بعضهن صغيرات نُزعن من بين أشقائهن ومن على مقاعدهن المدرسية، حكمن بسنوات اعتقال تصل لثلث العمر، أو أكثر من نصف العمر، وأخريات هن أمهات وحوامل تركن أطفال، إضافة إلى نخبة من الحقوقيات والصحافيات. إنهنّ «الأسيرات المقدسيات» في سجون إسرائيل، حيث تستهدف المقدسية بشكلٍ كبير ضمن سياسة اسرائيلية ممنهجة، وتقبع تلك النساء وراء القضبان لعدة سنوات؛ لتهم أدنى ما يمكن أن يقال عنها إنها ملفقة أو مبالغ جدًا بأحكامها.

الأسيرة «شويكي».. اعتقال أم وحامل

كان مشهد سيدة حامل ومقيدة تجلس منهكة القوى مؤلمًا للغاية، صاحبة الصورة هي الأسيرة المقدسية «منال شويكي» التي أجلت سلطات الاحتلال محاكمتها وللمرة الرابعة على التوالي. اعتقلت «شويكي» يوم 10 أغسطس (آب) الحالي من داخل منزلها الكائن ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، وذلك عندما اقتحمته وحدات من الجيش الإسرائيلي. خضعت الأسيرة لتحقيق متواصل لمدة ستة أيام، حتى أفرج عنها بشرط انتقالها للحبس المنزلي، حيث تُمنع من الخروج أو التحدث مع احد أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

الأسيرة المقدسية «منال شويكي»

هي أمٌّ لأربع فتيات وحامل في طفلها الخامس، وزوجة أسير سابق أعيد اعتقاله، ولم يكتفِ الاحتلال بفصل زوجها من عمله مدرسًا، إذ عجلت وزارة المعارف الإسرائيلية بفصلها، حيث تعمل معلمة في إحدى المدارس التابعة لبلدية القدس، فتم فصلها من العمل، قبل إدانتها.

يقول مدير مكتب إعلام الأسرى «أحمد أبو طه»: إن النساء المقدسيات في دائرة الاستهداف الإسرائيلي باعتبارهن أحد أهم المكونات لصمود المدينة المقدسة والسد المنيع الذي منع كثير من مؤامرات الاحتلال، وبالذات داخل ساحات المسجد الأقصى، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «داخل سجون الاحتلال معاناة المرأة المقدسية كبيرة، من ملاحقة وعقوبات مستمرة، كمنع لزيارات الأهالي أو المحامين، ولكن الأخطر – في وجهة نظري – هو الأحكام القاسية والمضاعفة ضد أسرى القدس».

في سجون الاحتلال.. القاصرات والمسنات والحقوقيات

«ضُربت ابنتي وحاولوا إعدامها، واليوم يحكمون عليها هذا الحكم العالي، ستخرج ابنتي إن شاء الله، حسبي الله ونعم الوكيل»، هذا ما قالته والدة الأسيرة الطفلة، شروق إبراهيم دويات (16 عامًا) عندما سمعت محكمة الاحتلال المركزية في القدس تنطق قبل فترة بالحكم 16 عامًا على ابنتها وبغرامة مالية باهظة (نحو 21 ألف دولار أميركي) بتهمة محاولتها تنفيذ عملية طعن في مستوطن بالقدس.

اعتقلت الفتاة بعد إصابتها بعدة عيارات نارية أطلقها مستوطن عليها أثناء مرورها في البلدة القديمة من المدينة المحتلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، صدر الحكم في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبينما كانت دموع عائلة الطفلة تنهمر حزنًا على هذا الحكم الجائر، كان المستوطن الذي ادعي محاولة الطعن، وعائلته يبدون فرحة كبيرة بقرار المحكمة.

وبالانتقال إلى والد أسيرة قاصر آخرى تدعي «منار الشويكي» (16عامًا) التي حوكمت بست سنوات سجن فعلي، يقول والدها: «كانت ابنتي متفوقة في دراستها، فقد كانت في الصف العاشر، وقد تمكنت من إكمال تعليمها في الصف الحادي عشر، داخل الأسر، وهي الآن تستعد لاجتياز مرحلة الثانوية العامة، فسنوات الأسر الطويلة لن تنال من منار ومن العائلة»، ويضيف الوالد لـ«مكتب إعلام الأسرى» : «زيارة منار لها تأثير لا يوصف، فابنتي القاصر خلف ألواح زجاجية تحرمها طفولتها بقرار من قضاة محكمة عنصريين، لم يخجلوا أن يحاكموا طفولة بريئة بحجة تشكيل خطر على مستوطنين وأفراد شرطة مدججين بالسلاح».

وتعد الطفلة «دويات» و«شويكي» من ضمن خمسة فتيات قاصرات من القدس (تحت 18 عامًا)، أصغرهم الأسيرة المقدسية هي الأسيرة «منال كحيل»، إذ تحتل مدينة القدس المرتبة الأولى من حيث عدد الأسيرات القاصرات اللواتي صدر بحقهن أحكام عالية، فالأسيرة «نورهان عواد» حكمت بالسجن مدة 15 عامًا.

ومن المقدسيات القاصرات إلى أكبر الأسيرات المقدسيات سنًا وهي الأسيرة «عالية العباسي» الأم لستة أبناء بينهم أسير محكوم بـ11 عامًا، من بلدة سلوان، معتقلة منذ عام و تقضي حكمًا بالسجن لمدة 26 شهرًا. أما أقدم أسيرة، فهي المحامية المقدسية «شيرين العيساوي»، التي اعتقلت في السابع من مارس (آذار) 2014، ويبلغ عدد الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الصهيوني 59 أسيرة، أكثر من 14 أسيرة منهن دون سن الثامنة عشرة، ومنهن 18 أسيرة مقدسية.

أوضاع مأساوية وأحكام جائرة

«كان العزل يحوي كاميرا تعمل على مدار الساعة، لم أستطع أن أنال خصوصيتي، لم أستطع الاستحمام، لم أتناول الطعام، لم أشرب الماء، لا وجود لمغسلة في مكان داخل الزنزانة، لا ضوء لا هواء، لا حياة»، هكذا تحدثت الأسيرة والمحامية «شيرين العيساوي» (35عامًا) عن فترة عزلها بزنزانة انفرادية، اعتقلت شيرين قبل ثلاث سنوات؛ بتهمة تشكيل حلقة وصل ما بين الأسرى وقيادتهم في الخارج.

الأسيرة شيرين العيساوي مع شقيقها

تقول أم الأسيرة «شيرين» وهي أم لأسيرين آخرين يقبعان في سجون الاحتلال: «شيرين أخبرتني أنها كانت تمضي ليالي في حك جسدها ورأسها، بسبب عدم قدرتها مدة شهر ونصف على الاستحمام، لمراقبة السجان لزنزانتها مدة 24 ساعة، أنا لم أفهم كيف بقيت شهر ونصف دون استحمام، لم أعلم أن بمقدور أحد أن يمضي هذه الفترة بدون استحمام».

وقد شهد العام الماضي حملة اعتقالات شرسة، اعتقل حوالي 2029 مقدسيًا ومقدسية من بينهم حوالي 50 امرأة من مدينة القدس وضواحيها، اذ تستهدف قوات الاحتلال المقدسين بشكل كبير مع بدء انتفاضة القدس، وتخضع الأسيرات المقدسيات لظروف اعتقالية صعبة، وتصدر بحقهن أحكامًا عالية بالسجن الفعلي حتى من القاصرات مقرونة بغرامات مالية باهظة.

يقول مدير مكتب إعلام الأسرى «أحمد أبو طه»: «تتعمد نيابة الاحتلال رفع الأحكام المطلوبة ضد الأسيرات المقدسيات، كحكم رادع في محاولة لفرض سياسة الندم وعدم العودة للعمل الوطني من جديد،وهذه سياسة مستمرة من الاحتلال لتحييد المقدسيين وحرفهم عن البوصلة ولكنها دومًا تبوء بالفشل».

لماذا تستهدف نساء القدس من قبل الاحتلال؟

تستهدف قوات الاحتلال الكل الفلسطيني في مدينة القدس، وبالأخص شريحتي الأطفال والنساء، وهي لم تكتف بمنع النساء من المواظبة على الصلاة في المسجد الأقصى من خلال فرضه قائمة سماها «القائمة السوداء» لمنعهن من الوصول للمسجد، بل كثفت من حملات الاعتقال و شرعنت قوانين جديدة وأحكام عالية بحق النساء المقدسيات.

يقول رئيس لجنة أهالي الأسرى المقدسيين» أمجد أبو عصب»: إن الاحتلال يريد أن يجعل قضية النساء عبرة للآخرين؛ لكونه يعلم مدى حساسية الشعب الفلسطيني من المرأة، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «الاحتلال اعتقل العشرات من نساء مدينة القدس وتحديدًا النساء اللواتي كن يرابطن في المسجد الأقصى المبارك أو نساء أقدمن على عمليات طعن أو عمليات فدائية أخرى بسبب الأوضاع الصعبة التي وضع الاحتلال فيها المسجد الأقصى المبارك».

ويشير «أبو عصب» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن سلطات الاحتلال استهدفت كل المؤسسات في مدينة القدس وتحديدًا المؤسسات التي تعمل في مجال الأسرى والشهداء والجرحى، حيث أغلق الاحتلال «بيت الشرق» و«بيت الأسير» ومؤسسات أخرى، مضيفًا : «الاحتلال يزاحمنا على أصغر مساحة ويغلق المؤسسات التي تملك أجندة وطنية تدعم الشهداء والجرحى والأسرى، ليصبح فراغ كبير في العمل المؤسسات في القدس في ظل أن أعداد المعتقلين في القدس العالي على مستوى محافظات الوطن».

المصادر

تحميل المزيد