تجلس السيدة أمينة – 45 عامًا – أمام زقاق بيتها في مخيم النصيرات – وسط قطاع غزة – يداريها عن أعين المارة ستارة زرقاء اللون، تجلس وهي تمسك بإبرتها الصغيرة وتنسج بخيط أحمر قان تزيده شمس غزة الربيعية بريقًا.

تعمل هذه السيدة على إنجاز ثوب مطرز، عليها أن تنتهي منه بعد شهر، حين يأتي موعد مناقشة رسالة الماجستير لصاحبة هذا الثوب، الجميع يتخيل شكل الثوب النهائي كلوحة فنية تسر خاطر كل الأذواق بفنها العالي وتناسق ألوانها.

أمينة التي تعلمت التطريز قبل عشرين عامًا من أمها، تعشق هذا الفن الذي يوصف بـ”المتعب” بسبب إرهاقه للنظر واليد، تقول أن اليوم الذي لا تطرز فيه لو “غرزة واحدة” تشعر أنه غير محسوب من أيامها، وتضيف: “صحيح أني أقتات من هذا العمل، لكن كغيري من النساء حريصة على إخراج عمل مميز يغرس التطريز الفلسطيني كتراث في كل العالم”.

أمينة يزعجها انقطاع التيار الكهربائي ويؤثر على إنجازها لذا هي في الغالب تضطر للعمل على ضوء الكشاف الشاحن، وهي بذلك تؤكد أن المرأة الغزية قادرة على الإبداع في التصميم والتنفيذ خاصة في الملابس ذات الطابع التراثي المحتشم الذي يتناسب مع المجتمعات المحافظة.

الفتيات والتطريز

يعد  أجمل ما يميز التراث الفلسطيني هو “التطريز الفلاحي”، أحد أبرز الفنون الشعبية الفلسطينية التي تحولت عبر التاريخ إلى حرفة وتطورت لتصبح مورد رزق لفئة كبيرة من النساء في فلسطين وتصبح أيضًا محل نزاع مع الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يعتق هذا التراث من سرقته له.

منع الاحتلال الإسرائيلي دخول المواد الخام التي تستخدم في التطريز، كما منع تسويق المشغولات اليدوية لـ”التطريز الفلاحي”، وبالرغم من ذلك بقي شغل الفلسطينيات الشاغل نسخ خيوطها الحريرية لإنتاج مطرزات غاية في الجمال سواء كملابس أو كقطع تزين بها منزلها.

لذا لم يقتصر أمر التطريز في المجتمع الفلسطيني على كونه مصدرًا لدخل، فلا يخلو منزل فلسطيني من فتاة أو سيدة تعلمت التطريز ثم قامت بإنجاز متعلقاتها المطرزة بيدها، إيمان منير – 20 عامًا – واحدة من تلك الفتيات، الآن تعمل هذه الفتاة على إنجاز “محفظة” مطرزة لشقيقتها التي أعجبت بتطريزها السابق، تقول إيمان أنها تنتظر أي فرصة فراغ لديها كطالبة “علم اجتماع” في جامعة الأقصى من أجل التطريز، وتضيف الفتاة: “صنعت مرآة مطرزة، ثم صنعت صينية مطرزة، كنت فرحة جدًا بإنجازي خاصة أن أمي تشجعني وتعطي المال لشراء الخيوط والقماش”.

تخطط إيمان في الإجازة الصيفية القريبة لإنجاز صندوق خشبي مطرز لتقديم الحلوى في المناسبات، وأيضا تنوي إنجاز حقيبة مطرزة تذهب بها للفصل الجامعي التالي. تقول إيمان: “أشعر أنني أقاوم سرقة الاحتلال بهذا التطريز، كما أنه شيء مهم في حياتنا كفلسطينيين”.

تاريخ التطريز الفلسطيني

ظهرت الأزياء الشعبية الفلسطينية القديمة قبل نحو 280 ألف عام قبل الميلاد، وكما يقول مؤلفا كتاب “فلسطين ألوان وخطوط” علي حسين خلف وتوفيق عبد العال، أن فن التطريز الفلسطيني الحديث هو تتويج واستمرار لخبرة ثلاثة آلاف سنة أو يزيد، إذ كان الكنعانيون يلبسون الملابس المطرزة للجنسين ولمختلف الأعمار واشتقوا الزخرف من الطبيعة، وهذا ما أظهرته النقوش على اللوحات العاجية في “مجدو” وجدران “طيبة” وفسيفساء “حمورابي”.

ومع تغير الظروف والأوضاع تغيرت ظروف التطريز، فقبل نكبة فلسطين كان من مسميات التطريز النجوم، الفنانير، قرص العسل، النخل العالي، عرق الورد. ولكن بعد عام 1948 واكب فن التطريز الحياة العصرية وظهرت مسميات مختلفة عن السابق سيطر عليها العامل النفسي والاجتماعي فطغى عليه حيثيات النكبة والمعاناة اليومية للاجئين وخاصة في المخيمات التي أبدعت في كافة الفنون التشكيلة ورسمت صورة واضحة المعالم للطابع الفلسطيني المتميز في هذا المجال.
يقول عبد الرحمن المزين في كتابه “موسوعة التراث الفلسطيني” أن الزخرفة المعروفة باسم المثلث كانت في فترة الوجود الكنعاني في أريحا وذلك قبل 5500 سنة تقريبا، ولا يزال مثل هذا النوع من التطريز منتشرًا في بعض الأماكن الفلسطينية باعتباره من ركائز فن التطريز الشعبي، ويستشهد بنوع تراثي آخر وهو “النجمة الثمانية” التي تعتبر من الأعمال الفنية القديمة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 4500 عام قبل الميلاد، ثم اعتبرت من ضمن الأسس الرئيسية لفن الزخرفة في العهد الإسلامي، بل لا تزال هذه النجمة لها اعتبارها في الفن التطريزي الفلسطيني الحديث.

 الاحتلال يسرق المطرزات

باستماتة، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى الاستيلاء على التراث الفلسطيني، وتسويقها على أنها إبداع أو ابتكار إسرائيلي، الأخبار دائما تتوالى، تارة مضيفات شركة الطيران الإسرائيلية (العال) يرتدين أزياء مطرزة فلسطينية، وتارة أخرى تعرض شركات أجنبية ملابس وأحذية تحمل تطريزات من التراث الفلسطيني عبر مواقعها الإلكترونية على أنها صناعة لمصممي أزياء “إسرائيليين”، وتارة يعمل من أجل إصدار كتب عن “الفلكلور الإسرائيلي” يذكر  الأثواب الفلسطينية على أنها “إسرائيلية”، وحدث أن قامت دولة الاحتلال بتسجيل أثواب فلسطينية باسمها في الموسوعات العالمية، مثل ثوب عروس بيت لحم المعروف باسم (ثوب الملك) الذي سجلته إسرائيل باسمها في المجلد الرابع من (الموسوعة العالمية).

يقول المدير التنفيذي لمؤسسة فلسطين للتراث “جذور” محمد أبو ليلى أنهم يعملون على كشف ورصد المخططات الصهيونية لطمس الهوية الفلسطينية وسرقة ثروتها الحضارية، وتبني المؤسسات الفلسطينية مشاريع تدريبية متخصصة للأشغال الفلسطينية كالتطريز والتحف والزخرفات للمرأة الفلسطينية.

مؤكدا على أن الثوب المطرّز كان له النصيب الأكبر من سرقات الاحتلال لتراث، إذ يقوم الاحتلال بتسويق الثوب في الدول الأوروبية والأمريكية على أنه من التراث “اليهودي” وعمره آلاف السنوات، وكانت زوجة “موشي ديان” وزير جيش الاحتلال سابقًا قد ارتدت ثوبا فلسطينيا في إحدى المناسبات العالمية في ستينات القرن المنصرم، زاعمة أنه تراث يهودي.

أشهر أنواع الأثواب الفلسطينية

وضع التطريز الفلسطيني على عدة أنواع من الأثواب بسبب تنوع التطريز عليها، ومن هذه الأنواع:-

الثوب الغزي

يشتهر الثوب الغزي بتطريز مميز بالوحدات الهندسية الكبيرة، حيث كانت مدينة المجدل مركزا للنسيج، تزود به كافة قرى فلسطين حتى سنة 1948. وكان للقماش الغزي المصنوع من القطن والكتان كنار وحاشية مميزة من الحرير الملون المخطط، ومن ضمن قرى غزة التي اشتهرت بالتطريز: أسدود، حمامي، كوكبة، المسمية، بيت لاهية، جباليا، وهربية.

ثوب يافا

يتميز ثوب يافا بوحداته الزخرفية المحاطة برسومات شجر السرو التي تحيط بيارات البرتقال، وقد اشتهر ثوب بيت دجن بتطريزه الرائع، وقد اشتهر الثوب باسم الدجني نسبة إلى المدينة. وقد ضم التقليد عددًا من القرى المجاورة منها: سلمة، السافرية، يازور، النعاني وصرفند.

الثوب المجدلاوي

وهو من أشهر الأثواب الفلسطينية ويتم تصنيعه بأيدي أبناء المجدل الذين حافظوا على صناعة الغزل والنسيج خاصة بعد هجرتهم من الأراضي المحتلة عام 48.

ثوب الخليل

اشتهرت قرى الخليل بأثوابها وتطريزها المتميز بكثافته وتعدد ألوانه ورسوماته. ومن أشهر قرى الخليل في صناعة الأثواب المطرزة: يطا، دورا، السموع، إذنا، حلحول وبيت جبريل.

الثوب التلحمي

ثوب عريق حيث كان خاصًا بملكات فلسطين الكنعانيات. وهو ثوب مخطط بخيوط داكنة ومعظمها يميل إلى اللون البني المحمر.

الثوب المقدسي

وهو ثوب مصنوع من الحرير الأسود ويطرز باللون الناري وهو ثوب خاص بمنطقة القدس.

ثوب بئر السبع

ثوب بئر السبع غني بالتطريز على الردف والجوانب (البنادق) والخلف، على الأكتاف وخلف الرقبة قماش من الصايا، يتميز بلونه الأحمر ومزخرف بألوان زاهية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد