بات الحديث عن قرب”انهيار” ملف المصالحة الفلسطينية الذي وقع في الثالث والعشرين من إبريل الماضي بين حركتي”فتح وحماس”، داخل الأوساط الفلسطينية أمرًا عاديًّا، لوجود جملة من التحديات والأزمات التي تحيط به، خاصة بعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني مطلع الشهر الجاري والتي كانت أبرز نتائجه.

وتشكل أزمة رواتب موظفي غزة، والتنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والحكومة” الإسرائيلية”، فضلًا عن قضية اختطاف المستوطنين “الإسرائيليين” الثلاثة قبل أسبوعين ونصف أهم العوامل المساعدة لإعلان قرب فشل المصالحة، وانتهاء عمر الحكومة، في ظل دعوات “إسرائيلية” بضرورة حل الأخيرة.

“فتح وحماس” تتبادلان الاتهامات بشأن مستقبل المصالحة والحكومة، حيث رأت الأولى على لسان وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أنه إذا تبين أن الحركة الإسلامية خطفت الشبان الثلاثة، فان من شأن ذلك أن يهدد حكومة الوفاق الفلسطينية، فيما قالت حماس: “إن الرئيس محمود عباس وضع نفسه بمواجهة كل الشعب الفلسطيني وتنكر لدماء الشهداء وعذابات الأسرى وما يهمه حماية رأسه فقط”.

 حالة من الإرباك

واعتبر مراقبون أن المصالحة الفلسطينية هشة، مشيرين إلى أن حماس تخلت عن حكم القطاع للخروج من العزلة الإقليمية والدولية المفروضة عليها ومواجهة الأزمة المالية التي تعاني منها، منذ عزل الرئيس المصري محمد مرسي في الثالث من تموز العام الماضي.
ولم تكفّ “إسرائيل” عن التنديد بالاتفاق الذي توصلت إليه منظمة التحرير الفلسطينية وحماس في 23 نيسان/ أبريل لوضع حد للانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 2007.

وكان رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو قد دعا المجتمع الدولي لممارسة الضغوط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس لحل حكومة الوحدة مع حركة حماس، قائلًا: “إن من كان يأمل في أن يؤدي تشكيل حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية إلى تليين مواقف حركة حماس قد ارتكب خطأ”.

وأضاف نتنياهو “هناك مؤشرات تدل على أن حركة حماس ستسيطر على الضفة الغربية، وذلك خلافًا لما كان يعتقد بأن السلطة الفلسطينية هي التي ستقوم ببسط سيطرتها على قطاع غزة”.

هذه الدعوات تأتي بالتزامن مع حالة الإرباك التي بدت واضحة في بيت الرئاسة والسلطة الفلسطينية، والاضطراب الذي سيطر على حكومة الوفاق التي لم تظهر حتى الآن رؤية سياسية في التعامل مع أزمة المختطفين، وسبل التكيف معها بما يجعلها بعيدة عن ضغوط الاحتلال، وتبعات عملية الاختفاء، والمضي قدمًا في برنامجها الوطني وفق الأجندة والأولويات التي حددت لها، وهو ما يعيد ملف المصالحة من جديد إلى المربع الأول، ويدفع الفصائل الفلسطينية للعودة إلى واجهة المسرح في إدارة الأوضاع الجديدة في ظل عجز حكومة الوفاق، وتصاعد ضغوط الاحتلال.

ملفات مصيرية

ليس عند هذا الحد، فالرواتب من الملفات الهامة، والساخنة جدًّا، لكنها لم تعد مقدمة في أولويات حكومة الوفاق الوطني، وباتت الأوضاع الأمنية الناجمة عن اختفاء المستوطنين تفرض نفسها بصورة طاغية على التحركات والمواقف السياسية؛ بسبب ما خلفته من اضطرابات ومضايقات أمنية على الساحة الفلسطينية، ومتابعة ملف المصالحة توقفت بصورة شبه تامة، وهو ما أعاد الجدل والشكوك إلى الساحة الفلسطينية إزاء مصير ومستقبل المصالحة وملفاتها، خصوصًا بعد توقف عمل حكومة الوفاق في غزة بسبب المستجدات الأمنية في الضفة الغربية.

ومع تفاقم هذه الأزمة تدخلت دولة قطر سريعًا في الثالث عشر من الشهر الجاري وتعهدت بتحويل مبلغ 20 مليون دولار لمدرة 3 شهور لحل أزمة رواتب موظفي غزة، لكن ثمة عراقيل تحول دون وصولها إلى القطاع، حيث تسعى حكومة الوفاق في الوقت الحالي إلى إيجاد آلية آمنة يمكن من خلالها إيصال أموال المنحة إلى الموظفين وتتمثل في تحويل الأموال الموجودة حاليًا في صندوق الإعمار القطري إلى بنك البريد من أجل دفع رواتب الموظفين.

لكن، حتى الآن لم تظهر حكومة الوفاق أي مقدرة أو كفاءة في مواجهة المستجدات، ومعالجة الاستحقاقات المتعلقة بمرحلة الوفاق، ولم تتمكن من إقناع الشارع الفلسطيني برؤيتها السياسية في إدارة هذه المرحلة، والوصول إلى الأهداف التي كلفت بتحقيقها، حتى بات الوضع العام على حافة الهاوية بين أن تسارع حكومة الوفاق إلى حل مشكلة الرواتب بصورة وطنية ومسؤولة، أو أن تفتح الباب أمام أزمات داخلية معقدة تزيد من حجم وخطورة المعاناة.

وعلى الصعيد المحلي داخل الأراضي الفلسطينية فقد تدهورت الأوضاع الأمنية بصورة غير مسبوقة منذ اجتياح الضفة الغربية في عام 2002 وإعادة احتلالها، إذ عاودت سلطات الاحتلال اجتياح مدن الضفة الغربية، وعادت إلى سياسة الاعتقالات الجماعية والملاحقة والمطاردة، وتجاهل وجود السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بالدخول إلى الأراضي والمدن والمناطق الفلسطينية، وطالت الاعتقالات مئات الكوادر والنشطاء من حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

جذور الخلاف

وستبقى المشكلة والخلافات قائمة بين أكبر فصيلين على الساحة الفلسطينية حول ملفات عدة، وهناك عوامل كثيرة تفصح عن أسباب ذلك، أهمها أزمة بناء الثقة؛ فقد اتسمت العلاقة بين الطرفين بالتنافس الشديد، والتشكيك المتبادل؛ وظلت حماس خارج منظمة التحرير، كما عانت لسنوات عديدة من ملاحقة أجهزة السلطة الفلسطينية، ثم تصاعد الخلاف مع فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي 2006، وما صحبه من صراعٍ وفلتان أمني ومحاولات إفشال، وما انتهى إليه من انقسام كان أبرز مظاهره سيطرة حماس على قطاع غزة.

ومن بين الأسباب أيضا، اختلاف البرنامج السياسي؛ حيث تزامن ظهور حماس كقوة ثورية جديدة على الساحة السياسية مع تراجع حاد في برنامج فتح السياسي، إلى جانب التدخلات الخارجية على الرغم من أن تدخل قوى دولية وإقليمية في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية لم ينقطع، إلا أنه بعد قيام السلطة أصبح مباشراً وعلنياً وأكثر تأثيراً. وقد استخدمت المساعدات المالية والأمنية والعسكرية لدعم طرف على حساب طرف آخر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد