1. لطالما كان الذهب دائمًا متربعًا على عرش المعادن النفيسة المتداولة في أسواق المال العالمية، فخلال آخر 20 عامًا تقريبًا لم يغادر الذهب هذه المكانة، حتى جاءت المادة البيضاء اللامعة، إحدى معادن مجموعة البلاتنيوم الستة –البلاديوم- وتفوّقت على المعدن الأصفر مؤخرًا، وسجّلت أرباحا كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل البعض يتحدث عن أن هناك منافسة على الصدارة، فهل يمكن أن يتخلى الذهب عن عرشه لأحد المعادن الأخرى، أم أنها مجرد فترة وستنتهي؟

البلاديوم هو معدن حديث إذ ما تم مقارنته بالذهب، فقد جرى اكتشافه عام 1803 على يد العالم والكيميائي وليام هايد ولاستون، ويتميز هذا المعدن بأنه لا يتفاعل مع الأكسجين الموجود في الجو، لذلك فهو مستقر تمامًا، ويعتبر من المعادن النادرة، ويتم كذلك إعادة تدويره، ويتواجد في معدنين نادرين هما «polarite» و«cooperate»، وخلال هذا التقرير سنتعرف إلى رحلة صعود البلاديوم والأسباب الحقيقية للصعود ومنافسته للذهب.

رحلة الصعود.. 600% زيادة في 10 أعوام

واصل البلاديوم سرقة الأضواء من جميع المعادن الثمينة خلال الأشهر الماضية، إذ تمكّن من تجاوز سعر الذهب لأول مرة منذ نحو 16 عامًا، ويبدو أنّه قادر على المنافسة لمدة أطول، فالمعدن الذي لم يتجاوز مستوى 200 دولار في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2008، أصبح أكثر المعادن ارتفاعًا خلال الأشهر الأخيرة، إذ ارتفع نحو 29% خلال آخر ثلاثة أشهر، ويرى كثير من المحلّلين أن هذا الاتجاه الصاعد ربما قد يستمر لفترة أطول.

البلاديوم – ماركت ووتش

ومع ارتفاع البلاديوم أعلى حاجز  1400 دولار للأوقية وصل بذلك إلى أعلى مستوى في تاريخه بصعود أكثر من 600%، إذ سجّل سعر التسليم الفوري للمعدن خلال جلسة 17 يناير (كانون الثاني) الجاري، نحو 1434.50  دولار للأوقية وهو المستوى الأعلى على الإطلاق، بينما على مدى السنوات الثلاث الماضية استمر البلاديوم في الصعود، إذ ارتفع بنسبة 22% خلال عام 2016، وقفز 56% خلال عام 2017، فيما وصلت مكاسبه إلى 18% خلال عام 2018، فقد كان السعر نحو 1063.52 دولار للأوقية في أواخر 2017، وسجل 1261.78 دولار للأوقية بنهاية تعاملات العام الماضي.

هل أصبح البلاديوم منافسًا حقيقيًا للذهب؟

في ظل هذا الانتعاش الكبير للبلاديوم، من الطبيعي أن نسأل: هل بات البلاديوم منافسًا حقيقيًا للذهب؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال فإن أداء الذهب خلال الأعوام الثلاثة الماضية كان مختلفًا تمامًا، إذ ارتفع المعدن الأصفر بنسبة 9% في عام 2016، وواصل الارتفاع في  عام 2017 بنسبة 13%، بينما فقد نحو 4.36% من قيمته خلال العام الماضي، فالذهب لم يكن في أفضل حالته هذه الفترة بعكس البلاديوم الذي يعيش أفضل فتراته على الإطلاق.

الذهب – ماركت ووتش

وبالنظر إلى سعر الذهب والبلاديوم الآن نجد أن البلاديوم تفوّق على الذهب بأكثر من 140 دولارًا في الأسعار الفورية خلال جلسة الخميس الماضي، فهل هذا يعني أن البلاديوم منافسٌ قويّ للذهب أو يمكن القول بأنه تغلّب على الذهب؟

رقميًا وبالنظر إلى السنوات المذكورة، نعم يمكن القول إنه من الجانب الاستثماري، فإن من استثمر أمواله في البلاديوم ربح أكثر من الذي استثمر أمواله في الذهب، ولكن هل هذا يعني أن البلاديوم الآن أفضل؟ في الواقع لا يمكن قول ذلك فصعود البلاديوم له أسباب واضحة ومعلومة، كما أن هذا الاستثمار لا يمكن قياسه على المدى القصير، فهل مستقبل البلاديوم يشبه مستقبل  الذهب؟

لغز الذهب.. لماذا صعد عندما توقع الجميع هبوطه؟

البلاديوم له استخدامات في صناعات محددة وفي ظل انتعاشها يستفيد المعدن، كما أن له بدائل أخرى يمكن الاعتماد عليها، لكن هذه أمور لا تنطبق على الذهب، فهو أهم وأكثر المعادن النفيسة انتشارًا، واقتناء الذهب رغبة دائمة لدى الأفراد والدول – متمثلة في البنوك المركزية – كما أنه الجزء الأهم من الاحتياطات لدى الدول، ونظرًا للقيمة المادية والمعنوية التي يتمتع المعدن الأصفر بها سرعان ما تحتمي البنوك المركزية به في حال وجود مخاطر اقتصادية أو سياسية.

Embed from Getty Images

كما أن الذهب هو الملاذ الآمن القديم الحديث؛ إذ يحتلّ المعدن الأصفر مكانةً كبيرة في الاقتصاد العالمي؛ فهو المعيار الأمثل لتحديد غنى الأفراد والشعوب، وكان السبب الرئيس في العديد من الحروب، ودائمًا ما يرتبط اللجوء للذهب بالخوف، وفي ظل الأزمات السياسية والاجتماعية مثل الحروب وغيرها، يكون اللجوء فوريًّا للذهب، لذلك دائمًا ما يصعد عند وجود أي توترات سياسة عالمية. إذًا فكرة المنافسة على المدى الطويل بين البلاديوم والذهب أمر غير وارد، حتى لو تجاوز سعر الذهب.

نقص المعروض والمناخ.. أسباب أنعشت البلاديوم

بالطبع تسأل: لماذا يرتفع البلاديوم الآن تحديدًا؟ في الواقع يمكن حصر أسباب الارتفاع في سببين رئيسيين، الأول هو العرض والطلب والثاني متعلق باستخدامات هذا المعدن، وأما عن السبب الأول فبلا شك أنّ المعروض والمطلوب من المعدن هما أساس تحرُّكات الأسعار داخل الأسواق، إذ تعوّدنا في الاقتصاد دائمًا فيما يتعلق بأسعار السلع الرجوع أولًا إلى قانون العرض والطلب، ومبدأ هذا القانون يقوم على أن العرض المنخفض والطلب الكبير ينتج عنه زيادة في سعر السلعة، بينما العكس بالنسبة للعرض الكبير مع طلب منخفض تكون النتيجة هي انخفاض سعر السلعة.

Embed from Getty Images

وبحسب ما ذكرت «بلومبيرج» فإنّ الأصول المحتفظ بها في صناديق التداول في البلاديوم سجّلت أدنى مستوى لها منذ عام 2009، خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إذ أصبح مستخدمو المعادن يقترضونه لتلبية احتياجاتهم، بينما يرى جوني تيفس إن «السوق تحت ضغط كبير»، موضّحًا أن «العجز في سوق البلاديوم مستمر منذ 2010، وسيستمر في السنوات المقبلة حسب التوقعات»، وذلك في الوقت الذي توسعت الفجوة بين سعر البلاديوم وشقيقه البلاتين لأعلى فارق منذ عام 2001.

ومن هنا يمكن القول بأن المعروض لا يلبي الطلب المتزايد، وتعتبر روسيا وجنوب أفريقيا أكبر المنتجين لهذا المعدن الذي  يتم استخرجه باعتباره منتجا ثانويا خلال عمليات الاستخراج التي تركز على معادن أخرى مثل البلاتينيوم والنيكل، بالإضافة إلى كندا وأمريكا و زيمبابوي. فالشركة الروسية «نوريلسك نيكل» تنتج وحدها فقط نحو 39% من حجم الإنتاج العالمي للبلاديوم، لكن هذا الإنتاج لا يكفي الطلب المتزايد، فكمية البلاديوم المنتجة حاليًا هي أقل من الطلب للعام الثامن على التوالي.

والآن نأتي إلى السؤال الأهم وهو متعلق بالسبب الثاني، فيما يستخدم البلاديوم وما علاقة المناخ بهذا المعدن ولماذا يتزايد الطلب عليه؟ أغلب البلاديوم أو 80% منه يتم استخدامه حاليًا في أنظمة العادم بالسيارات، إذ يقوم هذا المعدن بتحويل العناصر الملوثة السامة إلى ثاني أكسيد كربون أقل ضررًا وبخار ماء، وبصورة أدق يستخدم هذا المعدن في السيارات التي تعمل بالبنزين، بعكس السيارات التي تعمل بالديزل وتستخدم في الغالب البلاتنيوم.

بينما يدخل البلاديوم في عدة صناعات أخرى ولكن بنسب ضئيلة جدًا إذ يمكن استخدامه في صناعة الإلكترونيات، ويستخدم في طب الأسنان ويقوم بمعالجة المياه الجوفية، وصناعة المجوهرات، بالإضافة إلى استخدامه بشكل كبير في صناعة المحولات المحفزة، لكن دراسات أولية أجريت على قوارض، تشير إلى أن المعدن يحتوي على معدّل سميّة منخفض، وأن الجرعات العالية منه قد تكون مسببة للسرطان، وهذا الأمر يحد من التوسع في استخدام هذا المعدن في صناعات أكثر.

وتأتي زيادة الطلب على البلاديوم بسبب استخدامها بنسبة 80% في صناعة السيارات، وهو الأمر المرتبط بشكل مباشر بالمناخ، إذ إنّ تشديد الحكومات وخاصة في الصين للوائح التنظيمية للقضاء على التلوث من السيارات، أجبر صانعي السيارات على زيادة كمية المعدن النفيس الذي يستخدمونه، بالإضافة إلى أن معظم المستهلكين حول العالم باتوا يميلون أكثر إلى السيارات التي تعمل بالبنزين بدلا من التي تعمل بالديزل، لذلك يتزايد الإقبال على المعدن.

«بيزنس» الملابس المستعملة.. لا تصل للفقراء مجانًا وأفريقيا أكبر الخاسرين

سبب آخر يمكن إدراجه ضمن أسباب قفزة سعر البلاديوم وهو أنّ بعض التقديرات تشير إلى أن الصين تخزّن كميات كبيرة من هذا المعدن، ولكن هذا الأمر لم يظهر له أرقام أو إحصاءات يمكن الاعتماد عليها، ولكن مجرد انتشار مثل هذه التقديرات تساهم في زيادة الطلب على البلاديوم وبالتالي صعود السعر، خاصة أن الصين هي أكبر مشترٍ في قطاع السيارات حول العالم.

هل هذا هو الوقت المناسب للاستثمار في البلاديوم؟

ذكرنا أن هناك أسبابًا حقيقية ساهمت بشكل مباشر في صعود البلاديوم، ولكن في أسواق المال يستغلّ المضاربون هذه الأسباب لتحقيق أرباح كبيرة مستفيدين من هذا الصعود، بالإضافة إلى أن معدن البلاديوم يمكن القول إنّه متقلّب من ناحية الأسعار، بمعنى أن الصعود بقوة قد يعني أيضًا أنه سيهبط بنفس القوة، ففي الوقت الذي تراهن فيه صناديق التحوّط على زيادة السعر، وسط تزاحم المستثمرين على عوائد مربحة من خلال بيع المعدن للشركات المصنعة التي تخطّط لشراء البلاديوم، يمكن لأيّ خبر سلبي حول الأمر أن يقود البلاديوم لموجة كبيرة من الهبوط.

وسبق لمعادن أخرى أن سجّلت قفزات قوية وعادت للتراجع مرة أخرى، ففي 1998، ارتفع البلاتنيوم بأكثر من 500%، بسبب نقص في المعروض، بالإضافة إلى الروديوم الذي ارتفع أيضًا بنسبة تزيد عن 4000% لكن سرعان ما تم التوصل إلى طرق تؤدي لاستخدام أقل من المعدن، وبالتالي فإنّ الثبات على السعر المرتفع هو أمر غاية في الصعوبة، والاعتماد عليه باعتباره استثمارًا لا يخلو من المجازفة.

في ظل الأزمة المالية المتوقعة.. كيف تحمي أموالك في 2019؟

والسؤال الآن: هل الاستثمار في البلاديوم الآن هو خيار جيد؟ في الواقع في ظلّ اقتناع البعض أنّ البلاديوم سيواصل الارتفاع هذا العام، يرى آخرون أن موجة الصعود ربما انتهت، خاصة بسبب الأخبار السلبية الصادرة عن قطاع السيارات في ظل النزاعات التجارية العالمية المشتعلة حاليًا، بالإضافة إلى الانتشار الكبير للسيارات الكهربائية والتي لا يستخدم في صناعتها البلاديوم، وكما يرى «كومرتس بنك» فإن سوق البلاديوم ضيقة، وهو ما دفع السعر إلى مستوى قياسي، بينما يرجح أن يحدث تصحيح للسعر خلال 2019.

المصادر

تحميل المزيد