقيام بالمداهمات والاعتقالات والتمشيط من أجل تنفيذ ما تريد من أعمال دون اعتراض من أجهزة الأمن الفلسطينية.

ما سبق جزء من التنسيق الأمني، فهناك أيضًا لجنة مشتركة تقوم من خلالها أجهزة الأمن الفلسطينية ومسؤولون من المخابرات وأجهزة أمن الاحتلال بالتنسيق في كل ما من شأنه ملاحقة المقاومين الفلسطينيين، كتيسير دوريات عسكرية مشتركة في مناطق التماس، ومنع أجهزة السلطة من اعتراض جنود الاحتلال خلال مداهماتهم لمناطقها من أجل اعتقال الفلسطينيين وملاحقة سلاح الفصائل الفلسطينية، ويشمل التنسيق الأمني أيضًا نشر مندوبين للأجهزة الأمنية الفلسطينية بين الناس لجمع المعلومات حول التوجّهات الفكرية والآراء.

وألزمت هذه الاتفاقيات السلطة الفلسطينية بملاحقة نشاطات المقاومة لحفظ أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي، كما نصت على عدم المس بمن يقوم بالتعاون مع الاحتلال من عملاء فلسطينيين، وإعادة كل إسرائيلي يدخل إلى الأراضي الفلسطينية عن طريق الخطأ للجانب الإسرائيلي، ولا تتوانى أجهزة الأمن الفلسطينية عن تقديم المعلومات الاستخباراتية اللازمة لأمن الاحتلال فيما يخص تحرّكات ونشاطات الفصائل المختلفة بالضفة الغربية.

وقد اضطرت السلطة الفلسطينية أكثر من مرة لوقف التنسيق الأمني بشكل مؤقت بسبب ظروف سياسية، لكنها سرعان ما كانت تستأنفه، وحسب الباحث حسن إبحيص فهناك عوامل تدفع السلطة باتجاه استمرار التنسيق الأمني، منها عوامل داخلية كالتوظيف السياسي للأجهزة الأمنية، إذ شكل التنسيق الأمني أداة تمكين سياسي مزدوجة بالنسبة لقيادة السلطة، وكما يقول الباحث: “تمّ توظيف الأجهزة الأمنية داخليًّا لملاحقة المعارضين، كما تمّ استغلال تقاطع المصالح بين طرفي التنسيق الأمني في إظهار جدارة السلطة أمام “إسرائيل” والولايات المتحدة، باعتبار معارضي السلطة هم أنفسهم من واصلوا رفع سلاح المقاومة بوجه الاحتلال”، إضافة إلى بناء الأجهزة الأمنية وعقيدتها، فحسب الباحث أن أجهزة الأمنية الفلسطينية وعقيدتها خضعت لعملية تغيير شامل بموجب خطة خريطة الطريق، كما تمّ إنتاج عقيدة جديدة و”فلسطيني جديد”، بإشراف الجنرال الأمريكي كيث دايتون، لم يعد يرى في “إسرائيل” عدوًا، ويرى في استمرار التنسيق الأمني مصلحة فلسطينية كبرى”.

أما فيما يتعلق بالعوامل الخارجية، يقول إبحيص: “يُشكّل التنسيق الأمني جوهر الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية المتلاحقة، بشكل يربط استمرار وجود سلطة الحكم الذاتي بأداء وظائفها الأمنية. وبالتالي فإن الإخلال بهذه الوظيفة يعني بالنسبة للاحتلال زوال مبرر بقائها، مع توفير ذريعة تحميه نظريًّا من ردود الفعل الدولية على أي عمل قد يقرر أن يقدم عليه”، ويضيف الباحث أنه هناك: “اعتبار أدوات السيطرة العسكرية والاقتصادية الخارجية، فالاحتلال يمتلك أدوات عسكرية وأمنية واقتصادية يستطيع استخدامها ضدّ السلطة متى شاء، في حال أقدمت على وقف التنسيق الأمني”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد