عاش الكبير والصغير من الفلسطينيين يحلم بيوم عودته إلى قريته التي سجل اسمها في وثائق «وكالة الغوث لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا)»، وقضى سبعين عامًا يرى مفاتيح بيوتها ومساجدها في فعاليات «ذكرى النكبة» التي تتوافق مع منتصف مايو (آيار) من كل عام.

في هذا العام خرج مجموعة من النشطاء باقتراح نوعي، يقضى بخروج اللاجئين الفلسطينيين من كل مكان يتواجدون فيه بمسيرات جماهيرية سلمية؛ تضم رجالًا ونساء وأطفالًا، بهدف التوجه نحو الحدود مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأمام المجتمع الدولي الذي كفل عودتهم إلى أراضيهم، في خطوة فعلية لشعار «عائدون» الذي كرر دائمًا.

«مسيرة العودة الكبرى»

«سلمية شعبية مليونية فلسطينية ستنطلق من غزة والضفة الغربية والقدس والأردن ولبنان وسوريا ومصر، وستنطلق باتجاه الأراضي التي تم تهجير الفلسطينيين منها عام 1948»، هكذا تعرف صفحة «مسيرة العودة الكبرى» نفسها على «فيسبوك».

تهدف هذه المسيرة إلى العودة بطريقة سلمية كاملة مستندة إلى القوانين الدولية، وأبرزها قانون رقم 194 الصادر عن الأمم المتحدة، والذي يدعو صراحةً إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين في أقرب وقت إلى قراهم، وذلك بمحاولة الوصول إلى أقرب نقطة من الحدود، والاحتشاد بأعداد كبيرة عبر مشاركة العائلات، ونصب الخيام قرب الحدود، أو الخط الفاصل عن الأراضي المنتزعة عام 1948. وهي ليست فكرة منفردة، بل فكرة شعبية تحولت إلى تيار يحظى بإجماع  مكونات الشعب الفلسطيني.

وتقوم هذه المسيرة، التي أُعلن عن انطلاقها في الثلاثين من مارس (آذار) الجاري، على التصدي للاحتلال الإسرائيلي، وكسر الحالة الأمنية التي يفرضها على الفلسطينيين، وستتواصل فعاليات تلك المسيرة حتى ذكرى النكبة في الـ15 من مايو المقبل، كما ستتزامن مع تحرك سياسي واسع إقليميًا ودوليًا.

يؤكد رئيس دائرة اللاجئين الفلسطينيين في «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، عصام عدوان، على أنه: «تمثل مسيرة العودة ردًا عمليًا من الفلسطينيين على دعاوى يهودية دولة إسرائيل، والتي تشترطها إسرائيل للمضي فيما يُسمى بالعملية السلمية، وتدعمها في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وتقبل بذلك على استحياء أطراف فلسطينية منبوذة».

ويتابع القول: «تضفي هذه المسيرة، على النحو المُعدّ لها، طابعًا دوليًا لهذه الفعالية، حيث ستخرج المسيرات والاعتصامات أمام السفارات الإسرائيلية ومقرات الأمم المتحدة عبر العالم، وتحتشد جماهير اللاجئين والمتضامنون معهم من إخوانهم العرب على حدود الأردن ولبنان، وحدود الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي عام 1948، الأمر الذي يشكل أزمة سياسية وإعلامية لإسرائيل لا تنتهي بانتهاء المسيرة، بل تستمر تداعياتها بعد ذلك».

هل تحقق المسيرة الكبرى العودة الفعلية؟

للمرة الأولى منذ نكبة فلسطين عام 1948م، يحشد الفلسطينيون جهودًا ضخمة لمسيرة شاملة للاجئين في الداخل والخارج؛ الأمر الذي يمثل نقلة نوعية في أسلوب التعاطي الفلسطيني مع حق العودة، رغم تأخر تنفيذها طوال السنوات السبعين الماضية.

فعاليات فلسطينية دعمًا لحق العودة (المصدر : موقع عربي 21)

يؤكد الناطق الإعلامي باسم مسيرة العودة الكبرى «أحمد أبو أرتيمه» على أن هذه المسيرات تنبع أهميتها من كونها تمثل أسلوبًا نضاليًا إبداعيًا جديدًا يدلل على حيوية الشعب الفلسطيني، وعلى أنه قادر على تجديد أدواته النضالية، ويضيف: «الجديد هذه المرة أننا نتحدث عن اعتصام سلمي، مفتوح وفي ساحات قطاع غزة تحديدًا التي يصورها الاحتلال دائمًا أنها معسكر تدريب لا أكثر».

ويوضح «أبو أرتيمه» أنه في هذه المسيرة سيلجأ الفلسطينيون إلى نصب الخيام، وستكون هناك حياة طبيعية، وستستمر هذه الخيام لستة أسابيع على الأقل، وسيمارسون أنشطتهم الثقافية والإعلامية والجماهيرية؛ ليعرفوا العالم من خلال هذا الاعتصام وهذه الميادين بأصل قضيتهم، وأنها قضية شعب اقتلع من أرضه، ويريد أن يعود لدياره، التي هي على بعد أمتار.

ويشير «أبو أرتيمه» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن الهدف الكبير لفكرة مسيرة العودة هو العودة الفعلية، بحيث ينطلق اللاجئون في كل مكان في يوم ما يتم تحديده من الضفة ولبنان وسوريا والأردن، ومن قطاع غزة، وأيضًا من فلسطين (الداخل)، في وقت متزامن، ويخترقون السياج، ويدخلون إلى بلداتهم، ويمارسون العودة فعليًا، ويطبقون قرار 194، ويبين الناطق الإعلامي باسم مسيرة العودة الكبرى أنه قبل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي هناك كثير من الأهداف يمكن أن تحققها مسيرة العودة والاعتصام السلمي المفتوح للاجئين، أولها أن إعادة تعريف القضية الفلسطينية بأنها قضية لاجئين؛ مما ينقذها من متاهات التجزئة والتصغير التي طالتها في السنوات الماضية.

 وثانيًا هي تمثل أسلوبًا جديدًا بعيدًا عن ثنائية المفاوضات والمقاومة المسلحة، ويتابع القول: «هذه المرة ستكون قوة مسيرة العودة في الحشد السلمي، وفي الكاميرا، وقدرتها على الجذب التضامن العالمي، ومحاصرة دولة الاحتلال أخلاقيًا وإعلاميًا وسياسيًا واستنزافها أمنيًا؛ لأنها ستبقيها في حالة خوف ورعب بهذا السيناريو الأكبر رعبًا في دولة الاحتلال».

ويختم «أبو أرتيمه» بالقول: «نحن واثقون أن مسيرة العودة ستحقق أهدافًا وطنية كبيرة، وإن لم تحقق العودة الفعلية هذه المرة؛ فهي على الأقل ستحسن القضية الفلسطينية، وستجدد شباب هذه القضية، وستفرض حصارًا أخلاقيًا وإعلاميًا على دولة الاحتلال، وستذكر العالم أن هذا النظام «أبارتهيد» يمارس التمييز العنصري والعنف ضد السكان الأصليين».

أهداف ورسائل مسيرة العودة الكبرى

«تستند مسيرات العودة إلى فلسفة الحقوق، وليس فلسفة التحرير؛ فـ«التحرير يعني إزالة إسرائيل من الوجود وإلقاء مواطنيها في البحر، أما النضال الحقوقي فهو على غرار ما فعله نلسون مانديلا، يهدف إلى إسقاط المشروع العنصري الاستيطاني، وتحقيق العودة، وتقرير المصير للفلسطينيين المضطهدين، ثم لا ضير بعد ذلك في بقاء الإسرائيليين كأفراد أو رحيلهم»، كما يقول الناطق الإعلامي باسم مسيرة العودة الكبرى أحمد أبو أرتيمه.

فنان فلسطيني يخط شعار «عائدون» على جدار بغزة (المصدر: فلسطين اون لاين)

ومسيرة العودة قد تنجز مهامها بشكل أمضى وأسرع من المقاومة المسلحة في حيز محدد من مساحة النضال الشاسعة؛ إذ سيخرج الفلسطينيون مستندين في تظاهرهم على قانون دولي، وهو قانون 194 الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلداتهم في أقرب وقت ممكن، وينص القرار بوضوح على «وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى بيوتهم، والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر».

ويعد واحد من أهم أهداف المسيرة الآن هو مواجهة قرار الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل سفارة إليها، وكذلك تهدف هذه المسيرة إلى إبراز حق العودة للفلسطينيين كقضية مركزية يجري التحضير لتصفيتها في نظر الكثير من المحللين ضمن مقررات ما بات يعرف بـ«صفقة القرن»، والتي تأتي في وقت يعيش فيه الفلسطينيون أوضاعًا مأسوية تستهدف قضيتهم ومستقبل عودتهم، بدأ بتقليص الدعم الأمريكي والدولي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، وليس انتهاء بالتهديد الإسرائيلي المستمر بشن عدوان على قطاع غزة المحاصر.

يقول مدير عام «الهيئة 302» للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي هويدي: «إن مسيرة العودة الكبرى تحمل عدة رسائل، أولها: التأكيد على أن الشعب الفلسطيني، وعلى الرغم من مرور حوالي سبعة عقود على نكبته لا يزال يتمسك بحق عودته إلى دياره التي طرد منها إبان النكبة في العام ٤٨، وليس إلى أي مكان آخر»، ويضيف: «هذه المسيرة تحمل أيضًا رسالة إلى المجتمع الدولي الذي فشل بعد مرور هذه العقود الطويلة في إنصاف الشعب الفلسطيني، فهو لا يزال يمارس سياسة المعايير المزدوجة، والكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بالحقوق الفلسطينية، ومنها الحق في العودة تطبيقًا للقرار ١٩٤، والذي أكد على حق العودة، والتعويض، واستعادة الممتلكات».

شبان فلسطينيون على الحدود بغزة (المصدر: وكالة صفا الفلسطينية)

ويؤكد «هويدي» خلال حديث لـ«ساسة بوست» على أن هذه المسيرات تحمل رسائل لإدارة الرئيس الأمريكي «ترامب»، الذي يحاول تصفية القضية الفلسطينية باستهدافه قضية اللاجئين، وحق العودة، من خلال استهدافه لوكالة (أونروا)، وقبلها القدس كاستكمال تكريس مخطط صفقة القرن، حيث تؤكد هذه المسيرات على أن «الصفقة لن تمر مهما حاول الاحتلال أن يبث الرعب والخوف لدى اللاجئين باستهدافه المشاركين، فالمشاركون أعلنوها فعالياتهم السلمية المتوافقة مع المعايير والقوانين الدولية، ومصرون على المضي بها» – حسب «هويدي».

إسرائيل متخوف من مسيرة العودة

يعتمد الفلسطينيون في توجيه مسيرة العودة نحو الحدود على  الوسائل القانونية الدولية، وعلى وضع إسرائيل في موقف محرج أمام المجتمع الدولي، فتصدي إسرائيل لجموع المتظاهرين السلميين بالرصاص أمر متوقع في نظر المنظمين، لكنه سيمثل فضيحة مدوية لإسرائيل أمام المجتمع الدولي.

وبينما يحاول الفلسطينيين إيجاد حل لهذه المواجهة، كالتنسيق مع الصليب الأحمر الدولي، والمنظمات الإنسانية، ووسائل الإعلام لدفع الاحتلال نحو عدم استخدام أية وسائل قوة ضد المتظاهرين، يبدي الإسرائيليون تخوفهم من حركة مئات الفلسطينيين، من المسنين والنساء والأطفال، الذين سوف يسيرون قرب الشريط الحدودي، ويذكر تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية أن «القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي تستعد لتصعيد المواجهات، وأن واحدة من المشاكل الرئيسة هي: مشاركة النساء والأطفال في المسيرات؛ حيث سيؤدي قمع المسيرات بالقوة إلى إلحاق الضرر بصورة إسرائيل في الخارج».

وتضيف الصحيفة أن جيش إسرائيل: «يخشى من سقوط ضحايا فلسطينيين خلال المواجهات، والذي من شأنه، بحسب تقديرات إسرائيلية، أن يدفع نحو مواجهات مسلحة عنيفة مع الفلسطينيين».

ويقول الكاتب الإسرائيلي والضابط السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية، «يوني بن مناحم»، إن «حركة حماس تحاول أن تفرض تحديًا جديدًا على جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر القيام بمسيرات جماهيرية كبيرة على الحدود»، ويضيف في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «إن هذه المسيرات ستكون تحت عنوان مسيرات العودة الكبرى، وستحتوي آلاف الفلسطينيين من أجل التوجه إلى نقاط التماس الحدودية مع الجيش الإسرائيلي».

ويتوافق مع «بن مناحم» الكاتب في صحيفة «معاريف» العبرية «تال ليف رام»، فيقول: «سيتوافد عشرات ومئات الآلاف يتقدمهم النساء والأطفال لإقامة خيام على بعد 700 متر من الجدار الفاصل مع قطاع غزة، ويزاولون حياتهم بصورة طبيعية لفترة من الزمن، دون إلقاء الحجارة، أو مهاجمة المواقع الإسرائيلية، ودون أن يعرف أحد إن كان المتظاهرون سيخترقون الحدود باتجاه الداخل».

وتابع القول: «رغم أن المسيرة تبعد نسبيًا عن الجدار، لكن هذه الفعالية تشكل لإسرائيل تحديًا إعلاميًا دوليًا، والاقتراب من الجدار ومحاولة اجتيازه يشكل تهديدًا أمنيًا، ورغم أن هذه المبادرة فردية، ومستقلة عن التنظيمات الفلسطينية، لكن من المتوقع أن تحاول اللحاق بها، وإرفادها بآلاف المشاركين».

شابان فلسطينيان يمران بجوار رسم لحق العودة (المصدر: موقع فلسطين أون لاين)

تحدثنا إلى الباحث والكاتب الفلسطيني «ساري عرابي»، الذي وضح أن خروج مسيرات ضخمة نحو الحدود من شأنها أن تربك الاحتلال، وأن تحرجه أمام المجتمع الدولي، وهي فكرة جيدة لإثارة قضية حصار قطاع غزة بحسبه، ويستدرك بالقول: «لكن يلزم أن تكون المسيرة منظمة جيدًا، وبأعداد ضخمة، ويمكن إدارتها والسيطرة عليها، وضمن برنامج فعاليات قادرة على الاستمرار لفترة طويلة؛ لأن علينا ألا نتوقع نتائج سريعة».

وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «لو أمكن تنظيم مثل هذه المسيرة مع الضفة الغربية بزحف آلاف الجماهير إلى الحواجز، فالفكرة ستكون أنجع، لكن من الصعب إدارة خطوة مشتركة بين الضفة وغزة بالنظر إلى سوء العلاقات بين حماس وفتح».

وفيما يتعلق برد فعل الاحتلال يتوقع «عرابي» أن «يحاول التغطية إعلاميًا على المسيرة، وإثارة رواية بديلة، وسوف يستعين بإعلام دول عربية متحالفة معه في السر للتغطية على المسيرة، لكن لو حصلت اشتباكات، أو محاولة لتجاوز السلك الفاصل، فلن يتورع الاحتلال عن ارتكاب المجازر، ولذلك فعلى منظمي المسيرة وضع تصورات واضحة لما يريدونه وكيفية إدارة المسيرة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد