سبع سنوات ونيف من الانقسام بين حركتي “فتح وحماس” انتهت أمس بإعلانهما التوصل إلى اتفاق لتنفيذ بنود اتفاق القاهرة 2005 على أرض الواقع، وما تم التوقيع عليه أيضًا في الرابع من مايو 2011، إلى جانب جولات المصالحة في الدول العربية مثل قطر والسعودية واليمن وغيرها.

ومن أبرز بنود اتفاق المصالحة الوطنية بين طرفي الانقسام هي بدء رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس مشاورات تشكيل حكومة التوافق الوطني وإعلانها خلال 5 أسابيع، والتأكيد على تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، إضافة إلى أن يخوّل الرئيس بتحديد موعد الانتخابات بالتشاور مع القوى والفعاليات الوطنية على أن يتم إجراؤها بعد ستة أشهر، والاتفاق على عقد لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير لممارسة مهامها المنصوص عليها في الاتفاقات في غضون خمسة أسابيع، وأخيرًا الاستئناف الفوري لعمل المصالحة المجتمعية ولجانها الفرعية استنادًا إلى ما تم الاتفاق عليه مسبقًا.

ثمة تغيرات ستشهدها الساحة الفلسطينية محليًّا وعربيًّا وربما دوليًّا في حال تحققت المصالحة الفلسطينية بين “فتح وحماس”، وتشكلت فعلاً حكومة وحدة وطنية من كل أطياف الشعب، وأجريت انتخابات رئاسية وتشريعية، وأيضًا انتخابات منظمة التحرير الفلسطيني التي ستدخل فيها “حماس” لأول مرة، فضلاً عن وضع إستراتيجية موحدة داخل إطار المنظمة.

إذاً في حال تحققت المصالحة ونجحت بين الطرفين فإن التغيرات ستكون على النحو التالي:

أولاً: داخليًّا

وفدا فتح وحماس يجتمعان في غزة لبحث تنفيذ اتفاق المصالحة

ستتوزع الحقائب الوزارية بين “فتح وحماس”، وشخصيات أخرى مستقلة ذات كفاءات، وستنافس حماس على مقعد الرئاسة في الانتخابات المقبلة، فضلاً عن أن تحقيق المصالحة سيعزز من قدرة المفاوض الفلسطيني على إنجاز حل الدولتين مع إسرائيل كما يقول رئيس السلطة محمود عباس.

ومن ضمن انعكاسات المصالحة على الداخل الفلسطيني هي توحيد أفرع جهازي الشرطة الفلسطينية، والدفاع المدني معا بحيث تشمل عناصر من حماس كما هي حاليًا وانضمام عناصر فتح الذين تركوا العمل بها منذ أحداث حزيران/يونيو 2007 بيد أن هذا البند رغم أنه من أكثر الملفات تعقيدًا في جولات المصالحة إلا أن الخشية لا زالت تراوح مكانها لعدم وجود موقف حاسم منها، إضافة إلى عودة ما يقارب الـ50 ألف موظف من موظفي السلطة في قطاع غزة إلى أماكن عملهم في المؤسسات الحكومية بعد استنكافهم عن العمل منذ أن بسطت حماس سيطرتها على القطاع.

تحقيق المصالحة بين “فتح وحماس” سيؤدي إلى وقف التراشق الإعلامي إلى حد ما على وسائل إعلام الحركتين المحلية بشتى مضامينها المرئية والمسموعة والمرئية وحتى المطبوعة، إلى جانب عدم حصر الوظائف العامة على أبناء حماس دون فتح أو العكس.

انفراج في أزمة حكومة حماس المالية المتفاقمة منذ عزل الرئيس المصري محمد مرسي في الثالث من تموز الماضي؛ حيث يتقاضى موظفو حماس نصف راتب كل شهرين بفعل الأزمة الخانقة، وانعكاسات هدم الأنفاق أيضًا.

تحقيق المصالحة سيدفع إسرائيل بالتنغيص على الفلسطينيين عبر اعتمادها سياسة الاغتيالات في الضفة والقطاع كما كل جولة تصالحية بين الطرفين، لا سيما وأنها ترفض أصلاً مبدأ التوافق بين”فتح وحماس”، وستقيد أيضًا الحركة التجارية في قطاع غزة، وتحد من نقل البضائع والسلع أكثر مما عليه الآن.

ومن أبرز ما يعلق عليه الفلسطينيون في غزة تحديدًا هو إعفاء السلطة الفلسطينية في الضفة المحتلة شركة كهرباء غزة من الديون المستحقة عليها، ما يعني أن انفراجًا محتملاً سيجري على مشكلة الكهرباء المتفاقمة منذ ثماني سنوات، بينما في الضفة المحتلة فستتوقف الاعتقالات السياسية بحق أنصار حركة حماس كشرط أساسي لنجاح الاتفاق بين الطرفين، فضلاً عن إفراج حكومة غزة أيضًا عن عناصر أمنيين من حركة فتح.

وقد تلغي إسرائيل جولة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، كون الأخيرة وقعت اتفاقًا مع “حماس”، ما يعني أن السلطة ستعيش في مأزق لعدم وجود أي خيارات أمامها وسط ديون مثقلة عليها منذ سنوات، أما التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وباعتباره شرطًا رئيسيًّا لنجاح اتفاق المصالحة فإن إسرائيل متمسكة أصلاً بالخيار ولا يمكنها التخلي عنه، ما يعني أن الكرة تعود للفلسطينيين من جديد.

أيضًا ستمتنع إسرائيل مجددًا عن إفراج الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين بعدما كانت شرطًا أساسيًّا لاستمرار العملية التفاوضية بين السلطة وإسرائيل، لا سيما وأن الأخيرة علقت التفاوض في الوقت الحالي بعد توقيع اتفاق المصالحة.

ثانياً : خارجيًّا

فتح وحماس في جلسات حوارية بالقاهرة

سيختلف تعاطي النظام المصري الحالي في مصر مع الحكومة المقبلة على غرار حكومة حماس التي كانت تدير قطاع غزة، كونه المحاصر منذ ثماني سنوات، وسط إغلاق متكرر لمعبر رفح البري،ـ لذلك سيخلق تحقيق المصالحة انعكاسات إيجابية على معبر رفح، وفتحه لفترات أكثر مما هو عليه الآن، فضلاً عن إدخال مواد البناء والمعدات اللازمة لقطاع غزة، وتسهيل عمليات سفر الفلسطينيين من وإلى الخارج.

دول عربية كانت راعيًا أساسيًّا للمصالحة ترى أن إنجاز الاتفاق بين “فتح وحماس” يمكن العمل من خلاله لدفع العملية السلمية المتجمدة منذ عقود عدة، ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، أيضًا أوروبا أخرى ستتعامل مع حكومة التوافق الجديدة دون قيود، لاسيما وأنها تجمع تياري السلطة وحماس معًا، حينها قد يدر الخير على الفلسطينيين في الضفة والقطاع ويشهدا معًا انفتاحًا اقتصاديَّا واستثمارًا في مجالات محددة.

أما روسيا كدولة غربية لها ثقل في المنطقة، والتي لها مواقف أصلاً إيجابية مع الفلسطينيين، يبدو أنها ستتعاطى إيجابيًّا مع الحكومة المقبلة، وسيشهد القائمون على الحكومة انفتاحًا غربيًّا، بعد الإشادة التي جاءت من روسيا؛ حيث تنظر بإيجابية إلى الجهود العملية لاستئناف عملية المصالحة بين الفلسطينيين، وباعتبارها طريقًا جديدًا لتحقيق تسوية عادلة ودائمة بين إسرائيل وفلسطين على أساس القانون الدولي.

أمريكا وغيرها من الدول الغربية التي ترفض أي اتفاق بين” فتح وحماس” ستتعاطى بطرقة مغايرة مع الفلسطينيين من زوايا مختلفة، فهي قد تقلل أو تقلص المساعدات الإنسانية؛ حيث ترى أن الاتفاق سيعطل من عملية السلام، وأن التوقيت مثير للمشاكل، حسب ما قالت جين ساكي المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية.

رحلة المصالحة

إحدى تعليقات الفيسبوكيين الفلسطينيين على اجتماعات المصالحة

ويشار إلى أن أولى جولات المصالحة كانت السعودية، عندما بادر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى دعوة حركتي فتح وحماس للتحاور، ووقعت الحركتان على ما بات يعرف بـ”اتفاق مكة” في فبراير/شباط 2007.

ونص الاتفاق آنذاك على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وفق اتفاق تفصيلي معتمد بين الطرفين، والشروع العاجل في اتخاذ الإجراءات الدستورية لتشكيلها.

أما الجولة الثانية كانت في القاهرة مايو 2011، حيث وقعت الفصائل الفلسطينية على الورقة المصرية (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني) بحضور رئيس السلطة محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.

فيما كانت قطر جولة ثالثة، حينما التقى عباس ومشعل في فبراير من عام 2012، واتفقا على الاستمرار بخطوات تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها من خلال إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بشكل متزامن مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

ومما جاء في الاتفاق، التوقيع على تشكيل حكومة التوافق الوطني من كفاءات مهنية مستقلة برئاسة محمود عباس تكون مهمتها تسهيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبدء بإعمار غزة، والتأكيد على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في القاهرة لبدء عمل لجنة الانتخابات المركزية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.

والتقى الطرفان في القاهرة مجددًا في مايو من عام 2012 بقيادة عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق ورئيس وفد فتح للمصالحة عزام الأحمد، واتفقوا على تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه في الدوحة والقاهرة سابقًا.

ونص اتفاق القاهرة على ضرورة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التراضي عليها، بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية وفقًا لاتفاق القاهرة مارس2005.

كما نص على تحديد موعد إجراء الانتخابات بالتوافق بين الفصائل والقوى الفلسطينية كافة في ضوء إنجاز عمل لجنة الانتخابات المركزية، حتى تتمكن من إنجاز أعمالها وبما يهيئ  لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني بالتزامن.

وحُددت مدة عمل الحكومة التي سيتم تشكيلها بفترة لا تزيد عن 6 أشهر لتنفيذ المهام المتفق عليها بما في ذلك (إجراء الانتخابات – البدء في إعادة إعمار غزة) مع ربط مدة هذه الحكومة بالموعد الذي سيتم التوافق عليه لإجراء الانتخابات.

واستمرت الخلافات السياسية بين الحركتين بسبب بعض الخروقات التي انتهجتها السلطة أخلت باتفاقات المصالحة وذلك باستمرار الاعتقالات السياسية والتنسيق الأمني مع الاحتلال، ما جعل ملف المصالحة مجمدًا منذ أكثر من عام ونصف العام.

أما جولة المصالحة الأخيرة فكانت في مدينة غزة، والتي التقى فيها وفدا المصالحة من حركتي فتح وحماس، واتفقا على على تشكيل حكومة كفاءات خلال 5 أسابيع، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية من جديد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد