في أية حالة صراع تاريخية، كان انقطاع التواصل في أمور الحياة اليومية بين الطرفين شبهَ حتميّ من أجل تفعيل الصراع، أو ليبدوَ أكثر واقعية من وجهة نظرٍ تاريخية، أما تلك الحالات التي شهدت تماسًّا مباشرًا أو غير مباشر بين طرفي الصراع، فقد تدرَّج فيها منحنى حدة الصراع إلى الأسفل حتى وصل إلى حالةٍ من التكيُّف الذي يكون –غالبًا- على حساب الطرف الأضعف، والذي خضع أخيرًا لرواية خصمه التاريخية.

في حالة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الأشد تعقيدًا، بدت تركيبة الصراع غير منطقية من ناحية تاريخية في كثيرٍ من الأحيان، وذلك لأسبابٍ كثيرة، ربما أهمّها خصوصية هذا الصراع من ناحية منهجيته وطبيعته وطبيعة الأطراف المشتركة فيه، وربما تبدو قضية العمالة الفلسطينية،
هي إحدى تلك القضايا المثيرة للدهشة بتناقضها الحاد بين واقع عداء قطاع عريض من الشعب الفلسطيني لإسرائيل، وبين عمله لصالحه في أراضيه التي يرى أنها مسلوبة منه. في هذا التقرير سنحاول الإجابة عن بعض الأسئلة التي تتعلق بهذه القضية.

تاريخ العمال الفلسطينيين في إسرائيل

تشير دراسة أعدتها الباحثة ليلى فرسخ، والصادرة عن معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، أنه منذ النكسة في 1967 اعتمدت الضفة الغربية وقطاع غزة على العمالة في إسرائيل باعتبارها مصدر دخل أساسي للأفراد، وأن السوق الإسرائيلية قد استغلت 25-35% من القوى العاملة الفلسطينية في الأعوام الممتدة بين 1967-1992.

قد يبدو هذا التاريخ مبكرًا جدًا لسرعةِ اندماجِ المجتمع الفلسطيني مع الدولة الإسرائيلية، وقدرته على العمل لصالحه داخلَ أراضيه؛ لكن إذا ما علمنا أن العائدَ الماديَّ من هذه العمالة شكَّل ربعَ الدخلِ القوميِّ الإجمالي للضفةِ والقطاع خلال هذه الفترة، يمكننا تفهُّم المسألة، كما يتوجَّب الانتباه إلى أن هذه الفترة ذاتها كانت تشهد صعود الثورة الفلسطينية في الخارج وبداية تنظيمها لعملياتها النوعية داخل إسرائيل، والتي كانت تشهد تأييدًا جماهيريا كبيرًا في الداخل والخارج.

استمر الحال في تدفق العمالة الفلسطينية في إسرائيل حتى اتفاق أوسلو 1993؛ إذ انخفضت معدلات العمالة بشكلٍ ملحوظ نتيجة القيود الإسرائيلية على حركة العمال الفلسطينيين، خاصةً من قطاع غزة، غير أن هذا التدفق لم ينتهِ تمامًا، مع استمرار سعي الكثير من العمال في الضفة الغربية من أجل الحصول على فرص عملٍ في الداخل، غير أن قطاع غزة قد منع عماله تمامًا من الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية بعد أحداث انتفاضة الأقصى عام 2000.

لماذا يذهب الفلسطينيون للعمل في إسرائيل؟

تشير الإحصاءات إلى أن العاملين في الداخل الإسرائيلي في فترة السبعينيات والثمانينيات كانوا مِمَنْ لم يتموا تعليمهم المدرسي، والذين وجدوا في الأجور العالية – مقارنةً بما يمكنهم توفيره في الأراضي الفلسطينية- فرصةً ذهبيةً لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، خاصةً في ظل انحدار الاقتصاد الفلسطيني الذي أنهكته إسرائيل بطرقٍ متعددة، مما أدى في النهاية إلى تراكم البطالة والفقر، حيث لم يكن هناك مخرج سوى العمل في الداخل الإسرائيلي.

لا يحظى العمال الفلسطينيون -رغم ارتفاع أجورهم- بحياة إنسانية كريمة، فإذا نظرنا إلى يوميات أيِّ عاملٍ من هؤلاء، سنرى أنهم يواجهون صعوبةً في الوصول إلى أماكن العمل؛ يستيقظون عند الساعة الثانية أو الثالثة فجرًا كي يتمكنوا من الوصول إلى عملهم عند السابعة صباحًا بسبب الحواجز العسكرية، حيث البوابات الإلكترونية الخاصة بالتفتيش، ونقطة فحص تصاريح العمل، حتى هذه التصاريح تكلِّف العمال كثيرًا من المال، بل إنهم يتعرضون للاستغلال من المقاولين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يعطونهم الحد الأدنى من الأجور ويتقاسمون الباقي فيما بينهم.

لا يتوقف الأمر عند المعاناة التي تبدأ مع استخراج التصريح، ولا تنتهي برحلة الذهاب اليومي إلى العمل وتدني الأجور -مقارنةً بالعامل الإسرائيلي- بل يمكن أن يصل إلى الموت نتيجة الظروف القاسية للعمل؛ فحسب معطيات وزارة الاقتصاد الإسرائيلية لعام 2014، فإن هناك 11 قتيلًا لكل مائة ألف عامل بناء.

ويتعرض العمال في كثير من الأحيان، لحملات اعتقال جماعية من قِبل الجيش الإسرائيلي، ويُبتزون ويوعدون بإعطائهم تصاريح للعمل وفرصًا للعمل بأجور عالية إذا تعاونوا مع الأجهزة الأمنية في إسرائيل، وإلا ستُسحب تصاريحهم ويُمنعون من الدخول للعمل للأبد، كما نُشرت تقارير حقوقية موثقة عن تعرض العاملين داخل إسرائيل لاعتداءات نوعية، منها النهش بالكلاب البوليسية المرافقة للجيش من خلال كمائن، والاعتداء عليهم بالضرب والاعتقال.

(فيديو يظهر معاناة العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل)

ما هو الوضع القانوني للعمال الفلسطينيين لدى مشغلين إسرائيليين؟

يخضع الفلسطينيون العاملون في المستوطنات الإسرائيلية في أراضي الضفة الغربية لقانون العمل الأردني، بينما العاملون في الداخل الفلسطيني، يخضعون لبروتوكول باريس الناظم للعلاقة الاقتصادية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي يقرُّ مجموعةً من الالتزامات التي تقع على عاتق كل طرف تجاه العمال، وأهمهما: تحول إسرائيل للحكومة الفلسطينية العائدات الضريبية المستقطعة بشكل دوريّ، إضافةً إلى رسوم التأمين الصحي، الذي تحصِّله إسرائيل من العمال الفلسطينيين.

لا تحول إسرائيل أيًّا من هذه المستحقات للحكومة التي تتكفَّل فعليًا بعلاج هؤلاء العمال، وهكذا تستقطع إسرائيل 93 شيقلًا شهريًا من كل عامل دون أن تحوِّلها لخزينة السلطة الفلسطينية.

وبالرغم من عدم وجود تمييز قانوني منصوص عليه في التشريعات الإسرائيلية؛ إلا أن هذا القانون لا يحمي العمال من التمييز الذي يمارسه المشغلون الإسرائيليون؛ حيث يظل التمييز واضحًا بين هذه الفئة من العمال بالمقارنة مع نظرائهم من العمال الإسرائيليين في نفس ظروف العمل، سواء على مستوى الأجور أو ساعات العمل والإجازات، بالإضافة إلى التمييز في الحقوق الاجتماعية والحقوق العمالية الناتجة عن إصابات العمل.

لماذا تشغِّل إسرائيل العمال الفلسطينيين؟

في بداية عمل الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي، كانت الرؤية الإٍسرائيلية تتمحور على الحفاظ على نوعٍ من الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرتها العسكرية، وهو ما عبَّر عنه لواء الاحتياط رفائيل فيردي، الذي شغل منصب الحاكم العسكري للضفة ومنسق الأنشطة الحكومية فيها سابقًا: »كانت وجهة النظر هي أنهم ما داموا (سكان المناطق) تحت سيطرتنا، فيجب أن نسعى لأن يعمَّ الهدوء، ولعدم قيام تحريض سياسي واجتماعي«.

وجهة النظر هذه تتمحور حول خطة ما يسمى بالتخدير الذاتي للسكان، والذي سيحصل تدريجيًا بسبب الدخول المرتفعة من ناحية، والاحتكاك اليومي بالمجتمع الإسرائيلي من ناحية أخرى.

في الحقيقة، فإن هذه الرؤية لم تتغير، ففي يناير (كانون الثاني) 2010 تشكَّل فريق من وزارات متعددة برئاسة البروفيسور تسفي آكشتاين، للنظر في موضوع العمالة الفلسطينية، وكانت إحدى الملاحظات التي سجلها آكشتاين كالتالي: »منح إمكانيات تشغيل للفلسطينيين في إسرائيل يحسِّنُ بالفعل على نحو واضح مستوى المعيشة الفلسطينية، وعليه فإنه يلطِّف أيضًا من شدة الاحتلال، ويثبِّط الدوافع للعمليات. ويمكن أن نرى ذلك في المعطيات الإحصائية: تكاد لا تكون هناك عمليات من العائلات التي تنال الرزق من العمل في إسرائيل«.

وفي فبراير 2016 وافق مجلس الأمن على خطوط عريضة لخطة لمنح تصاريح عمل لـ30 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية، وقد نصح عددٌ من المسؤولين الحكوميين والأمنيين، ومن ضمنهم وزير الدفاع موشيه يعالون، ورئيس هيئة أركان الجيش، غادي إيزنكوت، برفع عدد الفلسطينيين الذين يمكنهم العمل داخل إسرائيل، بأمل أن يساهم التعزيز الاقتصادي لسكان الضفة الغربية بالحد من الهجمات ضد مدنيين وعناصر أمن إسرائيليين.

وقال مسؤول أمني إن سياسة تخصيص الوظائف للفلسطينيين في إسرائيل أثبتت نجاحها في الماضي في »ضبط الإرهاب«.

وعبَّر وزير المعارف نفتالي بينيت، رئيس حزب (البيت اليهودي) اليميني، أيضًا عن دعمه لمنح المزيد من تصاريح العمل للفلسطينيين، مشيرًا إلى أنه يجب زيادة عدد العمال الفلسطينيين الموظفين بشكل قانوني في إسرائيل إلى 100.000.

وعلى الرغم من اقتناع البعض بهذه الرؤية، إلا أن آخرين يرون غير ذلك، خاصةً بعد أن أثبتت بعض الوقائع أنه يمكن استغلال العمالة في الداخل من أجل تنفيذ عمليات لصالح المقاومة الفلسطينية، وتبدو هذه الرؤية صحيحة إذا ما نظرنا إلى التخوفات الإسرائيلية من قطاع غزة، وإغلاقها أبواب السوق الإسرائيلي في وجه عمال القطاع منذ أحداث الانتفاضة الثانية وحتى الآن.

من ناحيةٍ أخرى، فإن العامل الفلسطيني يعتبر يدًا عاملةً رخيصةً إذا ما قورن بالعامل الإسرائيلي، فكما أشار تقرير بنك إسرائيل، فهناك فجوات هائلة في مستويات الأجور بين العامل الفلسطيني والعامل الإسرائيلي الذي يعمل في ذات المكان، فقد حصل العامل الفلسطيني الذي يتمتع بخبرة وأقدمية من سبع سنوات في مكان العمل عام 2012 على متوسط أجر بلغ 4200 شيكل شهريًا، مقابل تسعة إلى عشرة ألف شيكل حصل عليها العامل الإسرائيلي الذي عمل في ذات المكان، وله نفس سنوات الخبرة والأقدمية.

غير أن هذا التأثير في تفاوت الأجور لم يُصِب العامل الفلسطيني وحده، بل أثَّر على العامل الإسرائيلي أيضًا، فقد حدثت فجوةٌ وصلت نسبتها إلى 100% تقريبًا على متوسط أجر العامل الإسرائيلي الذي يعمل في قطاع لا يشغِّل الفلسطينيين، مقابل العامل الإسرائيلي الذي يعمل في قطاع مختلط.

في المقابل، فإن تدفق عدد كبير من العمال الفنيين المهرة إلى السوق الإسرائيلية، جعل السوق الفلسطيني عاجزًا عن تلبية احتياجاته بسبب ضعف قدرته على المنافسة في الأجور.

يقول مدير عام الإدارة العامة للتشغيل في وزارة العمل رامي مهداوي إن خللًا بنيويًا ترتب على العمالة في إسرائيل، وتمثل في التأثير السلبي بسبب احتياج السوق المحلية للعمالة المهرة، ما أدى إلى رفع أجور العمالة وخاصة المهرة في فلسطين تماشيًا مع نظرية العرض والطلب.

وهكذا تربح إسرائيل يدًا عاملةً رخيصة، وتبعية الاقتصاد الفلسطيني لاقتصادها كونها مصدرًا مؤثرًا من مصادر دخله، إضافةً إلى رؤية البعض أن هذه العمالة هي نوعٌ من السيطرة الناعمة على الفلسطينيين.

ماذا عن العمل في المستوطنات الإسرائيلية؟

رغم أن عمل الفلسطينيين داخل أراضيهم المحتلة التي تسيطر عليها إسرائيل بالكامل بدا منتقدًا في البداية، إلا أن ظروف الفقر والبطالة جعلت منه أمرًا عاديًا وشائعًا بحيث لم يعد يطرح باعتباره قضية جدلية في الشارع الفلسطيني.

القضية المثيرة للجدل في الواقع، هي قضية عمل الفلسطينيين في بناء المستوطنات داخل أراضي الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، حيث يبدو هذا العمل وكأنه تعاونٌ رسمي وإقرار بشرعية الاستيطان الذي يسعى الفلسطينيون جاهدين لتقليصه ووقف تغوله على أراضي المزارعين الفلسطينيين.

ورغم توجه السلطة الفلسطينية لمنع العمالة الفلسطينية من العمل داخل المستوطنات، إلا أن الآلاف من العمالة الفلسطينيين وجدوا سبيل العمل فيها في قطاع البناء؛ حيث تشتهر العمالة الفلسطينية أكثر في قطاعي البناء والصناعة، كما تعمل النساء في القطاع الزراعي، وهو بمثابة عمل موسمي يعمل به ما يقرب من 6000 عامل داخل المستوطنات.

حاولت السلطة الفلسطينية سنَّ قانون يجرِّم عمل الفلسطيني في المستوطنات، إلا أن عدم مقدرتها على توفير بدائل تجعل محاولاتها هشةً؛ فهي مطالبةٌ بتوفير 38 ألف فرصة عمل جديدة سنويًا في الأراضي الفلسطينية، بينما ما يُوفر من قِبل الحكومة والقطاع الخاص لا يتجاوز ثلث ما هو مطلوب.

ما هو الموقف الديني من العمالة الفلسطينية في الداخل المحتل؟

سنأخذ هنا نموذجًا وهو موقع «إسلام ويب« الذي طُرِح فيه السؤال حول مشروعية العمل في الداخل الفلسطيني المحتل، وكانت نص الإجابة كالتالي:

»إن أرض فلسطين استولى عليها اليهود واغتصبوها كما هو معروف، لذا فإن عمل المسلم أجيرَ بناء لليهود في أرض فلسطين يعتبر إهانةً للمسلمين، وإعانةً لليهود في اغتصابهم للأرض واعتدائهم عليها، ومساهمة من ذلك المسلم الأجير في تثبيت اليهود وإعطاء الشرعية للمغتصب فهو غير جائزٍ لهذه الأسباب، لكن إذا اضطر للعمل في هذا المجال لكسب القوت الضروري ولا يحسن مهنة أخرى، ولا يجد مكانًا آخر يعمل فيه، ولا يمكنه الاتجار بأي صورة من الصور، والدولة لا تعينه في تأمين ضرورات الحياة، ولا يتيسر له السفر للعمل في أي بلد آخر، إذا سُدَّتْ السبلُ في وجهه، فإن له أن يعمل مع الاستمرار في بذل الجهد، في البحث عن البدائل المأذون فيها شرعًا«.

اتسمت هذه الإجابةٌ بنوعٌ من المرونةِ في التعامل مع قضية العمل داخل الأراضي المحتلة، وتوجد في الواقع قضية أخرى أثارت وما زالت تثير جدلًا، فهي قضية العمل داخل المستوطنات أو في الحفريات التي تجريها إسرائيل في مدينة القدس، فقد أفتى الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي، بحرمة العمل في الحفريات التي تجريها أو في محيطه، مشيرًا إلى أن هذا المسجد بوصفه مسرى الرسول، ويمثل جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، فأي عمل من شأنه تهديد هويته وبنيانه هو مساس بالعقيدة وطعن في الدين ولا يجوز صدوره عن أي فلسطيني، بحسب فتوى التميمي.

هكذا تظل هذه القضية قضية معقدة، فبين ما تفرضه الاحتياجات اليومية وبين ما يفرضه الالتزام الوطني والأخلاقي في نظر البعض، مسافة ليست سهلة ولا قصيرة بحيث يمكن التقريب بين الخيارين في آنٍ واحد، بل بينهما هذا الطريق الطويل الذي يفرض على الإنسان الفلسطيني الانحياز إلى أحد الخيارين، حتى ولو مجبرًا.

وفي الواقع تبقى العمالة الفلسطينية في إسرائيل إحدى الإشكاليات المحيرة في تاريخ القضية الفلسطينية، وعلامة استفهام يصعب الإجابة عنها من نواحي وطنية ودينية وأخلاقية مختلفة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد