«زحفت السلطة داخل الجسد، وفي الجسد نفسه تجد ذاتها معرضة للخطر». *الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو

ربما أكثر ما يخيف السلطة هو حكم الجسد الذاتي لنفسه، فتحاول دائمًا السيطرة عليه بالتحريم والمنع، وربما أهم وسائل مقاومة السلطة أيضًا هو امتلاك الشخص لجسده، أو خداع السجان في السيطرة عليه. وهذا ما يجاهد السجناء والأسرى الفلسطينيون لفعله، في سجون الاحتلال، والتي من بينها؛ النطف المهربة.

لماذا قد يضطر أحد إلى أن يُهرب سائله المنوي لتلقيح بويضة من زوجته؟ لأن هناك 6 آلاف سجين فلسطيني يقبعون في سجون إسرائيل، وفي الضفة الغربية المحتلة، تحت ظل أحكام طويلة بالسجن، وبعضها حُكم بالسجن مدى الحياة، حُرموا من تكوين أسرة بشكل طبيعي، أو من لقاء زوجاتهم كما تنص «اتفاقية جينيف الثالثة» على عكس السجناء الإسرائيليين.

فمثلًا آمي بروبر القاتل الجماعي الذي ارتكب جريمة قتل سبعة فلسطينيين في عام 1990 وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، سُمح له بالزواج ثلاث مرات، والإنجاب. لكن المهرب القانوني هو أن اتفاقية جينيف لم تحدد ماهية هذا اللقاء بالظبط بين الأسير وزوجته.

ماهو الحقن المجهري؟

يُستخدم الحقن المجهري أو (IVF)  في الأساس وسيلة مساعدة لعلاج العقم وصعوبة الإنجاب. وفي هذه العملية تُجمع عدة بويضات ناضجة، ويتم تخصيبها بحيوان منوي في المعمل، في خلال أسبوعين، ثم تُنقل البويضة المخصبة إلى الرحم. في حالة النطف المهربة؛ يستطيع الحيوان المنوي المُهرَب المقاوِم العيش لمدة يومين قبل تجميده لاستخدامه في عملية التخصيب، وأحيانًا لا يصل الحيوان المنوي في حالة جيدة فتفشل عملية التخصيب ويضطر الأهل لتكرار عملية تهريب النُطف.

النطف المهربة.. للمقاومة وجوه أخرى

ميلاد وليد دقة من بلدة باقة الغربية هي أحدث مولودة فلسطينية، ولدت  في 3 فبراير (شباط) الجاري، باستخدام نطفة مهربة، استقبلها أهلها بالدموع والزغاريد الفلسطينية. أما التوأم سندس ونور، اللتان حُكِم على أبيهما في عام 2002 بالسجن لمدة 18 عامًا، ولم تسمح السلطات الإسرائيلية لأمهما هنادي المغربي بزيارة زوجها السجين لمدة 11 عامًا؛ فقد جاءتا إلى الحياة عبر تهريب نطف أبيهما.

وهناك أكثر من 60 طفل وُلدوا عن طريق النطف المهربة لسجناء فلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية؛ أولهم كان مُهند  الزبن؛ أول طفل فلسطيني يولد عن طريق النطف المهربة عام 2012، إذ يقضي أبوه عمار الزبن فترة سجن 27 مؤبد بعد اتهامه بالانتماء لـ«كتائب عز الدين القسام».

إسرائيل تعلن الحرب على «النُطف المهربة»

لكن متى وكيف بدأت هذه «المقاومة»؟ بدأت الفكرة عن طريق عينة مجمدة للأسير عباس السيد (الذي اعتقل لاحقًا) كانت قد وُضعت في «مركز رزان للتلقيح المجهري» في عام 1997 لأغراض علاجية بحتة، لكن الأب تعرض لاحقًا للاعتقال وأراد أن يستفيد بهذه العينة في عام 2003، لكن العملية فشلت طبيًّا، قبل أن تبدأ عملية تهريب النطف من الإسرائيلية.

فهذا الطفل الذي يحبو الآن حول أمه؛ كان نطفة مهربة في ولاعة سجائر، أو غلاف قطعة شوكولاتة، أو حتى حبة تمر، أو كبسولة دواء. وبعض الأمهات مازلن يحتفظن بهذا الغلاف الذي جاء الابن فيه من داخل السجن. وكأي دولة أبوية؛ تتم عملية تسليم النُطف والأوراق عن طريق العَصَب، أو أقارب الأب.

ويحكي الأسرى السابقين عن عملية تهريب النطف بأنها شديدة التعقيد بسبب التشديدات الأمنية التي تحولت لـ«حرب على النطف»، فتشبه في صعوبتها  تهريب شخص خارج السجن. قد ينجح أو لا ينجح الإخصاب من المرة الأولى، فيحاول السجين مرة واثنين وثلاثًا. أما الأطباء فيقولون إنهم لا يعرفون كيف تُهرّب هذه النطف، ومنها إلى العيادة؛ وأنهم يفعلون ذلك لأسباب إنسانية وليست سياسية، فالأنظار كلها موجهه إلى الأسرى، لكن هؤلاء النساء  (الزوجات) تعانين كثيرًا.

«جئت من خلف القضبان»

يُحكم على الأسير الفلسطيني بمدد سجن خرافية؛ أكبر من المعدل الطبيعي لأعمار البشر. فالمؤبد للأسير الفلسطيني يبلغ 99 عام؛ ومع ذلك يغضب السجّان لأن السجين هرّب سائله المنوي من جسده رغمًا ع سجانه. حاولت السلطات الإسرائيلية كثيرًا منع تهريب النطف بفرض عقوبات، وزيادة التفتيش على السجون وعلى الزائرين، ومنع أطفال النطف المهربة الذين جاءوا بالفعل إلى الحياة من استخراج شهادات ميلاد.

لكن في المقابل؛ زدات أيضًا وسائل التهريب، ومقابل التعنت الإسرائيلي هناك مرونة من السلطات الفلسطينية، كذلك يلقى الأمر تأييدًا مجتمعيًّا لعبت فيه الفتاوى الدينية التي تؤيد ذلك، دورًا فيه، إذ تحكي زوجة الأسير لأهل قريتها أنها حصلت على نطفة مهربة من زوجها، قبل أن يرونها تحمل طفلًا في يديها.

Embed from Getty Images

جانب من احتفالية بميلاد إحدى  أطفال النطف المهربة

في حديثها مع «ساسة بوست»، تقول الباحثة الفلسطينية وسيلة طعمة، التي حصلت على درجة الماجستير عن رسالة «الأبعاد الاجتماعية والقانونية لإنجاب زوجات الأسرى عبر النطف المهربة»، أن المجتمع: «تقبَل هذا الأمر بصورة استثنائية وفاءً للأسرى»، وتؤكد أن «كل الأطفال الذين وُلدوا عبر النطف المهربة حصلوا على شهادات ميلاد، وهويات، فالأسير لن يُعرض طفله لمعاناة عدم الاعتراف به من قبل الدولة». وتشير إلى ما يفعله الجانب الإسرائيلي بعد علمه بمولد طفل أسير عبر النطف المهربة، إذ يفرض عقوبات على الآباء الذي هربوا نطافهم بمنعهم من كانتين السجن، أو نقله لسجن آخر، أو دفع غرامات، والمنع من الزيارة خاصةً لهذا الابن الذي جاء رغمًا عنهم.

وتؤكد وسيلة أن الداعم الأساسي لهذه العملية: «دار الإفتاء واتفاق الفصائل، والمراكز الطبية التي تحمل على عاتقها خدمة زوجات الأسرى بالمجان، والقانون الفلسطيني الذي يعترف بطفل النطاف بشكل طبيعي مثل أي طفل، وأخيرًا الإعلام الذي يهتم بالحدث بشكل كبير». وقد قامت الباحثة بعمل مسح في ست محافظات لزوجات الأسرى المحكومين عليهم مدى الحياة، وزوجات الأسرى اللاتي أنجبوا بالفعل.

النطف المهربة ثورة على السجان

وتضيف وسيلة لـ«ساسة بوست»: «الدافع الرئيسي الذي جعل الأسرى وزوجاتهم يقدمون على هذا الأمر هو عنصرية إسرائيل، والأحكام الجائرة والمتكررة، ويأس الأسرى من الإفراج عنهم، وحرمانهم من لقاء زوجاتهم مثلما يسمحون للسجين الإسرائيلي».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
5 قوانين خطيرة تريد بها إسرائيل كسر إرادة الأسرى الفلسطينيين في 2019
557
فريق العمل

فالأسير يُخيّر زوجته بالفراق أو الاستمرار لأنه سيمكث خلف جدران السجن لسنوات طويلة، تصل لمدى الحياة. فيما تعد النساء هذا الحمل صورة من صور المقاومة؛ إذ يمكث أزواجهم في السجون لمدد طويلة، تصل لربع قرن. إذًا كيف يمكن أن ينجب شخص بعدما ضاع من عمره سنوات داخل السجن؟ ويعده الرجال صورة للانتصار على اليأس الذي يحيا معهم داخل جدران السجون، ومن طرق السيطرة على أجسادهم لأنهم قد استطاعوا مراوغة السجان ليحيا جزءً منهم خارج هذا السجن.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد