فرضت قضية اللجوء عام 1948 على القيادات الفلسطينية إيجاد سلسلة من العلاقات مع الدول العربية، خاصة الدول التي لجأ إليها الفلسطينيون كالأردن ولبنان وسوريا والعراق، لينبعث فيما بعد من هذا الوجود المدني أحزاب وفصائل وحركات فلسطينية على أرض عربية.

بعض هذه الفصائل كانت جناحًا فلسطينيًّا لأحزاب عربية مثل جبهة التحرير العربية وهي جناح لحزب البعث الاشتراكي، والصاعقة وهي جناح لحزب البعث العربي الاشتراكي في دمشق، وبالتالي كان وجود بعض هذه الأحزاب عبارة عن امتداد لأحزاب عربية، فرضت أيضًا علاقة بين الفلسطينيين والدول العربية التي استضافتها.

 

ولعل أبرز تلك العلاقات كانت خاصة بحركة فتح التي نشطت في الأردن بعد عام 1967 في منطقتي الأغوار والكرامة، وترتب على هذا النشاط توتر في علاقاتها بالنظام الأردني وصولاً إلى أيلول الأسود عام 1970  ، حيث وقعت مواجهة طويلة ودموية بين المجموعات الفلسطينية المسلحة والجيش الأردني،  أدت إلى طرد تلك المجموعات، فاضطرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى نقل مقرها إلى بيروت ، وذلك بناء على اتفاق القاهرة (نوفمبر 1969 ) و الذي وقع قبل عام من أحداث أيلول الأسود بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية والجنرال إميل البستاني، قائد القوات المسلحة اللبنانية، تحت رعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وقد نص اتفاق القاهرة على السماح للجماعات الفلسطينية المسلحة بالإقامة في مناطق معينة في جنوب لبنان والمشاركة في المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل.

 

أما وجود حركة حماس بالأردن فتعلق بظروف التأسيس؛ حيث انبثقت حماس عن الإخوان المسلمين – “تنظيم بلاد الشام” أي الجماعة الإخوانية التي شملت إخوان فلسطين والأردن – وشارك في تأسيسها قيادات إخوانية في الأردن، وقيادات شابة في الكويت انتقلت إلى الأردن من بعد حرب العراق في العام ١٩٩١، وبقيت تعمل في مكان مجاور لفلسطين، حتى أُبعِدت الحركة من الأردن.

وبقي الوجود الفلسطيني في لبنان وسوريا خلال فترة السبعينات مستقرًّا حتى عام 1982 حين اندلعت حرب لبنان وما ترتب عليها من تدمير للبنى العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم حرب المخيمات في طرابلس عام 1983، وهذه الأحداث أضعفت أحزابًا فلسطينية مثل حركة فتح وأصبح لأحزاب أخرى وجود قوي مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية في سوريا.

وانتقلت على إثر هذه الأحداث حركة فتح – التي كانت على خلاف مع النظام السوري – إلى تونس، لتشكل تونس مرحلة جديدة في تاريخ الثورة الفلسطينية رغم أن تونس قبلت بوجود القيادة كقيادة سياسية وليس كقيادة ذات عمل عسكري حتى عودتها إلى غزة عام 1994.

صورة_1_أرشيفة_لقادة_فتح.jpg (500×333)

صورة أرشيفة لقادة فتح

 

علاقة حركة فتح بمصر

 

لم يكن للفلسطينيين بمصر وجود مدني كمخيمات كما حدث مع دول الجوار الأخرى، وبقيت علاقة الجوار بين مصر وقطاع غزة علاقة وثيقة إبان فترة الإدارة المصرية لغزة الممتدة من 1948 إلى 1967.

ويقول الخبير في شئون الحركات الوطنية والإسلامية الفلسطينية، د. خالد صافي: “إنه منذ انطلقت حركة فتح وعلاقات جيدة تربطها بالنظام المصري، فقد حاول الرئيس المصري جمال عبد الناصر أن يرتب العلاقة مع حركة فتح ويحمي الوجود الفلسطيني في الأردن، وهو من رتب اتفاق القاهرة بين لبنان ومنظمة التحرير عندما اشتعلت الصراعات الأردنية الفلسطينية”.

وحسب د. صافي فقد بقيت العلاقة جيدة بين حركة فتح والرئيس أنور السادات إلى أن قام السادات بتوقع اتفاقية “كامب ديفيد”؛ حيث اختلف الموقف الفلسطيني الرافض للاتفاقية مع مصر وهذا ما ترتب عليه توتر علاقات بين فتح والسادات وبقيت متوترة إلى أن تم اغتيال السادات عام 1981.

وقيل أن عرفات كان حاضرًا ضمن جلسة مجلس الشعب المصري التي ألقى فيها السادات خطبته وأعلن عن نيته زيارة إسرائيل، لكن ما أن وطأت قدم السادات أرض العدو الإسرائيلي حتى تبدل الحال وصار الموقف بين فتح والنظام المصري سلبيًّا.

ويشير د. صافي إلى أن العلاقة بين مصر وحركة فتح تحسنت عام 1982 وذلك عندما زار أبو عمار مصر خلال انتقاله لتونس، وأعادت هذه الزيارة العلاقات بين حركة فتح والنظام المصري، ويضيف د. صافي لـ”ساسة بوست”: “منذ ذلك الوقت ونحن نرى العلاقة جيدة رغم وجود وتيرة متغيرة تتبع الظروف السياسية”، لكن يمكن التأكيد على أن العلاقة بين فتح ونظام مبارك كانت جيدة، وحتى بعد وفاة أبو عمار لم تنقطع العلاقات.

ولم تعلن حركة فتح العداء لنظام مبارك بعد اندلاع ثورة 25 يناير، وبَقِيَ مجمل قيادة فتح موالية لمبارك ونقلت هذه الموالاة للنظام القائم الآن، حسب د. صافي .

 

صورة_2_صورة_ارشيفة_للقاء_جمع_مبارك_مع_عرفات.jpg (400×293)

صورة ارشيفة للقاء جمع مبارك مع عرفات

 

علاقة حركة حماس بمصر

 

مرت علاقة حركة حماس بالنظام المصري بعدة مراحل، فالنظام المصري لم يكن يرحب بحركة حماس كونها جناحًا من حركة الإخوان المسلمين المصرية التي تعارض النظام المصري الحاكم، واشتدت تلك العلاقة سوءًا عندما أحكم النظام المصري حصاره على غزة بعد عام 2007 أي بعد سيطرة حماس على غزة.

وبَقِيَ الأمر بين مد وجزر سياسي – حسب د. صافي – إلى أن اندلعت الثورة المصرية 25 يناير 2011 وأيدت حركة حماس الثورة كون الإخوان المسلمين كانوا روادًا وجزءًا مهمًّا في هذه الثورة، ويضيف د. صافي: “تطورت العلاقة أكثر مع وصول حركة الإخوان المسلمين إلى حكم مصر، حيث فتحت مصر أبوابها لقيادات حماس وتحول ملف حركة حماس من جهاز المخابرات المصرية إلى ملفات رئاسة الجمهورية، واستقبل الرئيس محمد مرسي أكثر من مرة أعضاء المكتب السياسي لحماس”.

ويواصل د. صافي الحديث: “لقد شهدت حركة حماس عصرًا ذهبيًا خلال فترة حكم الإخوان ولكن ما حدث في 30 من يونيو من تغييرات، وتدخل الجيش المصري للسيطرة على الأمور أعاد العلاقات لمربع سيئ، بل كان أسوأ مما كانت عليه في عهد الرئيس حسني مبارك”.

صورة_3.jpg (512×321)

مرسي وإسماعيل أبو هنية

 

حماس”إرهابية”

وكون النظام الحاكم الآن بمصر يأخذ موقفًا عدائيًّا من حركة الإخوان المسلمين فإن نظرته لحماس هي ضمن المعالجة الأمنية لحركة الإخوان المسلمين، ويتطابق هذا الموقف مع قرار المحكمة المصرية الأخير باعتبار حركة حماس حركة إرهابية، وهذا ما سوف يشكل نوعًا من التصعيد في العلاقة بين النظام المصري وحركة حماس في قطاع غزة.

ويعتقد الباحث المصري في قضايا الفكر وتحليل الخطاب للحركات الإسلامية، أنس حسن، أن علاقة حماس بالنظام المصري لم تكن يومًا ما علاقة “جيدة”، ويوضح لـ”ساسة بوست” أنه حتى في ظل حكم الرئيس محمد مرسي كانت الحركة تجد تعاملاً إيجابيًّا من قِبَل الرئاسة بينما كان التعامل في سيناء مختلف جدًّا وبالأخص في أواخر عهد مرسي؛ حيث بقيت حماس في نظر مصر جزءًا من الإخوان المسلمين مما يجعل النظام العسكري في مصر يرفض أي صيغ تعاون أو تفاهم، كذلك كان النظام المصري يحاول إسقاط مشروع الإخوان في غزة والإتيان بلاعب فلسطيني يمثل وجهة النظر العربية الخاصة بالرياض ومصر.

ويرى حسن أن حركة “فتح” هي اللاعب الذي يريده النظام المصري كونها تتبنى وجهة النظر الأقرب لمبادرة الحل العربي التي وضعتها الرياض، كما أنها تقف في مواجهة خطر التنظيمات الإسلامية القابلة للتوسع وهذا بالتحديد اتساق كامل مع الرؤية المصرية، وكذلك يخدم رؤية النظام للداخل.

ويشدد حسن على أن تحول الإخوان في صورة حماس كلاعب أساسي فيها يجعلهم يناطحون مشروع القاهرة والرياض لشكل الحل، ويمكّن أيضًا حلفاء الإخوان الإقليميين من دخول لعبة السياسة في المنطقة عبر بوابة فلسطين مما يحولهم إلى لاعبين منافسين.

صورة_5.jpg (650×365)

خالد مشعل وبشار الأسد

 

الغاية من العلاقة

يُظهر تاريخ الحركة الوطنية ارتباط تنظيمات فلسطينية كثيرة ارتباطًا عضويًّا بالدول التي تمولها وتدعمها، مثل تبعية الجبهة الشعبية القيادة العامة لسوريا، والصاعقة لسوريا، وفتح الانتفاضة لسوريا، وجبهة التحرير العربية للعراق، بينما كانت التنظيمات الماركسية تدور في فلك الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية الأخرى، وبقية فصائل المنظمة بما في ذلك بعض التنظيمات الماركسية تتبع لفتح وحسابات فتح.

على سبيل المثال فإن علاقة حركة حماس مع نظام بشار الأسد كانت توفر لها مساحة عمل آمنة، وقريبة من فلسطين، وبيئة عمل بين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، فضلاً عن أشكال الدعم المختلفة والواسعة، وكذلك علاقتها بإيران توفر للحركة أشكال دعم واسعة أيضًا ورغم ذلك أعلنت الحركة أنها مع الشعب السوري في مطالبه.

يقول الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي، ساري عرابي، لـ”ساسة بوست”، إن النقطة الهامة في ذلك كله هو حرص حركة حماس على حسابات متوازنة ودقيقة وخطرة جدًّا؛ بحيث تحافظ الحركة على استقلال قرارها، فلا تكون مقاومتها رهينة حسابات الدول والأنظمة، مشيرًا إلى أن حركة فتح حينما كانت تمثل الثورة الفلسطينية رفعت شعار استقلال القرار الفلسطيني، في الوقت الذي بنت فيه علاقات مع أنظمة مختلفة، وكان يظهر أن الغاية من الشعار هو الحفاظ على الثورة الفلسطينية بعيدًا عن حسابات ومصالح الأنظمة، ولكن ثبت لاحقًا أن الهدف من هذا الشعار البحث عن كيانية فلسطينية خاصة تقودها فتح، وهو ما انتهى بمشروع السلطة الحالي، حسب عرابي.

صورة_4.jpg (670×460)

كتائب عز الدين القسام

 

ماذا يحكم هذه العلاقة؟

يقول الكاتب والمحلل السياسي، فايز أبو شمالة، إن علاقة التنظيمات الفلسطينية بالدول العربية ارتبطت دائمًا بالحالة السياسية الراهنة المتمثلة بمقاومة الاحتلال أو تأييد المقاومة، ويقول لـ”ساسة بوست”: “عندما تعاطف الفلسطينيون وقيادتهم مع غالبية الدول العربية كان المنطلق هو العداء لإسرائيل”.

فعندما تحالفت الثورة الفلسطينية مع القيادة في مصر في زمن عبد الناصر ثم السادات كان الهدف أيضًا العمل من أجل مصلحة القضية الفلسطينية، لكنه في اللحظة التي انحرف فيها السادات ووقّع اتفاقية “كامب ديفيد” كان لا بد من إنهاء هذه العلاقة من جانب الفلسطينيين، ويعقب د. أبو شمالة: “أسوق هذه الشواهد كي أؤكد بأن الرؤية الفلسطينية للعلاقة من الدول العربية محكومة بقربها أو بعدها من الصهاينة والعداء لهم”.

ويشيد د. أبو شمالة بعلاقة فتح مع مبارك ووصفها بأنها علاقة قوية كونها كانت علاقة حاجة واضطرار لحسني مبارك، ويقول د. أبو شمالة: “عندما وقّع ياسر اتفاق القاهرة في 4/5/1994 كان الذي أجبره على التوقيع هو مبارك حتى أنه اعتدى عليه لفظيًّا”.

وعن اختلاف علاقة “حماس” على سبيل المثال مع الأردن فترة حكم الملك حسين؛ قال د. أبو شمالة إن هدف هذه العلاقة هو تثبت القدم والمكانة وتعزيز الحشد الجماهيري لكن الهدف الباطن هو تحرير فلسطين، مضيفًا: “كانت العلاقة مع الملك حسين سلمًا للوصول للهدف البعيد، فأحيانًا لن تكون العلاقة في حد ذاتها قرينة بالشخص أو اللحظة التي كان يقود فيها الملك حسين الشعب الأردني”.

أما فيما يتعلق بالعلاقة مع نظام بشار الأسد بعد الثورة السورية فقد أعلنت حماس في اللحظة التي رفض فيها بشار الأسد أن يعطي الحرية لشعبه أنها لم تقف معه و من هنا جاء التغير في العلاقة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد