«كَنز»، هل فكّرت يومًا أنه من الممكن للاجئ أن يكون كنزًا؟ اللاجئ الفلسطيني كنزٌ بالفعل! يُعايش الفلسطيني الذي يحملُ «وثيقة لاجئ» مصاعب اقتصادية واجتماعية كثيرة، بعضها يجعلهُ كنزًا وبعضها يجعله صفرًا، وفي هذا التقرير نستعرضُ قصصًا وقضايا يواجهها هذا اللاجئ الذي يحملُ قضية من أقدم القضايا السياسية في العالم.

اللاجئ الفلسطيني: وثيقة إنسانٍ مُنهك

يحمل اللاجئون الفلسطينيون عدّة وثائق وأوراق رسمية، ما إن يُبرزوها في الدوائر الرسمية حتى تبدأ المُعاملة المهينة والمسيئة، أهم الوثائق اثنتان:

1- الجواز الأردني: وهو جواز مؤقت غير دائم، وبدون رقمٍ وطني، أيّ أن حامله ليس مواطنًا أردنيًّا، وهو متاح بمدتين، خمس سنين، وسنتين، يحصل سكان الضفة الغربية على جواز الخمسة أعوام، أمّا سكان قطاع غزة فيحصلون على جواز العامَين فحسب (والذي يُجدد كلّ عام ونصف).

2- وثيقة سفر للاجئين: وهي على أربعة أنواع: مصرية وعراقية ولبنانية وسورية.

وثيقة لاجئ فلسطيني من مصر، يتحصّل عليها عادةً سكّان غزة

للمزيد عن «وثيقة اللاجئين»، اقرأ في ساسة: جواز وأربع وثائق تُعجِز الفلسطيني عن السفر.

كيفَ يكون اللاجئ كنزًا؟

الوثائق التي ذكرناها في الأعلى تحتاج لتجديد مُستمر حتى يتمكّن مستخدموها من التنقّل بها، ولتجديدها كُلفة ترهق اللاجئين المُتعبين من قاطني المخيّمات.

المُشكلة في الوثيقة المصرية أنّ مصر نفسها لا تعترف بها؛ إذ يحتاج حاملها إلى تأشيرة لدخول مصر ولخروجها، وتكلفة تجديد وثيقة اللاجئ المصرية ليست كبيرة، إذ لا تتجاوز الـ80 دولارًا، وتتطلب ثلاثة أشهر، وأحيانًا تمتد لسبعة أشهر، ومن ثمَّ وفي مشهد قد يراه البعض مأساويًّا لا يقدر اللاجئ على استخدام هذه الوثيقة للدخول إلى غزة من معبر رفح الذي لا يفتح إلا أيامًا قليلة خلال العام، ولا يستطيع استخدام وثيقته للخروج من أجل العلاج خارج غزة، (وقد مات على المعبر مرضى ينتظرون فتحه).

أحيانًا يُسمح لأعداد قليلة من الناس بالمرور بعد دفع رشوة تتجاوز الـ2000 دولار، وقد أكّد لنا على دورها المُهم للخروج من غزة حمزة عمر، وهو غزّي يحمل وثيقة لاجئ مصرية.

اقرأ في ساسة: معبر رفح: أزمة إنسانية متفاقمة؛ «مصر والسلطة الفلسطينية وحماس» في دائرة الاتهام

للأردن نصيبٌ كبير من أموال اللاجئين، فالجوازات المؤقتة التي يحصل عليها الفلسطينيّون من الأردنّ تضاعفت كلفة تجديدها في شهر فبراير (شباط) 2017 لما يساوي أربعة أضعاف، إذ قفزت الكلفة من 50 إلى 200 دينار أردني، أي 280 دولارًا، أما المغلوبون على أمرهم من حملة الجواز المؤقت في دول الخليج، فتكلفة تجديد الجواز في السفارات الأردنية تساوي وتفوق 720 دولارًا.

وسوريا حاضرة، ففي 2016 كانت كلفة استصدار الجواز تزيد على الـ400دولار، وتجديده (كلَّ عامين) بـ 200 دولار.

قد لا تبدو هذه المبالغ كبيرة، إلا أنّها مبالغ مُعتبرة لدى اللاجئين، ولدى الدول في المُحصّلة. عدد الذين يحملون الجواز الأردني المؤقت ويعيشون في الأردن يتجاوز المليون نسمة، إذا قمنا بحساب الناتج عن تجديد ربعهم (250 ألف نسمة) لجوازاتهم خلال ثلاث سنوات فالمبلغ 70 مليون دولار على أقل تقدير فقط لربع المليون.

تجاوز عدد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا عامَ 2016 أكثر من 560 ألف لاجئ، وإذا احتاج نصفهم (280 ألف نسمة) إلى تجديد جوازاتهم أو استصدارها فلن تقلّ مخرجات العملية عن 56 مليون دولار.

انتظار الغزيّين على معبر رفح، الصورة من وكالة فلسطين اليوم الإخبارية

سفرُ اللاجئ.. «قطعة كبيرة من العذاب»

إذا كانت مقولة «السفر قطعة من العذاب» مقولةً صحيحة بحقّ عموم الناس، فهي صحيحةٌ جدًّا ومُضاعفة عندما تتحدث عن اللاجئ الفلسطيني، فهو يتجرع «العذاب» بأكمله في أي سفر بَعُدَ أم قَصُر.

لك أن تتخيل كون بعض اللاجئين في لبنان يحتاجون لتصريح أمني لكي يخرجوا من منطقة مُحيطها أربعة كم. حسنًا، تلقَ ما هو ربما أصعب من ذلك: كثيرٌ منهم لا يملكون أية وثيقة تجعلهم مُعترفًا بهم في أي مكان في العالم، حتى قوات الأمن التي تحيط بمخيماتهم.

إذا كنتَ لاجئًا فلسطينيًّا فأنت دائمًا في حاجة لتصريح لفعل أي شيء خارج نطاق مخيمك: أن تعمل، أو تتعلم، أو تبيع وتشتري، أن تسافر، وأن تخرج أو تعود، ولكنّ المشكلة لا تنتهي هنا بل هنا تبدأ.

الكثير من الفلسطينيين حاملي وثائق اللجوء، أو حاملي الجواز الأردني المؤقت، يتعرّضون لتحقيقات مُزعجة ومتكررة في حال زيارتهم للأردن، وأحيانًا مُهينة.

يُخبرنا، محمود إسماعيل (اسم مُستعار) غزيٌّ تزوَّج فلسطينية تحمل الجواز الأردني، بأنّ المخابرات الأردنية وفي أثناء التحقيق معه قالوا له: «ليش تتزوج أردنية؟!»، كذلك، يقولُ رجل خمسيني عاش آخر 20 عامًا من عمره في الأردن حاملًا لوثيقة اللجوء، ويضيف: «حقّقوا معي وأنا لم أفعل شيئًا، وكانوا يقولون لي: (اعترف، أخبرنا بأي شيء وسندفع لك المال)».

لم يخبرهم ولم يعترف بشيء، إذ إنه لم يفعل شيئًا ولا يعرف سبب تحقيقهم معه.

فوق كل ذلك، فاللاجئ الفلسطيني ممنوع أصلًا من دخول عدد كبير من الدول العربية. كانت البحرين تسمح لهم بدخول أراضيها والآن توقفت عن ذلك، وسبقها من قبل كافة دول الخليج باستثناء السعودية إذ تسمح لهم باستصدار تأشيرة للعمرة أو الحج لا أكثر، أما الأردن فتسمح بدخول اللاجئين بشرط تأمين مبلغ يصل لأكثر من 7400 دولار، لدى سفارة الأردن في البلد الذي يجيء منه اللاجئ، أو على الأقل يتكفّل أحد أقاربه بعدم بقائه في الأردن.

هنالك ثلّة من المحظوظين، الذين يُولدون في إحدى هذه الدول، ويتحصّلون على إقامة فيها فيُسمح لهم بدخول دولهم والخروج منها بإجراءات أقل تعقيدًا من غيرهم من اللاجئين.

«سُمعة الوثيقة» الجحيمية

المثير للمفارقة، أنَّ بعضًا من هؤلاء عاشَ آباؤهم وعاشوا هم كذلك طوال عمرهم في بلدانهم؛ السعودية مثلًا، ولم يحصلوا على جنسية سعودية، بل لم يحصلوا حتى على حق الإقامة الدائمة. هل الإقامة الدائمة هي المشكلة؟ يفسّر الكثير من اللاجئين تخوّف الحكومات العربية من إقامتهم في بلدانهم، بأن الحكومات تفكّر بمنطق «لاجئ، فلن يخرج من بلادنا للأبد»، وقد يكون ذلك صحيحًا، إلا أن اللاجئين يتساءلون: وهل نحن في هذه البلاد بحاجة لمعونات ومساعدات؟ أم أننا متعلمون نخدم البلاد التي نحلّ بها؟

ويبقى السؤال هنا: ماذا يُفعل باللاجئ الذي تنتهي «كفالته»، أو ينتهي عمله، إلى أينَ يُبعد ولا أرض أخرى تقبله؟

يعاني اللاجئ الفلسطيني من مشاكل اجتماعية مُثيرة للاستغراب، لم تُعرض عادًة للبحث والتحليل.

يمتنع أغلب الفلسطينيين الذين يحملونَ جوازات دولٍ أخرى عن السماح لبناتهم بالزواج من الفلسطينيين اللاجئين، ولو كانت أوضاعهم مُستقرةً في بلدانهم.

قابلنا عددًا من اللاجئين في مؤتمر فلسطيني الخارج المُنعقد في إسطنبول بتاريخ 25- 26 فبراير (شباط) 2017؛ يروي لنا غزيٌّ مُقيم في الخليج قصة سعيه الحثيث لإيجاد أسرة تقبل به زوجًا لابنتهم، ويروي آخر قصة طلبه ليد فتاةٍ أحبها، فبعد أن ذهبت أمه لرؤيتها وللتحدث مع والدة الفتاة، كان أولُ سؤالٍ مطروح: «إيش معكم؟»، ثمَّ الجواب المتردد: «معنا وثيقة»، فكشّرت أم الفتاة عن أنيابها، وقالت: «ليس لدينا فتاة للزواج».

هذه الحادثة تتكرر كثيرًا في الأوساط الاجتماعية الفلسطينية بين الفلسطينيين اللاجئين وحاملي الجوازات. يُبرر هذا الرفض بتخوّف الناس على مستقبل بناتهم وأبناء بناتهم، إذ إنهم يُولدون بوثيقة لجوء تستمرُ معهم إلى نهاية حياتهم، باستثناء الذين «يُناضلون» لأخذ جواز من دولة أجنبية.

في الأسفل فيديو لشاب من غزّة، لديه جواز أردني مؤقت، يتحدث عن تكلفة تجديد جوازه هو وأبناء أسرته، وعن مشاكله الاجتماعية التي يواجهها هوَ وكل حملة الجواز المؤقت.

حُلم: جواز سفر

مع هذه المعاناة منذ اللجوء الأول في بلاد الشتات؛ سوريا- لبنان- مصر- الأردن- العراق، والمُمتدة حتى الآن، يسعى كلُّ لاجئ فلسطيني يحملُ هذه الوثيقة للتخلص منها، والحصول على غيرها.

يتجه بعض الفلسطينيّين إلى كندا، وأمريكا، ودول أوروبا، ما توفّر منها وما استطاعوا عليه، وفي ذات الوقت، يحلمُ الفلسطينيّون من أبناء الأردنيات واللبنانيات بالحصول على جنسيات أمهاتهم حتى يسهل عليهم دخول البلاد، والخروج منها إلى غيرها.

في 2010، سُمح للأجانب من أبناء اللبنانيات أن يُقيموا مجانًا إقامة دائمة في أراضي لبنان بعد حملاتٍ وتظاهرات مُستمرة من اللبنانيات المُتزوجات من رجال غير لبنانيين، أما الفلسطينيون أبناء الأردنيات فما زالوا في انتظار تحقّق «حلمهم» في الحصول على الجنسية الأردنية التي تخوّلهم الحصول على عدد من الحقوق لا يناله إلا أردنيّو الجنسية.

ظهر سعيٌ جديد للاتجاه نحو دول أمريكا اللاتينية، إذ إنّ أعداد الفلسطينيين اللاجئين فيها سابقًا أعدادٌ كبيرة وتتوزع على البرازيل والتشيك وغيرها من دول القارة، وشروط الحصول على الجواز ليست صعبة.

دائمًا تتردد الدعوات على ألسنة هؤلاء اللاجئين مُتمنين الحصولَ على جواز جديدة، والعجيبُ جواب معظمهم عن ماذا سيفعلون بعد حصولهم على جواز جديد، دائمًا وبأسلوب قاطع «أريد أن أزور فلسطين بجوازي الجديد».

اقرأ في ساسة: «الجنسية الممنوعة».. أن تكون ابنًا لأم مصرية ووالد فلسطيني

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد