خلف الصراع العنيف في فلسطين، تكمن أزمة صامتة وإن كانت مروعة حيث يعاني 36% من الفلسطنيين من الاكتئاب المرضي، وهو معدل يفوق بمرتين تقريبًا مثيله في الولايات المتحدة الأمريكية ويفوق بأربع مرات مثيله في المكسيك.

من أجل مقاتلة هذا الوباء المتفشي في وطنه، قام د. محمد حرزالله (27 سنة) بالمشاركة فى إنشاء وإدارة المبادرة الفلسيطنية لعلوم الأعصاب وهي تعد أول مؤسسة فى فلسطين من أجل أبحاث علوم الأعصاب بالاضافة لتوفيرها مجالًا لتدريب الجيل القادم من العلماء والأطباء. يقوم الباحثون بدراسة كيف يؤثر الاكتئاب على التعلم والذاكرة بينما يديرون برامج تعليمية للمساعدة في القضاء على وصمة العار الملاحقة للمرض العقلي.

يأمل د. حزرالله في أن تتوسع مبادرة علوم الأعصاب في السنوات القادمة لتشكل مؤسسة كاملة تشجع “ربيعًا عربيًا علميًا” عن طريق إلهام الآخرين ببناء مؤسسات مثيلة فى بلدان آخرى.

د. حرزالله حاصل على لقب 2013

TED Fellow

كما أنه واحد من أكثر 500 شخص عربي مؤثرين فى العالم .. يقول عن المبادرة: ” إن هذه المبادرة مجرد طريقة لإخبار الناس أننا نستطيع عمل ذلك. نستطيع القيام بأشياء جيدة فى وطننا بالرغم من ندرة الموارد والمناخ السياسي القاسي “.

يضيف د. حرز الله “إن الصور المروعة من أحداث الشغب وتبادل إطلاق النار تسيطر على الأخبار التي تغطي فلسطين، معظم الناس يركزون على صراع الدولة مع إسرائيل. لقد حاول الناس معالجة الوضع السياسي الفلسطيني لعقود ولكن أين نحن الآن؟ لماذا لا يمكننا البدء فى محاولة حل المشاكل التي نحن قادرون فعلًا على حلها؟”.

فى حين تقوم الدولة بتوفير الخدمات الطبية الأساسية، نجد أن بعض التخصصات الحيوية -من بينها الطب النفسي- تقريبا لا وجود لها. توجد مستشفى واحدة للصحة النفسية في فلسطين و15 طبيب نفسي يخدمون 2.8 مليون نسمة. الكثير من الأطباء والعلماء هاجروا للولايات المتحدة وأوروبا بسبب نقص الموارد الطبية والمعملية في فلسطين. ولكن حرزالله يصف كل هذه التحديات بأمل وإيمان راسخ وحب عميق لشعبه. فهو لا يستطيع هجرانهم لذلك يقول: “أنا أشعر أنه من واجبي العودة لوطني. إذا لم أفعل ذلك ولم يفعل غيري ذلك، فلن يكون هناك أي شخص هناك للمساعدة”.

يرى حرز الله الفرصة حيث يرى فيها زملاؤه المغتربون اليأس. وقد تعود على هذا التفكير منذ صغره. فعائلته كانت كثيرة التنقل مع والده الذي كان يقوم بتدريس الكيمياء الحيوية فى كثير من الجامعات حول العالم. وأخيرًا استقر بهم المقام في جنين شمال فلسطين فى 1991. ورغم أن والدة حزرالله تدربت فى معمل طبي، إلا أنها استقرت في المنزل لتقوم بتربيته هو وأخواته الأربعة الأصغر منه. حرزالله تربى حيث العنف هو الطبيعي حيث عاصر انتفاضتين والكثير من عمليات إجلاء المدارس. يقول “وأنا طفل كنت أشعر دومًا أن حياتي في خطر. ولكن كل الناس هناك شاهدوا بعضًا من تلك الحوادث”

وكان حلم حزرالله أن يكون عالمًا نوويًا، ولكن نقص معامل الأبحاث فى فلسطين كان يعني أنه سيكون فقط مدرسًا للفيزياء. فنصحه والده بالدراسة فى مكان آخر إذا كان يريد أن يكون فيزيائيًا ولكن حرز الله أراد البقاء في فلسطين.

وبسبب اهتماماته العلمية، كان أفضل اختيار له أن يكون طبيبًا. لذلك انضم إلى كلية الطب فى جامعة القدس في أورشليم. وهناك درس علوم الأعصاب ولكن ﻷن الكلية لا تقدم تدريبًا لعلوم الأعصاب، كان عليه أن يعلم نفسه بنفسه. قام حرز الله بمشاهدة محاضرات على الإنترنت وقراءة أي مقالات علمية استطاع الحصول عليها دون أموال وحضر كل مؤتمرات علوم الأعصاب المحلية التي استطاع حضورها.

ولكن حرز الله أدرك حقيقة صعبة عندما تتوق للبدء في أبحاثه الخاصة وهي أنه لو أراد أن يقوم بأبحاث في فلسطين فعليه أن يبني بنفسه البنية التحتية لذلك. يحتاج الفلسطنيون للمزيد من الأطباء وليس الباحثين. ولكن حرز الله يعلم أنه حتى أفضل طبيب يستطيع أن يساعد مريضًا واحدًا فى لحظة زمنية معينة، ولكن البحث فى كيفية تطور اضطراب علوم الأعصاب يمكنه أن يساعد مرضى في كل أنحاء فلسطين بل في العالم بأسره.

في هذا الوقت قابل حرزالله عادل مسك أستاذ علوم الأعصاب بجامعة القدس ومارك جليك أستاذ علوم الأعصاب بجامعة روتجرز بنيو جيرسي واللذان كانا يقومان بتوظيف بعض الطلاب من القدس المهتمين بتمضية بعض الوقت ما بين تحضير رسالة الدكتوراة فى علوم الأعصاب  بجامعة روتجرز والبدء فى مبادرة علوم الأعصاب في فلسطين. يقول د. جليك أن حرز الله برز كالنجم الساطع وسط أقرانه، ولم ييأس قط أو يقل أن أهدافنا كانت مستحيلة أو صعبة جدًا بالنسبة له.

وفي عام 2009 قام الثلاثة بتدشين المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب مع فتح معمل القدس لعلم الأعصاب المعرفي لدراسة كيف يؤثر الاكتئاب على التعلم والذاكرة. الآن تتكون المبادرة من أكثر من عشرين طالب باحث بالاضافة إلى شراكات مع جامعات روتجرز وهارفارد والمؤسسة الفيدرالية السويسرية للتكنولوجيا وعدة مؤسسات آخرى. وفي سبتمبر الماضي، حصلت المبادرة على دعم قدره 300 ألف دولار من المؤسسة الوطنية للصحة كما نشرت بالفعل ثماني أوراق بحثية في الدوريات العلمية المعروفة (خمسة منها هذا العام فقط).

هناك ميزة ملحوظة لدراسة المرض العقلي فى فلسطين. فبالإضافة إلى المعاناة من الاكتئاب، لم يأخذ الكثير من الفلسطينيين أي دواء للمرض العقلي وهذا ما سوف يساعد الباحثين على دراسة تأثير مضادات الاكتئاب على مخ لم يتعرض من قبل لدواء. وبسبب أجيال متعاقبة ناتجة من زواج الأقارب، هناك تجانس جيني عال مما يعني أن أي فرق سيلاحظه الباحثون بعد العلاج سيكون بسبب الدواء وليس بسبب التغيرات الجينية.

يدرك حرز الله أن بناء كيان علمي بالكامل ليس بالأمر الهين فيقول “أنت تفكر باستمرار فى العملية بأكملها وهل حقًا تستحق؟ هل ما أقوم به سيكون بمثابة جميل لوطني؟ ولكن لو أردت أن أترك تأثيرًا جيدًا، فعلي أن أسد أذني وأنظر للأمام وآخذ بعض خطوات بطيئة مخطط لها جيدًا”

الهدف الأكبر أن تأخذ دول أخرى هذه المؤسسة كنموذج ويقومون بتشييد بنية تحتية علمية لأوطانهم. ليس فقط من أجل علوم الأعصاب ولكن في أمراض القلب، والفيزياء، والمجالات العلمية الأخرى.

يقول حرز الله “نحن بحاجة إلى ربيع عربي علمي حيث يحصل المرضى على الرعاية الطبية والطلاب على فرص للبحث والمتخصصون على التسهيلات والموارد والناس على فرص عمل .. سيتحقق عندها سلام داخلي يسهم في سلام المنطقة ككل”

محاضرة د. محمد حرز الله في TED
عرض التعليقات
تحميل المزيد