يتسلح الأسرى الفلسطينيون – لليوم الرابع عشر على التوالي – بالماء والمِلح والجوع في سجون الاحتلال الإسرائيلية، فقد أعلن 1500 أسير دخولهم في إضرابٍ جماعيٍّ مفتوحٍ عن الطعام منذ السابع عشر من الشهر الحالي.

إذ يلجأ الأسرى للإضراب كوسيلة اضطرارية لنزع بعض من حقوقهم من إدارة السجون الإسرائيلية، وهم الآن يريدون وقف العزل الانفرادي والاعتقال الإدراي، واحتضان أبنائهم ومهاتفة ذويهم، وبينما يخوض الآن هؤلاء معركتهم الشرسة، عجلت غزة – الغارقة في مأساتها بسبب قرارات الرئيس الفلسطيني محمود عباس – للتضامن مع الأسرى، بينما آثرت عروسٌ فلسطينية أن تزفّ من خيمة تضامن في الضفَّةِ الغربية، كما عادت بالأمس مشاهد المواجهات بين الشباب الفلسطينيّ وقوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق بالضفة الغربية، تضامنًا مع الأسرى، وهو ما أدَّى إلى عدَّة إصابات بالرصاص والغاز لهؤلاء الشباب، لتتربّع الآن معركة الأسرى والتضامن معهم على سلم أولويات الفلسطينيين.

كيف تبدأ خطَّة الإضراب؟

قبيل 17 أبريل (نيسان) الجاري، كانت الاستعدادات تجرى على قدمٍ وساق من قِبَل الأسرى الفلسطينيين لتنفيذ إضرابٍ جماعيٍّ مفتوح عن الطعام داخل سجون الاحتلال الإسرائيليّ، هذا الإضراب الذي حَمَلَ عُنوان «الحريَّة والكرامة» ودخل فيه نحو 1500 أسير كان إجراءً اضطراريًّا يهدف إلى انتزاع العديد من الحقوق التي تعكف قوات الاحتلال على انتزاعها من الأسرى وتكفلها القوانين والأنظمة الدولية.

الأسرى

بداية، تكفّلت قيادات الحركة الأسيرة بعملية التعبئة الفكرية والمعنوية للأسرى، وهي عملية تبدأ قبل الإضراب وتتواصل معه، حيث صدرت داخل السجون البيانات التوضيحية من قبل جبهةٍ موحَّدة واسعة للتأكيد على أن الإضراب ملزم، وهو الطريق الوحيد لتحسين ظروف الأسر القاسية، ونظمت الجلسات التثقيفية في السجون حول تعليمات يجب الالتزام بها من قبل الأسرى المضربين، كمنع الحديث مع السجانين أو مصلحة إدارة السجون، وقد قررت هذه اللجنة أيضًا خوض الإضراب بشكلٍ تدريجيّ من أجل التغلب على إرهاق بعض الأسرى الذين لم يخوضوا إضرابًا في السابق، وأصحاب الأجسام الضعيفة.

بعد اتخاذ القرار الجماعي ببدءِ الإضراب، يقوم قادة الأسرى بإبلاغ إدارة السجون بقرار الأسرى في تنفيذ إضراب ما لم تحقِّق مطالب مقدمة لتحسين الظروف المعيشية للأسرى، وتُمنح إدارة السجون الإسرائيلية شبه مهلة لمدَّة 3 أيام لتنفيذ المطالب قبل الإضراب، ويهدد الأسرى في حالة وفاة أحدهم بإعلان حالة الحرب داخل السجون.

خلال هذه المهلة يتخذ الأسرى بعض الخطوات التمهيدية كرفض أية وجبات تقدمها إدارة السجون الإسرائيلية مكتفين بتناول ما لديهم من طعامٍ سابق في الغرف، وفي الغالب، تتمسك قوات الاحتلال بتعنُّتها في منح الأسرى مطالبهم خلال هذه المهلة، وتتذرع بأنها بحاجة لفحص هذه المطالب مع الجهات المختصة، وهو ما يرفضه الأسرى خاصة أنهم يدركون كذب الاحتلال في الاستجابة لهذه المطالب.

عروس فلسطينية في خيمة تضامن مع الأسرى (المصدر: شبكة القدس الإخبارية).

وتتخذ إدارة السجون في اليوم الرابع أي مع بدء الإضراب قرارًا بمصادرة أية أطعمة لدى الأسرى وقطع الماء وتسحب الملح، العنصر الأهم في تنفيذ عملية الإضراب، حيث تقتصر تغذية المضربين على تناول الماء مع كميات قليلة من الملح لتعويض الأملاح الطبيعية.
ما يريده الأسرى الفلسطينيون تدركه إسرائيل جيدًا قبل هذا الإضراب، فمطالبهم هي وقف سياسة العزل الانفرادي، ووقف الاعتقال الإداري، ووقف سياسة الإهمال الطبي، وتحسين الظروف المعيشية والحياتية لهم، وهؤلاء الذين يقضون في الغالب أحكامًا عالية جدًا يريدون توفير الكتب والصحف وقنوات فضائية لمشاهدتها، ويريدون الحصول على الثانوية العامة ومن ثم التعلم في الجامعات المفتوحة.

ولأن إدارة السجون الإسرائيلية تمعن في منع زيارة ذوي الأسرى، فقد طالب الأسرى أيضًا بتمكينهم من التواصل الدائم مع ذويهم عبر الاتصال الإنساني والزيارة المنتظمة، وطالبوا بأن يلتقطوا صورًا مع أبنائهم ويعانقوهم.

يذكر أن أداة الإضرابات المفتوحة من قبل الأسرى الفلسطينيين استخدمت بداية في الثمانينيات، ويعكف الأسرى على اللجوء إليها بعد فقدان الأمل من تجاوب مصلحة السجون معهم، فحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي والرابطة الطبية العالمية والمنصوص عليه في إعلاني (مالطا وطوكيو) من العام 2006م، يحق للأسير اختيار وسيلته النضالية للمطالبة بحقوقه، ويتواجد في سلطات الاحتلال أكثر من 6500 فلسطيني بينهم 57 امرأة و300 طفل في 24 سجنًا ومركز توقيف بحسب بيانات رسمية فلسطينية.

بـ«الشواء» والترهيب.. إسرائيل تقاوم الإضراب

إسرائيل التي لم تفاجَأ بقرار الإضراب الجماعي، عجَّلت إلى مزيدٍ من الإجراءات التعسفية ضد الأسرى للرد على هذا الإضراب، قامت بعزل الأسرى في زنازين انفرادية وأقسام عزل جماعية، وقررت منع المحامين والأهالي من زيارتهم، هذا بالتزامن مع حملات التفتيش على يد قوات «النحشون» التابعة لإدارة السجون الإسرائيلية، وهي حملات تهدف إلى إرهاقهم بهدف الضغط عليهم للتراجع عن الإضراب، كما تمّ ضرب الأسرى وتعريتهم وإهانتهم، وإجراء محاكمات لهم وفرض غرامات عليهم.

مستوطنون يقومون بالشواء لاستفزاز الأسرى المضربين (المصدر: شبكة القدس الإخبارية).

وحسب ما جاء في بيان اللجنة الإعلامية المنبثقة عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني فإن: «إدارة السجون الإسرائيلية تقوم باقتحامات وحملات تفتيش مكثفة بشكل يومي بهدف إرهاق وإنهاك وإذلال الأسرى، وأجرت لهم محاكمات داخلية، وفرضت عليهم غرامات مالية على كل أسير، بقيمة 500 شيكل (دولار= 3.65 شيكل)، وعزلتهم في زنازين، وسحبت منهم الملح».

وبينما انهمكت ماكينة الدعاية الإسرائيلية لمواجهة الإضراب بأساليبها المتعددة، كانت هناك تحركات حتى من قبل المستوطنين، إذ لم يجد مستوطنون من منظمة «الاتحاد الوطني» المتطرفة وسيلة لاستفزاز الأسرى المضربين بسجون الاحتلال إلا بنصب مواقدهم وشواء اللحوم قبالة سجن عوفر، الواقع غرب رام الله وسط الضفة المحتلة.

المستوطنون المحتفلون الذين أخذوا بالتهكم على الأسرى، والتلذذ بأثر الروائح في تعذيب المضربين، لم يكونوا الأوائل الذين استخدموا هذه الوسائل، فقد قال الأسير المحرر «صبحي البابا» أن إدارة مصلحة السجون اعتادت أن: «تقوم بجلب مجموعة من الأسرى الجنائيين لشوي اللحمة، وتفتح مكبرات الصوت للعمل على توتير الحالة النفسية للأسرى».

السجون الإسرائيلية (المصدر: موقع المصدر الإسرائيلي).

مسئولون رسميون إسرائيليون أيضًا شاركوا في معركة النيل من الأسرى المضربين، ووصفهم بـ«الإرهابيين»، وطالبوا بإعدامهم وقتلهم، ورشهم بالغاز السام وفتح معسكرات إبادة لهم، واعتبر الوزير الإسرائيلي «تساحي هنغبي»: «الأسرى المضربين هم مجموعة من القتلة القساة ويحظر أن تستسلم دولة إسرائيل لهؤلاء الوقحين، فظروف أسرهم تعكس القوانين الدولية بصورةٍ واضحة».

أما عيادة مصلحة سجون الاحتلال فتقوم بمهام تخويف الأسرى المضربين، وذلك بإيهامهم بخطورة حالتهم الصحية، وإجبارهم على تناول الفيتامينات والمدعمات وشرب السوائل.

«الجوع» يزلزل إسرائيل

يشكل إضراب الأسرى الذي ينبه العالم لما يجري خلف أسوار السجون تحديًا كبيرًا لإسرائيل، فحسب المصادر الإسرائيلية يشوه هذا الإضراب صورتها في العالم، ويظهرها كدولةٍ لا إنسانية.

وهي تدرك مدى خطورة الضغوط الداخلية والخارجية التي تتزامن مع استمرار إضراب الأسرى، كما سيفرض الإضراب – في حال طال – نفسه على الأجندتين الأمنية والسياسية في وقت تستعد إسرائيل مع إدارة ترامب لإعادة تحريك عملية السلام، وحسب صحيفة «إسرائيل اليوم » العبرية فإنّ: «الإضراب الذي شرع فيه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية يشكِّل تحديًا جديًا لإسرائيل، لما يشكله من خطرٍ حقيقيّ على صورة إسرائيل في العالم والتي إن انتصر هؤلاء الأسرى في هذا الإضراب فستظهر على أنها دولة لا إنسانية، وأن هؤلاء الأسرى هم ضحايا».

احتجاجات فلسطينية تضامنًا مع الأسرى.

يؤكد رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين «عيسى قراقع» على أن: «إضراب الأسرى يحاصر تل أبيب، لأنه أعلن أن دولة إسرائيل التي تستبيح القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وتدوس ببساطيرها العسكرية على مبادئ حقوق الإنسان والشرائع الدولية قد دخلت عهد العنصرية والفاشية، وأن جرائمها المستمرة ضد حقوق الإنسان الفلسطيني تشكل خطرًا على المنظومة الثقافية والإنسانية في العالم».

لماذا قاد «مروان البرغوثي» هذا الإضراب؟

تشير المعلومات الواردة من سجون الاحتلال إلى أنّ الغالبية العظمى من الأسرى المضربين عن الطعام ينتمون إلى حركة التحرير الوطني (فتح) مشكلين ما يزيد على 50% من إجمالي الأسرى المضربين، لكن من الذي أعلن انطلاق الإضراب وقدم قائمة مطالب الأسرى؟

الأسير «مروان البرغوثي» قبل اعتقاله.

إنه القيادي الفلسطيني والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني الأسير «مروان البرغوثي»، لقد قاد البرغوثي هذا الإضراب منذ البداية، لتصبح (فتح) هي من تقود الإضراب وتحركه داخل سجون الاحتلال.

وردًا على موقف البرغوثي، عجلت إدارة السجون الإسرائيلية بعزله انفراديًا في سجن الجلمة، وزاد من حُمّى عقابها له تمكنه من نشر مقالٍ في صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد هاجم الوزير الإسرائيلي «تساحي هنغبي» منتقدًا الصحيفة: «شطبت عن قصد حقيقة أن البرغوثي قاتل، إسرائيل ستوضح للعالم أن الحديث يدور عن قاتل وحُكم عليه أكثر من أربعة مؤبدات وسيخرج إلى الحرية بعد انتهاء فترة سجنه»، بينما قال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي والمسؤول عن السجون «غلعاد إردان» إنّ: «عزل البرغوثي ونقله إلى سجن في شمال البلاد ليس متعلقًا بنشر المقال، وإنما بكونه محرِّضًا وقائدًا لإضراب الأسرى، وبالتأكيد أنا أنظر إلى نشر المقال على أنه خلل خطير وأوعزت سلطة السجون بتنفيذ تحقيق وتسليمي نتائجه».

وسرعان ما طعنت إسرائيل في نية تحركات البرغوثي، يقول الوزير الإسرائيلي «تساحي هنغبي»: «الذريعة الوحيدة لنشاط البرغوثي هو المعركة المتوقعة على خلافة أبو مازن»، أما المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، فقد اعتبر أن الإضراب «هو بالأساس بمبادرة شخص واحد، مروان البرغوثي، وهو صراع ضد إسرائيل وعباس»، فحسب «هرئيل» «التفات وسائل الإعلام إلى إضراب متواصل يخدم خطوات البرغوثي ضد قيادة السلطة الفلسطينية، التي تدعم الإضراب رسميًا».

بل إن هذا الطعن كان أيضًا من قبل قيادات قريبة من محمود عباس، لذلك علق المختص في الشأن الإسرائيلي «صالح النعامي» بالقول: «على عباس أن يشعر بالخجل وهو يسمح لمقربيه بأن يطعنوا في دوافع المناضل الكبير مروان البرغوثي من وراء مبادرته لدعوة أسرى حركة «فتح» في سجون الاحتلال للإضراب المفتوح عن الطعام، من خلال الادعاء أن البرغوثي إنّما يهدف لتحقيق أهدافٍ سياسية على الصعيد الشخصي».

لقد أدرك الأسرى ومن ضمنهم البرغوثي مدى خطورة ما سرِّب حول القرابين التي سيقدمها عباس للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» للتأكيد على جديته في الحرب على «الإرهاب»، والتي منها ما كشف عنه موقع «وللا» الإسرائيلي بأن المبعوث الأمريكي للمنطقة «جيسين غرينلت» طالب عباس في لقاءٍ سابق بوقف تقديم المخصصات المالية للأسرى وعوائل الشهداء والجرحى حتى لا توفر هذه الأموال بيئة حاضنة لـ«الإرهاب»، لذلك يضيف «النعامي» في مقاله المعنون بـ«لماذا قاد البرغوثي إضراب الأسرى؟»: «على ما يبدو، أنّ البرغوثي من خلال الإضراب عن الطعام لا يهدف فقط إلى وقف تغول مصلحة السجون الصهيونية التي تنتهك حقوق الأسرى، بل أيضًا يهدف إلى بناء بيئة شعبية لا تسمح لعباس بمواصلة
التجاوب مع المخطط الأمريكي الإسرائيلي».

الإضراب ربّما يطول لكنَّه سينجح

تهدف كل الخطوات التي اتخذتها إسرائيل للتأكيد على رفضها لمطالب الأسرى، وإظهار استعدادها لتمديد أيام الإضراب من قبل الأسرى، فناهيك عن إجراءات العزل والتفتيش وسحب الملح، أقدمت سلطة الاحتلال على بناء مستشفى ميداني في السجن.

هذا المؤشر السلبي على توقع طول فترة الإضراب ليس مفاجئًا للفلسطينيين أيضًا، إذ يتوقع المعنيون بشؤون الأسرى، أن تطول مدة الإضراب بسبب رفض الاحتلال الاستجابة لمطالب الأسرى، يقول الأكاديمي والمفكر الفلسطيني «عبد الستار قاسم» إنه بالرغم مما تتخذه إسرائيل الآن من إجراءات تثقل على الأسرى وتهدف لإرغامهم على فك الإضراب إلا أنه: «لا خيار أمام إسرائيل أمام إصرار المعتقلين إلا الاستجابة، في النهاية ستفتح إسرائيل باب التفاوض مع المعتقلين وستلبِّي عددًا لا بأس به من الطلبات»، مضيفًا: «للفلسطينيين تجارب سابقة في هذا المجال، وحققوا إنجازات مهمة ومعتبرة. لقد نفذوا إضرابات مفتوحة وسقط شهداء داخل المعتقلات».

من جانبه، يقول الأسير الأردني السابق في سجون الاحتلال «أنس أبو خضير» : «عقب دخول الأسرى بشكلٍ كامل في الإضراب واستنفاد سلطات الاحتلال كل الوسائل لكسر إضرابهم، تبدأ مرحلة المفاوضات بين قيادات الإضراب وإدارة السجون الإسرائيلية»، بينما يشير الأسير السابق «عبد الرحمن زيدان» إلى أن: «إدارة السجون الإسرائيلية تعزل قيادات الأسرى في أحد السجون بعد وصولها لمرحلة تعجز فيها عن فك الإضراب وتقتنع أن المفاوضات هي الحل الوحيد لإنهاء الإضراب».

المصادر

تحميل المزيد