اعترف أنه «قتل خمسة أشخاص»، هؤلاء الخمسة في الحقيقة ما زالوا أحياء، المعترف هو فلسطيني مقيم بالعراق، والخمسة الأحياء هم عراقيون. تلخص هذه الحكاية معاناة فلسطينيي العراق، معاناة اعتقالهم وتهجيرهم وقتلهم التي بدأت تطبق بعد غزو العراق عام 2003.

في العراق، يُخطف ويُعتقل ويُقتل الفلسطيني لأنه عربي، أو مسلم سني، أو مؤيد لصدام حسين أو عهد ما قبل العزو، وفيها أيضًا يعجز أهل القانون عن تبرئة الفلسطيني من تهم جاءت تحت بند «الإرهاب»، يتسبب في هذه المعاناة الحكومة العراقية وإيران وميليشياتها، وهي معاناة مستمرة حتى بعد هجرة غالبية هؤلاء من العراق إلى الغرب.

قبل عيد الأضحى بأيام يُعدم «أ.ش»

في 31 من أغسطس (آب) الماضي، أي قبيل عيد الأضحى بأيّام، جاءها خبر إعدام ابنها البكر أ.ش. كان الإعدام بعد اعتقال استمر عشرة أعوام صادمًا للغاية، فقد تمكنت الأم تارة من الحصول على قرار إفراج لابنها، وتارة أخرى شموله بقرار عفو حكومي قبل أيام من إعدامه، وفي النهاية انتصر ما بات يعرف بمعاملة فلسطينيي العراق، وأُعدم أ.ش.

لأم أ.ش نجلان آخران، هاجرا من العراق، كما فعلت الغالبية من فلسطينيي العراق. ذهبت الأم لاستلام جثمان ابنها أ.ش، من الطب العدلي بصحبة جارة لها، وفقط، وأخرجت شهادة وفاته قبل أن تستخرج شهادة تخرجه الجامعية. وكان جثمانه يحمل آثار التعذيب التي غطّت 90% من جسده، كما تقول التقارير الطبية.

كان الأمل يُداعب أم أ.ش، منذ 2006، بأن ينتهي ما وصفته بـ«الكابوس» الذي تعيش فيه وعائلته. تعود بذكرياتها إلى يوم اعتقال نجلها، فتقول لـ«ساسة بوست»: «أحب أن يكون يوم تخرجه من قسم اللغات، هو يوم خطوبته، وفعلًا كان ذلك، وعندما حل المساء وذهب لشراء العشاء من إحدى المطاعم في شارع فلسطين، أوقفت السائق الذي كان مع ا.ش دورية وهمية، فاشتبك السائق المسلح مع هذه الدورية، فقتل السائق وقتل شخص آخر، وخطف أ.ش الذي كان داخل المطعم وقت حدوث الواقعة».

وعام 2009، أصدر قاضٍ عراقي قرارًا بالإفراج عن أ.ش، لعدم كفاية الأدلة وعدم انتمائه لأي مجموعة إرهابية، لكنه بقي في السجن ولم يخرج، وبقيت عائلته في دوامة من المحاولات لإنقاذه من السجن، واستمر الوضع كما هو عليه حتى العام الجاري، الذي جاء بقرار شموله بالعفو الرئاسي.

تقول الأم عن آخر زيارة له، قبل إعدامه بيوم واحد: «رأيته لأول مرة، وكان فرحًا للغاية بالعفو، وأخذ يطلب منا التعجيل بالإجراءات التي تسهل العفو عنه، بخاصة التوصل إلى تفاصيل الديّة أو «الفصل» كما تعرف في العراق، مع الشخص الذي ادعي أن أ.ش اشترك في قتل ابنه، لكن حدث ما حدث».

سعت الأم للانتصار لحق نجلها حتى بعد إعدامه، لكن محاولاتها باءت بالفشل حتى الآن، والتي كان من بينها، سفرها للضفة الغربية، للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، ومسؤول الأسرى في الحكومة الفلسطينية، عيسى قراقع، ثُمّ إلى لبنان للقاء القيادي بحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، لكن أي منها لم ينجح.

«صُدمنا بتنفيذ الإعدام. لم نُبلّغ به، ولم تُبلّغ حتى السفارة، أنا التي أخبرت السفارة بإعدام ابني»، تقول أم أ.ش، مُضيفةً: «الوضع هنا مميت، في أي لحظة قد تقتحم الميلشيات بيوتنا وتخطف وتقتل من تريد».

اضطهاد ممنهج من الحكومة العراقية

يتعرض اللاجؤون الفلسطينيون في العراق، بما لا يُمكن وصفه إلا بعملية اجتثاث منظمة من الحكومات العراقية المتعاقبة، والمليشيات الطائفية. عمليات الاضطهاد هذه أدت إلى تقليص عدد الفلسطينيين المقيمين في العراق منذ 2003، من 30 ألف فلسطيني، إلى ستة آلاف فقط.

وقتل من فلسطيني العراق 300 لاجئ على يد جماعات مسلحة، بعد عام 2003، أما السجون العراقية فتضم فلسطينيين محكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد بتهم يغلب أنها باطلة، أو دون دليل دامغ.

ويستعرض تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، ظروف هؤلاء الفلسطينيين، ليؤكد التقرير الصادر في مايو (أيار) الماضي، على أن «أبرز مظاهر ذلك الاجتثاث هي القتل والتهجير والاعتقال التعسفي والتعذيب والأحكام الجائرة المستندة على تهم ملفقة».

ويُبين التقرير أن «الفلسطينيين المعتقلين في السجون العراقية تعرضوا لتعذيب بشع، من جلد وكي وصعق بالكهرباء؛ لإجبارهم على الاعتراف بتهم إرهابية، كالقيام بعمليات تفجير أو التخطيط لتلك العمليات. واتهمت الغالبية العظمى منهم بالحث والتحريض على ممارسة الإرهاب».

ووفقًا للتقرير، فإن معاناة المعتقلين، لم تقتصر على تقييد حُريّتهم، أو تلفيق تُهمٍ لهم، أو حرمانهم من حق المحاكمة، لمجرد انتمائهم للمذهب السُنّي، بل إن السلطات العراقية، «احتجزت الفلسطينيين في ظروف غير آدمية بعضهم في سجون سرية حيث جوعوا لفترات طويلة وحرموا من العلاج«، كما ذكر التقرير.

من جهة أُخرى، شدد تقرير مركز العودة الفلسطيني على أن «الحكومات العربية، تجاهلت منذ عام 2003 وقبله، ومعها منظمة التحرير الفلسطينية، حقوق هؤلاء اللاجئين، ولم يُقدّم لهم أي دعم سياسي أو مادي من تلك الحكومات، بل تعرضوا للذبح والقتل الطائفي على أيدي المليشيات الطائفية في العراق«.

ويتهم المركز الحكومة العراقية بأنها «لا تقوم بالواجب المطلوب تجاه اللاجئين، حيث لا تعترف بهم لأنهم يحملون هويات صدرت إبان حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين»، كما يُبين المركز أن اللاجئين يعانون في المخيمات الصحراوية ظروفًا صعبة للغاية، حيث لا توجد الرعاية الصحية اللازمة ولا توجد خدمات أساسية أخرى، وقد أدت تلك الظروف إلى وفاة العشرات منهم، حسب التقرير.

الإعدام قرار سياسي

هناك سياسة ممنهجة بها يُعتقل فلسطينيو العراق، بتهم أبرزها «الإرهاب»، وما يخصه، كالانضمام لجماعات إرهابية.

تقول المحامية العراقية بُشرى الدليمي، في حديث لـ«ساسة بوست»، إن «ما يحدث خارج إطار القانون. ومن الأساس يُتهم الفلسطينيون باطلًا. ويُعد أمر الإعدام قرارًا سياسيًا قائمًا على اعتبار أنه ممنوع تواجد العرب بالعراق، لذلك هم يرتبون لهم تهمًا تدينهم، ثم يحكمونهم، أي يكون الإجراء قانونيًا سليمًا لكن التهمة باطلة».

وتعتبر بُشرى الدليمي أن الفلسطينيين في العراق منذ 2003 يعانون الكثير، فقد جرى الاستيلاء على منازلهم وأملاكهم، و«المأساة أنه لم يطالب أحد بحقوقهم»، كما تقول.

وأضافت: «يتهمونهم بالولاء لصدام، وينالهم ما ينال أي معارض لإيران والحكومة العراقية والميليشيات الشيعية»، مشيرة إلى أن الفلسطينيين الذين هاجر غالبيتهم، ويُحاول الباقون إيجاد دول تستقبلهم، يُعانون من وضع معيشي واقتصادي صعب في العراق.

ودعت بُشرى الدليمي، القادة الفلسطينيين، والتنظيمات الفلسطينية، للتحرك من أجل إنقاذ فلسطينيي العراق: «استمرار صمت هؤلاء يشجع الحكومة العراقية على إعدام الفلسطينيين حتى بعد أن شملهم العفو الأخير»، مُضيفة: «الحكومة العراقية بدل أن تطلق سراحهم تسارع لإعدامهم، هناك سبع فلسطينيين محكومين بالإعدام قد يلقون مصير أحمد الشواهنة».

أين السلطة الفلسطينية مما يحدث؟

تحدثنا إلى مدير العلاقات الدولية في دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير الفلسطينية، أبو كايد أبوالريش، والذي قال إن بعض القضايا التي جرى متابعها، والحصول فيها على قرار تجميد الإعدام سياسيًا ودبلوماسيًا وحقوقيًا، نُفذ فيها قرار الإعدام، مثل قضية أحمد الشواهنة.

وأوضح أبوالريش أنّه «بعد تصاعد القتل الطائفي وتغيير حكومة العراق، وبعد تدخل ميليشيات أبو الفضل العباس والتهديد بقتل السجناء في العراق تم تنفيذ الحكم، وهناك سبعة آخرين محكوم عليهم بالإعدام ما زلنا نعمل لمساعدتهم».

وتطرق مدير العلاقات الدولية في دائرة شؤون اللاجئين، إلى ما اعتبره صعوبةً من قبل الجهات العراقية في التجاوب معهم، «بسبب أن معظم المعتقلين متهمون بالانتماء للقاعدة، وهي تهم في معظمها باطلة وكيدية، فكل فلسطيني في العراق متهم بأنه صدامي أو قاعدة» كما قال.

أبوكايد أبوالريش الذي تولى مسؤولية ملف المعتقلين الفلسطينيين في العراق مُؤخرًا، لم يُنكر أن السلطة الفلسطينية والتنظيمات، مُقصرون في هذا الملف، بل إنه يرى أيضًا أنهم «ليسوا مجرد مُقصرين، بل إنهم خائبون، ويفقدون أي تفاعل»، كاشفًا عن أنه يُجهّز خطابًا لخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وآخر لرمضان شلّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، وكذا لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس، «على أمل أن يأتي الخطاب بفائدة»، كما قال.

ثمن الولاء لصدام حسين

ارتبط الفلسطينيون بعلاقة مميزة مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وتُعد أبرز محطات العلاقة بين الفلسطينيين وصدام، عام 2001، حيث صدر قانون يمنح الفلسطيني المقيم في العراق، الكثير من الامتيازات، كالإقامة الدائمة التي يعامل فيها معاملة العراقي في كل شيء، باستثناء الحصول على الجنسية العراقية فقط.

سُحبت هذه الامتيازات من الفلسطينيين بعد غزو العراق، ولم تعد تعترف الحكومة العراقية بالهويات التي يملكونها، كونها صادرة في عهد صدّام، كما لم تُمنح لهم هويات جديدة.

وصارت الانتهاكات المُوجّهة ضد اللاجئين الفلسطينيين، عقب الغزو الأمريكي، من باب أنهم «أزلام حزب البعث وأحباب صدام حسين»، لذا استُهدفوا بعمليات خطف وتعذيب وابتزاز مالي، إما من قبل الحكومة العراقية، أو المليشيات الشيعية.

ويرى الكاتب الصحافي العراقي أحمد الملاح، أن واقع الفلسطينيين في العراق، ليس أفضل حالًا من العراقيين بعد عام ٢٠٠٣، مُوضّحًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، بقوله «تحول العراق الذي قدم دعمًا للقضية الفلسطينية والفلسطينيين بعد هذا العام، إلى بلد يعاني فيه الفلسطينيون من موجات الاضطهاد على يد الموالين لحكومة بغداد على أساس أن الفلسطينيين المتواجدين في العراق هم من المؤيدين لنظام صدام حسين».

عرض التعليقات
تحميل المزيد