كثرة وسائل الإعلام الفلسطينية بشتى مضامينها المطبوعة والمرئية والمسموعة والإلكترونية لا تعني أنها تخطت شوطًا كبيرًا في سلم الإبداع الإعلامي الفلسطيني محليًّا وعربيًّا وحتى خارجيًّا، فما زالت تعاني من محدودية في الإمكانيات، وضعف في خطابها الخارجي، إلى جانب عدم توظيفها الطاقات المتوافرة لديها لصالح القضية الفلسطينية.

افتقار الفلسطينيين لإستراتيجية إعلامية قادرة على التعامل مع الإعلام الغربي بكل مكوناته ومؤثراته يعد مؤشرًا على أن مخاطبة الإعلام الفلسطيني للغرب ما زال يراوح مكانه، إلى جانب انشغال الفلسطينيين بخلافاتهم الداخلية المستمرة حتى اللحظة.

الاستيطان، وجدار الفصل العنصري، والحصار على غزة، وحقوق اللاجئين، والأسرى في السجون الإسرائيلية، هذه أبرز المسائل الفلسطينية العالقة حتى الآن، لكن ثمة تساؤلات تحوم حولها، لماذا لم ينجح الفلسطيني في حشد المزيد من الآراء والمعلومات للخارج حولها وبيّن حقيقة ما يجري وفقًا للدلائل المتوفرة؟ لا سيما وأنها أخذت تتفاقم شيئًا فشيئًا على أرض الواقع دون مواجهة حقيقية لها حتى عبر الإعلام المصبوغ معظمه بـ”الحزبية”!

تفتقر للإستراتيجية

في المقابل، يتضح للفلسطيني خصوصًا والعربي عمومًا، مدى نجاح الإعلام الغربي والإسرائيلي بالدرجة الأولى في تسويق قضية الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، بالإضافة إلى ضحايا الصواريخ الفلسطينية من سكان إسرائيل، وحق العودة الفلسطيني على اعتبار أنه ” تهويد وجودي” لإسرائيل وفق العقلية العاملة هناك.

هذا النجاح الغربي جاء بعدما فهم أدوات الخطاب الغربي للعرب والفلسطينيين، وتعاطى معها وفقًا لمعلومات وُفِّرت له، وإن كانت صحيحة في نظرهم، وخاطئة في نظر أطراف أخرى، لكنه كسب التأييد والتعاطف، بخلاف الفلسطينيين الذين يفتقرون أصلاً إلى شبكة علاقات عامة فلسطينية لديها إستراتيجية واضحة للتخاطب مع الغرب وتتزود بالإمكانيات والمصادر والخبرات اللازمة لمجابهة ما يثار على وسائل الإعلام الغربية، أو حتى المناصرة لسياسات إسرائيل.

وأشار أحد الصحفيين الغربيين العاملين في الخارج إلى أنه كان يتلقى يوميًّا ما بين 75- 100 رسالة إلكترونية من مصادر حكومية إسرائيلية ومنظمات ضغط وأفراد مؤيدين لإسرائيل بينما كان يصله حوالي خَمس رسائل إلكترونية من مصادر فلسطينية طيلة أسبوع واحد!

وفي السياق نفسه، رأى الباحث والأكاديمي الفلسطيني، مشير عامر، من جهة أخرى، أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في شقها الإعلامي تنفذ أساليب ترهيب وابتزاز وترغيب تسعى بها للتأثير في طريقة تناول وسائل الإعلام الأمريكية للأحداث في فلسطين المحتلة مثل تنظيم حملات كتابة الرسائل للمحرر والاحتجاجات وإلغاء الاشتراكات وحملات المقاطعة والتشويه والتخويف وتهمة المعاداة للسامية التي تشكل رادعًا قويًّا للصحفيين من جهة، ومن جهة أخرى تقوم بتنظيم دعوات للصحفيين والمحررين لزيارة إسرائيل، وعقد محاضرات ولقاءات مع صحفيين وتحفيزهم للكتابة بشكل يتناغم مع وجهة النظر الإسرائيلية.

الباحث والأكاديمي الفلسطيني/ مشير عامر

ومن وجهة نظر عامر، فإن نجاح إسرائيل في استدرار عطف العالم الغربي على مدار أكثر من ستين عامًا يرجع – في جزء منه – بفضل إستراتيجياتها الإعلامية وفهمها لمحددات وآليات صناعة الرأي العام في الغرب.

وأضاف: “هناك تآكل حقيقي في صورة إسرائيل في الوعي الشعبي الغربي بفضل جهود الكثير، ولكن يجب أن نراكم هذه الإنجازات ونتقدم بإستراتيجية إعلامية واضحة ومدروسة تحشد الرأي العام الغربي للحق الفلسطيني، فسقوط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في أوائل التسعينات لم يتأتى بفضل صحوة ضمير الحكومات الغربية، ولكن نتيجة صمود الأفارقة السود وحركة تضامن عالمية ضاغطة على الحكومات الغربية أدت في نهاية المطاف إلى تفكك نظام الفصل العنصري وتحقيق الحرية والاستقلال”.

أما عن أبرز خطوات العمل للرقي بالتخاطب مع الإعلام الغربي، فقد نوه عامر إلى ضرورة تجنُب الخطاب العاطفي، والتأسيس لخطاب سياسي عقلاني واقعي مُقنع يدعو إلى إنهاء الاحتلال والديمقراطية والحق في الحياة بحرية وكرامة، إضافة إلى انتداب أشخاص “محددين” يجيدون التحدث باللغة الإنجليزية ويتمتعون بالكفاءة في التخاطب مع الإعلام الغربي والمجتمعات الغربية، وتفادي الحديث العاطفي المفرط والمبالغة والتضخيم، وإنما تحري الدقة في نقل الأخبار وسرد الحقائق.

ومن بين الخطوات أيضا تحديث وسائل الاتصال مع وسائل الإعلام الغربية الرسمية والبديلة وشبكات التواصل الاجتماعي من خلال تأسيس شبكة من الصحفيين المُدرَّبين والمؤسسات الإعلامية الفلسطينية تقوم بتزويد الأخبار والمصادر بشكل دوري وخصوصًا في وقت الأزمات، وبناء وتطوير شبكة علاقات عامة مع مؤسسات وأفراد متضامنين ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية غربية مساندة لحقوق الشعب الفلسطيني.

ارتباطات ومصالح!


بدوره، قال الإعلامي؛ ناصر الفرا: “إن نجاح الخطاب الإعلامي العربي في مواجهة الخطاب الإعلامي الغربي مرتبط ارتباطًا عضويًّا بتجريد الواقع ونقد الذات أولاً وتحرير وتحفيز الإعلامي المبدع ثانيًا ليقوم بدوره في مواجهة الإعلام الغربي، وعكس ذلك يجعل الساحة فارغة، و يصول ويجول فيها الإعلامي الغربي بدون أن يضع في الحسبان كرامة وثقافة الآخر”.

الإعلامي/ ناصر الفرا

ولفت الفرا – خلال مقال له بعنوان “الإعلام الغربي ونقد الخطاب العربي” – إلى أن التعامل مع المؤسسات الإعلامية الغربية أمر فى غاية التعقيد والأهمية، خاصة إذا كانت هذه المؤسسات ذات قوة تأثير على الرأي العام المحلي والعالمي، والتعامل معها يتطلب قدرًا كبيرًا من اللباقة والمعرفة، وأحيانًا يستحسن امتلاك درجة عالية من النباهة والدهاء، خاصة إذا كان الحدث الذي يتم التعامل معه في غاية الحساسية، أو أن من يقف على الجانب الآخر لا يدخر جهدًا أو أسلوبًا إلا واستعان به من أجل دعم رأيه أو حتى فرضه.

وتابع: “بين الحين والآخر بعض دول وشعوب العالم تعيش حالة صراع تدور رحاها في الجرائد والأستوديوهات، وتستخدم فيها الكلمات والصور كوسيلة قذف، وتنكير وتشهير, هذه الصراعات هي امتداد لصراعات تستعمل فيها الأسلحة الخفيفة أو الثقيلة”.

وبين أنه أحيانًا تكون وسائل الإعلام محايدة وأحيانًا تقف مع طرف ضد الآخر، بيد أن الموقف النهائي لهذه الوسائل يعتمد بشكل أساسي على ما يمارس عليها من ضغوطات وما لها من ارتباطات ومصالح عامة وخاصة، وهذه الوسائل تعبر عما يراد بحنكة وذكاء من خلال الكلمة المباشرة المؤثرة والصورة الجاذبة.


عرض التعليقات
تحميل المزيد