تقوم السلطات الفلسطينية متمثلة في حكومة حركة حماس في غزة، وحكومة فتح في الضفة الغربية بقمع معارضيهم بأساليب مختلفة من التعذيب البدني والانتهاكات، هذا ما تكشفه شهادات لأشخاص تعروا لهذه الانتهاكات وتقارير حقوقية

كيوم عادي لأي أب، كان محمد عثمان، الصحفي بالمونيتور، يُحضر ابنتيه «إلما والمياه» من الحضانة ويعود بهم إلى حيث يقطن، عشر دقائق مرت بعدها في هدوء، حتى دق الباب بقوة، ثم يفتحه عثمان ليجد ستة رجال يقتحمون منزله، ويقولون إنهم من الأمن الداخلي.

لم تُرِ المجموعة، المرتدية لملابس مدنية، عثمان إذنًا بتفتيش المنزل، رغم ادعائهم الحصول عليه، فتشوا منزله وأخذوا حاسوبين محمولين «لابتوب»، وثلاثة هواتف نقالة، وكاميرا ديجيتال، ليقتادوه بعدها في سيارة بيضاء، كما حكى، إلى مقر جهاز الأمن الداخلي في «قصر الحاكم».

«انتظرت لمدة 20 دقيقة، قبل أن ينقلوني إلى ثكنة التعذيب، بعد أن اتخذ المحقق قرارًا بأن ينتزع ما يرى أنه اعترافات»، لتبدأ بعدها حكاية التعذيب الذي تعرض له عثمان، والذي بدأ بالاعتداء عليه بالألفاظ الخارجة، مرورًا بتخويفه وارهاقه نفسيًا وبدنيًا، من عصب عينيه وتذنيبه لمده ساعة ونصف، في غرفة سماها «الباص»، ومن ثم إيقافه بجانب غرفة المحققين، ليسمع أصوات ضرب واعتداءات تتم بحق آخرين.

كان عثمان قد نشر ورقة رسمية، من مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق، إسماعيل هنية، أراد المحققون معرفة مصدر حصول عثمان عليها، على الرغم من كون الورقة غير سرية، وكون قانون المطبوعات لسنة 1995 يعطي عثمان الحق في حماية مصادره.

خلال التحقيق، تعرض عثمان إلى الصفع على وجهه، وتكبيل يده، وتعليقه من الخلف بسلسلة حديدية، في محاولة لانتزاع مصدر معلوماته منه، فيما يسمى «البلانكو»، واحدة من طرق التعذيب التي تستخدم ضد السجناء الفلسطينيين.

لم يهدد المحققون عثمان باتهامه بشكل مباشر، بأي تهم جنائية، ليجبروه على الاعتراف، بحسب ما قصه علينا في «ساسة بوست»، لكنهم هددوه بشكل غير مباشر، يحكي عثمان لنا فيقول:» قالوا لي من باب إرهابي لا تعلم ما يتحدث به الناس عنك في الخارج، قد يقولون إنك (بتاع بنات)، ووجهوا لي أسئلة لها علاقة بأنه هل لدي علاقة مع رام الله، وأجهزة عربية وأجنبية ومؤسسات، أم لا. ودار نقاش حولها كثيرًا. وكل ذلك لاجباري على الإفصاح عن مصادري.»

يقول عثمان أنه ليس الوحيد الذي تعرض لموقف مماثل من الصحفيين الفلسطينيين، كما أن الاعتقال والتعذيب لا ينالان من الصحفيين والسياسيين فقط، فهناك أناس عاديون تعرضوا لذلك.

تعرض عثمان لتهديدات بإنهاء مستقبله باعتباره صحفيًّا، من قِبل من حققوا معه، في حال أفصح عما تعرض له، لكنه قرر الحديث، سواء بنشر شهادته عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أو بالحديث لنا في «ساسة بوست»، وطلب من متابعيه الحديث عن باقي زنازين الأمن الداخلي، كما تحدث هو عن الزنزانة 11، الزنزانة التي كان يقبع بها وقت اعتقاله، وحتى قدوم والده لكفالته، وكانوا ينادونه برقمها.

عثمان ليس الأول

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها الصادر في الـ 30 من شهر أغسطس (آب) الماضي، خمس حالات لاقتياد مواطنين فلسطينيين إلى الاعتقال، وتعذيبهم وممارسة انتهاكات مختلفة بحقهم. وتعرضت حالتان منهم لانتهاكات من قبل السلطات في الضفة الغربية، وثلاث حالات من قبل السلطات في غزّة، وذلك بسبب انتقادات وجهوها لتلكم السلطات.

وتتنوع الحالات بين صحفيين، وناشطين سياسيين، وموسيقيي راب، منهم مجد الخواجا، مغني الراب، الذي احتجزته قوات أمن السلطة الفلسطينية، بحسب ما روى لهيومن رايتس ووتش، في فبراير (شباط) من عام 2014، لمدة ثلاثة أيام في المخابرات، وحقق معه الضباط بتهمة كتابة كلمة «الانتفاضة» على الجدران. ويقول الخواجا إن ضابط التحقيق ركله في مكان إصابة قديمة، حدثت له في عام 2013 في قدمه اليسرى، مسببًا له تلفًا في أعصابها، ويذكر التقرير أنه كان يعرج أثناء المقابلة.

يضيف الخواجا أن ظابط المخابرات أمره أن يعود لمقر المخابرات مرة أخرى، فاختبأ لبضعة أيام، ثم سلّم نفسه في 18 يناير (كانون الثاني) لعام 2015، ليتهموه بحيازة أسلحة وتهريب أشخاص إلى الأردن. ويقول إن الضباط سألوه عن أغنية سجلها عن الفساد، وانتقد فيها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، حيث قال المحققون أن الغناء ضد السلطة الفلسطينية جريمة.

أخذ عناصر الأمن الخواجا وصديقه، معتز أبو لحية، والذي وثقت هيومين رايتس ووتش شهادته أيضًا، وهو عضو آخر في فرقة الراب، واقتادوهما إلى المحاكمة، باعترافات نصية قال الخواجا أن «توقيعه مزور عليها»، واتهم بإهانة سلطة عليا، وخلق فتنة داخلية تتعلق بكتابة مزعومة على الجدران، تنتقد الرئيس عباس، ثم أُفرج عنه في فبراير (شباط) 2015، إلا أن محاكمته ما زالت قائمة.

لم يسلم الخواجا من المضايقات، حتى بعد الإفراج عنه وبعد كل ما عاناه، لكنه، وبالإضافة إلى فقدان وظيفته، ومعاناته للوقوف على ساقه اليسرى، فإن مكالمات مجهولة تصله تطالبه بالتوقف عن الغناء، بالإضافة إلى اختراق حساب فرقة الراب التي كونها مع أصدقائه، وحذف كل الأغاني المرفوعة عليه، وتوقف جميع أصدقاء الخواجا عن الغناء خوفًا من الاعتقال، لكن الخواجا مستمر في غنائه كما هو.

ثم كانت غزة

في غزة، كان منشور على صفحة الصحافية مشيرة الحاج، على فيسبوك في أبريل (نيسان) عام 2014، ومقالة في مارس (آذار) عام 2015، سببًا أن تكون الحاج ضيفة على محققي مركز الشرطة في قطاع غزّة. منشور ومقالة كلاهما يتعرض لوزارة الصحة بالنقد، في المرة الأولى امتعاضًا من وفاة طفلة حديثة الولادة، في المستشفى العام في غزّة، والثانية حول وضع وزارة الصحة امتحانًا مؤهلاً، لخريجي كلية طب الأسنان، رسب فيه معظمهم.

تقول الحاج لهيومن رايتس ووتش أنها في المرة الأولى لاستدعائها، في أبريل (نيسان) الماضي، استُجوبت لساعة تقريبًا، بعدها بعشرة أيام، طُلب منها مراجعة مركز الشرطة مرة أخرى، حيث طُلب منها الاعتذار لوزير الصحة، واستجوبت بتهمة السب والقذف، لكن الحاج رفضت الاعتذار.

في أغسطس (آب) الماضي عادوا لاستدعائها، لكنهم هذه المرة استجوبوها لفترة وجيزة، ثم قاموا بنقلها إلى سجن أنصار بغزّة، حيث فتّشوها ذاتيًا وقاموا باحتجازها أربع ساعات، وقالت الحاج أنهم سمحوا لها باستقبال زوار، من منظمات حقوقية محلية.

هذه المعاملة لم تكن من حظ رمزي حرز الله، الذي دفع ثمن فيديو نشره، ينتقد من خلاله سلطات حماس، لعدم قدرتها على منع رجل من عبور الحدود بين غزة ومصر، ثمن تمثل في استجوابه لساعات، في يناير (كانون الثاني) لعامنا الحالي 2016، ومن ثم إطلاق سراحه، ليقبض عليه خمسة رجال من الأمن في اليوم التالي من منزله، معرّفين أنفسهم أنهم من الأمن الداخلي، ثم اقتادوه إلى سجن أنصار.

قضى حرز الله، من الثاني وحتى 11 يناير (كانون الثاني) الماضي، في سجن أنصار، حيث منعه المحققون من النوم، وجعلوه يمضي ثلاثة أيام جالسًا على كرسي أطفال، ويتاح له الذهاب إلى الحمام لفترات وجيزة، بالإضافة إلى الصفع، وضرب رأسه بالحائط، كلما جادلهم حول المنشورات التي يكتبها.

بالإضافة إلى التعذيب الجسدي الذي لحق حرز الله، فإن المحققون طلبوا الأرقام السرية لحساباته، وقاموا بإيقافها منعًا لمناقشة أمر اعتقاله هناك، ولم يسمحوا له حتى اليوم السابع بأي زيارات من قبل منظمات حقوقية، أو من أسرته.

حتى الموت

ليست هذه المرة الأولى التي وثقت فيها المنظمة انتهاكات بحق أفراد فلسطينيين، من قبل السلطة الحاكمة في الضفة الغربية وقطاع غزّة، حيث نشرت المنظمة على موقعها، في فبراير (شباط) الماضي، بيانًا يندد يمقتل محمود أشتيوي، الذي قتل بعد اعتقاله لعام كامل، في مواقع سريّة في غزّة بعد تعذيبه، وتشكك المنظمة في أن إعدامه كان بحكم قضائي.

وتذكر المنظمة في بيانها أنها قابلت خمسة من أقارب أشتيوي، واطلعت على كتابات هرّبت من موقع احتجازه بشكل سرّي، وأن الأدلة التي توصلت إليها المنظمة تدعم مزاعم تعذيب أشتيوي، من قبل عناصر في القسّام، الذي كان فردًا فيها منذ العام 2000. وبعد الحرب بين إسرائيل وحماس، في عام 2014، انتقد أشتيوي أداء قائده، ليختفي بعدها، بحسب ما قاله أقارب القتيل للمنظمة.

هذه ليست الواقعة الأولى من نوعها في غزّة، فقد وثقت منظمة العفو الدولية، من خلال تقريرها «خنق الرقاب»، عمليات إعدام لـ 23 فلسطينيًا، أغلبهم منتمين لحماس، في الفترة التي كانت غزة تتعرض لقصف القوات الإسرائيلية في 2014.

يقول فيليب لوثر، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية: «إنه لأمر مروع لأقصى حد، أنه بينما كانت إسرائيل تنزل الموت والدمار بشعب غزة، على نطاق هائل، انتهزت قوات حماس الفرصة لتسوية الحسابات بلا رحمة، مُنَفِّذَةً سلسلة من عمليات القتل غير المشروع، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة».

كما أصدرت هيومن رايتش ووتش، في أبريل (نيسان) 2011، تقريرًا بعنوان «لا خبر.. لا قلق»، يوثق انتهاكات ضد صحفيين، من قبل قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية، وقوات الأمن في قطاع غزّة.

ووثقت المنظمة سبع حالات لصحفيين، انتُهكت حقوقهم واعتقالهم بشكل متعسّف، ومُنعوا من مقابلة محاميهم، وتم تعذيب بعضهم من قبل الأمن الوقائي والمخابرات العامة، وأربع من هذه الحالات رأت الأجهزة الأمنية أنهم يتعاطفون مع خصم السلطة الفلسطينية اللدود، حركة حماس. كما أن التقرير وثق حالتين جرى فيهما نفس النوع من المضايقات في قطاع غزّة، مضايقات قامت بها سلطات حماس.

وفي كل الحالات التي وثقتها المنظمة، فإن السلطات لم تتخذ إجراءات واضحة، لمعاقبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الأفعال بحق الصحفيين، عدا في حالة واحدة، تمت فيها محاكمة ضباط بالأجهزة الأمنية، بتهمة الاحتجاز التعسفي، وإن كانت المحاكمة انتهت ببراءة المتهمين.

تذكر المنظمة في تقريرها: «لم تلجأ السلطة الفلسطينية لإجراء إصلاحات حقيقية طويلة الأجل، مثل إخضاع الأمن الوقائي والمخابرات، وغيرها من أجهزة الأمن، لاختصاص المحاكم المدنية، أو المطالبة بأن تخطر الأجهزة الأمنية المحتجز بسبب احتجازه وقت القبض عليه، أو ضمان مثول المحتجز، على النحو الواجب، أمام قاضٍ له سلطة الأمر بالإفراج عنه، أو تعويض الأشخاص المعتقلين تعسفًا».

الصحفيون مستهدفون دائمًا

وثقت مؤسسة «مدى»، وهي منظمة حقوقية معنية بالتنمية وحرية الإعلام، حالات اعتداء قوات الأمن الفلسطينية على صحفيين، من خلال تقرير لها عن انتهاكات الحريات الإعلامية في فلسطين، والذي يضم الانتهاكات من قبل القوات الإسرائيلية، ومن قبل القوات الفلسطينية، بواقع 829 حالة رُصدت في الضفة الغربية وغزّة، منذ العام 2008 وحتى العام 2015، أقلها كان 74 حالة في عام 2012، وأعلاها كان 192 اعتداءً في عام 2015.

كما يوضح تقرير مدى أن 60% من الاعتداءات حدثت في الصفة الغربية، مقابل 40% في قطاع غزة في عام 2015، وتتنوع هذه الاعتداءات بين القتل والاعتقال والاعتداءات الجسدية، كما يوضح التقرير.

السياسة سبب التعذيب

وبجسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في تقرير له نشرته صحيفة الأخبار اللبنانية في عام 2010، فإن ممارسات التعذيب في السجون الفلسطينية تحدث منذ أحداث يونيو (حزيران) 2007، والتي تعرف بأحداث «الانقسام الفلسطيني –الفلسطيني»، حيث يؤكد التقرير أن الخلفية السياسية هي الباعث الأبرز للتعذيب، على خلفية الانقسام الحاصل بين الحركتين الفلسطينيتين فتح وحماس، ويتخذ التعدي بحسب التقرير سببين، أولهما الانتماء السياسي، والثاني هو السبب الجنائي.

وأضاف التقرير أن الجهة التي تقوم بالتعذيب في الضفة هي جهاز الأمن الوقائي، وجهاز الاستخبارات العامة، وجهاز الاستخبارات العسكرية، وفي غزة هناك أفراد جهاز الأمن الداخلي، وجهاز الشرطة «المباحث الجنائية، مكافحة المخدرات والقوة التنفيذية».

ويذكر تقرير المركز الحقوقي أساليب التعذيب المستخدمة، والتي بلغت، بحسب التقرير، 16 نوعًا أبرزها: «عمليات الشبح، والفلقة، والضرب المبرح على جميع أنحاء الجسم، والعزل الانفرادي، وحلق شعر الرأس واللحية، والشتم بألفاظ نابية، والتهديد بالقتل والاعتداء الجنسي وإطفاء السجائر في الجسد». مشيرًا إلى أن أحدث وسائل التعذيب هي إجبار المعتقلين على تنظيف الزنازين، بفرشاة أسنان صغيرة، والوقوف على علبة حديد صغيرة لساعات طويلة.

السلطة تعترف بالتعذيب

وفي تحقيق نشرته صحيفة الدايلي ميل البريطانية في 2013، ذُكرت اعترافات مسؤول أمني فلسطيني أقر بحالات التعذيب في السجون الفلسطينية، وقال المسؤول لديفيد روز، صحفي الدايلي ميل: «لن أكذب عليك، التعذيب يتم استخدامه، علينا أن نحمي ناسنا»، وأضاف: «أنا أؤكد لك، الأمر يعتمد على صبر المحقق وأهمية المعلومات التي يريدها في استخدام التعذيب، إذا لم يحصل على ما يريد».

هذا وقد تقدمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا بشكوى، إلى مكتب النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية، ضد السلطة الفلسطينية. وبينت المنظمة أن الشكوى تضمنت أدلة تؤكد أن جهاز المخابرات، برئاسة اللواء ماجد فرج، وجهاز الأمن الوقائي برئاسة اللواء زياد هب الريح، قاما في الفترة التي توافق 13 يونيو (حزيران) لعام 2014، وما بعدها، بحملة اعتقالات تعسفية تضمنت مداهمات ليلية، ومصادرة مقتنيات شخصية، وتعريض بعض المعتقلين للاختفاء القسري والتعذيب الوحشي.

وأكدت المنظمة في الشكوى أن الشكاوى تكررت لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لوقف هذه الجرائم، إلا أن السلطات المختصة لم تقم بالتحقيق في هذه الجرائم، الأمر الذي أدى إلى استمرارها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد