يمكننا أن نؤرخ لبداية المقاومة الفلسطينية ببداية هجرة اليهود إلى فلسطين، تقريبًا منذ ثمانينات القرن التاسع عشر، وتصاعدت المقاومة واتخذت أشكالاً شبه منظمة عسكريًّا، مع إعلان الانتداب البريطاني ثم مع إعلان تأسيس الكيان الصهيوني؛ حيث مرت المقاومة عبر تاريخها بمراحل فارقة وبارزة نرصدها في السطور القادمة.

 

أولاً: المقاومة الفلسطينية خلال مرحلة ما قبل النكبة “قبل عام 1948”


(1) تعود بداية المقاومة الفلسطينية إلى عام 1891، حين تقدم عدد من رموز ووجهاء مدينة القدس بمذكرة إلى الصدر الأعظم في الأستانة يطالبونه بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أما أول عمل عسكري فيعود إلى عام 1898، بعد مرور أقل من عام على مؤتمر تأسيس الصهيونية؛ حيث تمت مهاجمة تجمع يهودي أقيم في منطقة (جرش).

وتنوعت أساليب المقاومة في هذا الوقت بين مقاومة سياسية عبر رفض موجات الهجرة اليهودية والوقوف ضدها سياسيًّا وجماهيريًّا، وبين مقاومة اقتصادية عبر تشجيع الاقتصاد الفلسطيني وشراء الأراضي المهددة بالبيع إلى اليهود، وبين مقاومة شعبية بداية من المؤتمرات إلى المظاهرات إلى مهاجمة تجمعات اليهود المهاجرين إذا لزم الأمر.

(2) بعد الحرب العالمية الأولى وقيام بريطانيا باحتلال فلسطين عسكريًّا، ثم إعلان الانتداب عليها سياسيًّا، دخلت المقاومة الفلسطينية مرحلة جديدة من المواجهة ضد محاولات بريطانيا لتمكين اليهود من فلسطين؛ حيث تم تعيين الوزير البريطاني اليهودي “هربرت صاموئيل” منودبًا ساميًّا على فلسطين في عام 1920 عقب إعلان الانتداب، يذكر أن صاموئيل هو أول مسئول بريطاني أيد رسميًّا فكرة توطين اليهود في فلسطين، وذلك في عام 1908، وقبل حوالي 9 أعوام من صدور وعد بلفور.

في عام 1922 صدرت وثيقة الانتداب عن عصبة الأمم، وتضمنت مقدمتها وعد بلفور، وهو ما اعتبر تأييدًا دوليًّا للوعد البريطاني لليهود الصهاينة، وتوسع نشاط اللجنة الصهيونية في فلسطين برئاسة “حاييم وايزمان” واتخذ شكلا علنيًّا، الأمر الذي كان إيذانًا بتحول المقاومة الفلسطينية إلى أشكال أكثر شمولاً وأكثر عنفًا؛ حيث تم عقد أكثر من 7 مؤتمرات جماهيرية بين عامي 1919 و 1929، كما تعددت المواجهات العنيفة والدموية بين المقاومة وقوات الاحتلال الإنجليزي.

(3) في عام 1919 اندلع حراك يافا؛ حيث قام العرب الفلسطينيون بمهاجمة مركز الهجرة الصهيونية في مدينة (يافا)، لكن بريطانيا وقفت إلى جانب اليهود وقامت بقمع الحراك بالقوة.

(4) في عام 1920، وتحديدًا في شهر إبريل اندلعت الاحتجاجات مرة أخرى في موسم النبي موسى الذي يحييه الفلسطينيون، ووصلت المظاهرات – التي دعمتها رموز فلسطينية كالحاج أمين الحسيني ورفعت صور الملك فيصل بن الحسين بصفته ملكًا لسوريا وفلسطين- إلى يافا؛ حيث اشتبكت مع المستوطنين اليهود والجنود الإنجليز، واستمر الحراك أسبوعًا وأعلنت بريطانيا خلاله الأحكام العرفية.

(5 ) شهد عام 1929 مظاهرات عنيفة، عقب اشتباكات للمسلمين مع مجموعات من الصهاينة أرادوا اقتحام المسجد الأقصى، وتأسست على إثرها جمعية حراسة المسجد الأقصى، التي انتشرت فروعها في معظم المدن الفلسطينية.

(6) ثورة عام 1936: شهدت حقبة أوائل الثلاثينات تزايدًا متسارعًا في معدلات هجرة اليهود إلى فلسطين، وزاد من لهيب المشاعر الفلسطينية رفض المندوب السامي البريطاني مطالب قادة الحركة الوطنية بوقف الهجرة اليهودية وتشكيل حكومة وطنية ومنع انتقال الأراضي لليهود، كما شهدت هذه الفترة بداية تدفق السلاح بين أيدي اليهود وإنشاء معسكرات تدريب برعاية الإنجليز، الأمر الذي دفع المقاومة الفلسطينية إلى إعلان الإضراب العام الذي استمر لستة أشهر؛ حيث تكونت في هذه الفترة أول خلايا نظامية مسلحة بقيادة عز الدين القسام الذي حاصرته القوات البريطانية وقتلته ورفاقه بعد رفضه الاستسلام.

في عام 1937، انتقلت الثورة إلى الريف الفلسطيني، تزامنًا مع إصدار لجنة بيل الملكية تقريرًا متحيزًا للحركة الصهيونية حول أحداث عام 1936، فجاء بين توصيات اللجنة تقسيم فلسطين، الأمر الذي أشعل جذوة الثورة في نفوس الفلسطينين رغم غياب معظم شيوخ المقاومة في سجون الاحتلال الإنجليزي واضطرار بعضهم إلى مغادرة البلاد كالشيخ أمين الحسيني.

استخدم الاحتلال البريطاني أبشع أنواع القمع ضد حراك 1937، فتم قصف مناطق الثوار بالطائرات، وهدمت بالجرارات منازل المشتبه في تأييدهم
للثوار؛ وهو ما أسفر عن سقوط أربعة آلاف قتيل وقرابة 12 ألف جريح.

(7) النكبة “حرب 1948”: في أبريل عام 1947 تم إحالة ملف القضية الفلسطينية لأول مرة إلى الأمم المتحدة، التي انتهت إلى قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين؛ يهودية وتشمل 56.4% من أراضي فلسطين، وعربية تشمل 46.6% من أراضي فلسطين، رغم أن العرب وقتها كانوا يسيطرون على أكثر من 90% من أرض فلسطين، أعلن العرب الثورة المسلحة ضد القرار، واندلعت الحرب في مايو عام 1948، تزامنًا مع إلغاء الانتداب البريطاني وإعلان ما يعرف بـ “دولة إسرائيل”.

كانت الحركة الصهيونية قد تمكنت من بناء قوة عسكرية كبيرة ضمن عدة منظمات عسكرية، أهمها “الهاجاناه”، كما تمكنت بدعم من سلطات الانتداب البريطاني
من إنشاء صناعة عسكرية، أما على الجانب الآخر فكان الطرف العربي مكونًا من الثوار الفلسطينيين، وجيش الجهاد المقدس، وجيش الإنقاذ، وقوات المتطوعين المصريين وأغلبهم من الإخوان المسلمين، وانتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربية بعد تورط العرب في عدة فضائح وخيانات لعل أشهرها ما يعرف بـ “الأسلحة الفاسدة”.

كانت أبرز نتائج النكبة هي سيطرة الصهاينة على فلسطين وحصولهم على نسبة من الأرض أكبر مما نص عليه قرار التقسيم، كما هاجر الآلاف من الفلسطينيين إلى الدول المجاورة وظهرت مأساة اللاجئين التي تفاقمت عامًا بعد عام.

1 2 3

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد