من الجيد تمامًا أن مواطنينا لا يفهون نظامنا المصرفي أو المالي؛ لأنهم إن فهموا أؤمن أننا سنجد أنفسنا في خضم الثورة قبل صباح الغد! – هنري فورد، مؤسس عملاق صناعة السيارات العالمية «فورد» متحدثًا عن النظام المصرفي الأمريكي، الذي يعتبر «النظام المصرفي الأم» للأنظمة البنكية العالمية.

هذا التقرير، لن يبدأ من بنما، وإنّما سيذهب بكم أولًا في رحلة إلى القرن الماضي، لرواية قصة، بالغة الأهمية في هذا الصدد.

في العقد الستيني لمع نجم أغا حسن عبيدي، الرجل الذي بدا وكأنه يقود ثورة في القطاع المصرفي الباكستاني، ومؤسس البنك المتحد المحدود (UBL)، أحد أكبر بنوك باكستان حاليًا. في ذلك الوقت فاقت طموحات «أغا» منصبه كرئيس مجلس إدارة البنك الباكستاني الواعد، فاستغل علاقاته واسعة النطاق مع الإمارات العربية المتحدة، ليحصل على تمويل ضخم من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات السابق، وحاكم إمارة أبي ظبي وقتها، ولينفذ حلمه الخاص بإنشاء مؤسسة مصرفية دولية، تتعدى الحدود الباكستانية، أو ما سيعرفه العالم فيما بعد ببنك الاعتماد والتجارة الدولي (BCCI).

عندما انطلق بنك «BCCI» في عام 1972، بتمويل بنسبة 75 % من الشيخ زايد و25 % من بنك أوف أميركا، أحد أكبر البنوك الأمريكية والعالمية، وبرئاسة أغا، كان من المتوقع له أن ينمو كأي بنك آخر، وبمتتالية أعمال طبيعية ومفهومة، لكن ما حدث هو العكس كليًا، وبدأ البنك في إجراء عمليات استحواذ، وشراء لبنوك دولية، ومجموعة من الشركات في جزر «الكايمان»، لينشئ إمبراطورية تنمو باستمرار وسرعة غير مفهومة.

في عام 1973 بلغ عدد فروع البنك 19 فرعًا في خمس دول، ثم في العام التالي مباشرة قفز العدد إلى 27 فرعًا، ثم إلى 108 فرعًا في عام 1976، وتمددت أصوله من 200 مليون دولار إلى 1.6 مليار دولار، كان النمو مثيرًا للدهشة، حتى إن صحيفة «الجارديان» البريطانية، أرجعت حينها نموه إلى استخدامه لأموال مودعيه مباشرة، بدلًا من الاعتماد على الاستثمارات كأي بنك آخر، بينما زعم صحافي التحقيقات الأمريكي الشهير، «جوزيف ترينتو»، في كتابه المعروف «مقدمة إلى الإرهاب»، أن عملية النمو المدهشة، تمت بخطة أشرف عليها مدير المخابرات السعودية، وهو ما لم يثبته جوزيف بدليل قاطع، وبدا أقرب إلى نظريات المؤامرة، مما جعل الحقيقة تميل إلى كفة قصة الجارديان البريطانية، وإن لم تسقط قصة جوزيف.

فيما بعد وفي عام 1980، وبعد ثمان سنوات فقط من انطلاقة المصرف، بلغت أصوله أربعة مليارات دولار، وتوسعت فروعه ليتم 150 فرعًا في 46 دولة. لكن الأهم لم يحدث بعد، وما بين عمليات الإحلال وبيع الأسهم والتجديد، وتناقص حصة بنك أوف أميركا باستمرار، مقابل ازدياد حصة الإمارات، كان على المصرف أن يجيب تساؤلًا هامًا هو: كيف سندخل السوق المصرفية الأمريكية، الأهم عالميًا، خاصة مع معارضة مكتب مراقبة العملة (OCC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، والمسئول عن الإشراف على جميع البنوك في الولايات المتحدة- لدخول «BBCI» إليها.

بعد عامين فقط، توصل العملاق المصرفي إلى الإجابة السحرية لسؤاله، وفي عام 1982 ظهر في السوق الأمريكية، وبشكل مفاجئ 15 مستثمرًا من الشرق الأوسط، وقام هؤلاء المستثمرين بشراء شركة مالية أمريكية قابضة مقرها واشنطن، وأطلقوا عليها First American، مع مصادفة غير بريئة، تمثلت في أن هؤلاء المستثمرين، بالكامل، هم عملاء كبار لبنك الاعتماد والتجارة، ولدرء الشبهات وتحجيم تحركات «OCC»، عُين كلارك كليفورد، المحامي الأمريكي الشهير، والمستشار السياسي لخمسة رؤساء منهم ترومان وكارتر وكينيدي، في منصب الرئيس التنفيذي للشركة القابضة، مع تولي شركة المحاماة الخاصة به الشق القانوني، ولم يكن خافيًا على قطاع الولايات المتحدة المصرفي أن بنك الاعتماد يحرك الشركة القابضة بالكامل من وراء ستار مظلم.

بمرور الأعوام، تضاعفت قيمة بنك الاعتماد، حتى وصلت إلى أصول تقدر بـ 20 مليار دولار، و400 فرع في 78 دولة، ما جعله يحتل المرتبة السابعة في قائمة أكبر البنوك الخاصة العالمية، لكن موجة النجاح كانت مثيرة للتأمل، إلى الحد الذي دفع مكتب مراقبة العُمْلة، والمباحث الفيدرالية الأمريكية، وبعض وكالات الاستخبارات الأخرى، لبدء عملية اختراق لقطاع العملاء الخاص في البنك، وبدأت العملية تحت قيادة العميل الخاص روبرت مازر، أحد أيقونات مكافحة غسيل الأموال الأمريكية التاريخية (يُنتج الآن فيلم عنه، من بطولة الممثل الشهير «براين كرانستون»)، ليخترق القطاع بالفعل، ويكشف وفريقه الستار، في عام 1991، عن أكبر فضيحة فساد بنكي في التاريخ الحديث، إذ كان البنك قائمًا تقريبًا على غسيل الأموال، ومساعدة العملاء ذوي الحيثية على التهرب الضريبي، وبداخله قسم شديد السرية يدعى «الشبكة السوداء»، ويعمل كجهاز استخباراتي كبير، وبه 1500 موظف في جميع أنحاء العالم.

هذه الفضيحة أسفرت عن غلق سبعة فروع للبنك، وتحجيم أنشطته في الولايات المتحدة وبريطانيا، ودفعه لغرامات متواصلة بمليارات الدولارات، ما أدى إلى انهيار إمبراطوريته تمامًا، ومن ثم تصفيته بالكامل فيما بعد، لتصبح عملية الشبكة السوداء العلامة الأكبر منذ ظهور القطاع المصرفي تاريخيًا.

في عمليات التهرب الضريبي شديدة الضخامة، كالتي كشفت عنها التسريبات الأكبر في التاريخ، والمعروفة بوثائق بنما، لا يمكن لرجال الأعمال، والسياسيين والحكام، وقادة عصابات المخدرات الدولية، وزعماء الجريمة المنظمة، وأي شخص تقريبًا، لا يمكن لهؤلاء كلهم التحرك خطوة واحدة، بدون عنصريين أساسيين: بنوك عالمية متخصصة في تهريب الأموال وغسيلها، في سلاسل شديدة التعقيد والطول، وشركات المحاماة الدولية، التي تلعب دور محامي الشيطان.

التسريبات السويسرية أولًا

لا يمكن فهم هذا الدور، ووضعه في حجمه الصحيح، إلا بالرجوع إلى ما قبل وثائق بنما، وتحديدًا إلى الثامن من فبراير (شباط) العام الماضي، حيث قام الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، بالتعاون مع 50 مؤسسة إعلامية وصحافية تقريبًا، بالكشف عن ضلوع الفرع السويسري، لعملاق الخدمات المصرفي العالمي (HSBC)، في عمليات تهرب ضريبي وغسيل أموال، لأكثر من 100 ألف عميل من جميع أنحاء العالم، من 200 دولة، كشفت حينها التسريبات الصاعقة، والتي كانت الأكبر في التاريخ حتى نشرت وثائق بنما، عن الدور الدولي الذي تلعبه المصارف العالمية العملاقة في غسيل الأموال، والتهرب الضريبي، ووقتها هبطت السلطات المالية الأمريكية بمطارق العقوبات على HSBC، وأربعة مصارف عالمية أخرى، في قضايا احتيال تعود إلى تسريبات ليجاردي الشهيرة، لتدفع هذه المصارف غرامات هي الأكبر تاريخيًا، وصلت إلى أكثر من 5.5 مليار دولار.

كان من الضروري أن نعود لذكر ما حدث، وما قبله، لفهم أكبر لما نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، في أحد تقاريره قبل أيّام، والمعنون بـ«البنوك العالمية تتحد مع شركات المحاماة لمساعدة الأثرياء على إخفاء أموالهم»، والتي كشف فيها التقرير عن التحالف بين البنوك العالمية وشركة «موساك فونسيكا»، التي تمثل العنصر الرئيس في وثائق بنما.

من خلال تحليل الاتحاد للوثائق، البالغ عددها 11.5 مليون وثيقة، يتضح أن شركة «موساك فونسيكا»، ساعدت أكثر من 500 بنك عالمي وإقليمي وفروعهم، في تسجيل حوالي 15.600 شركة وهمية «shell companies»، هذه الشركات أُنشئت الغالبية العظمى منها، منذ العام 1990 هل يقرع العام جرسًا ما لديك؟

هذه الشركات، والتي كانت بمثابة محطات تخزين مؤقت وغسيل وتحويل لتريليونات الدولارات، يمتلك منها العملاق المصرفي البريطاني HSBC بمفرده حوالي 2300 شركة. أما مجموعة UBS المصرفية السويسرية، الشريك الرئيس في تسريبات القرن، فيمتلك عملاؤها 1100 شركة وهمية، ثم مجموعة كريدي سويس العالمية بـ1105، ثم سوسيتيه جنرال الفرنسي بـ979 شركة.

شهد عام 2010، وبعد ضغوط شديدة من الولايات المتحدة على المجموعة السويسرية المصرفية UBS، تبادلًا للاتهامات بينها وبين شركة المحاماة والخدمات القانونية «موساك فونسيكا»، بعد سنوات طويلة من التعاون المثمر بينهما، لإنشاء وحماية الشركات الوهمية، لصالح العديد من العملاء الأثرياء باختلاف أعمالهم ومراكزهم. بدأت هذه الاتهامات من مجلس إدارة المجموعة، الذي قرر أن يصفي كل أعمال الشركات الوهمية لديه، ثم كان اجتماع 28 سبتمبر (أيلول) من نفس العام، والذي اتهم فيه مجلس الإدارة، شركة «موساك فونسيكا»، بمسئوليتها عن تحديد أصحاب الشركات الوهمية ومن هم وراء الحسابات السرية، لترد الشركة عن طريق أحد كبار موظفيها، ديتيربوتشولز، بقوله: إن «الشركة ليس لديها أية معلومات عمن وراء تلك الحسابات، لأن UBS حجب تلك المعلومات ببساطة»، وليستمر تراشق الاتهامات فيما بعد، وحتى التسوية مع الحكومة الأمريكية.

نيكولاس شاكسون(مصدر الصورة: blog.longreads.com)

يحكي البريطاني الشهير نيكولاس شاكسون، أحد أهم الصحافيين الاستقصائيين في مجال الاحتيال الضريبي والشركات الوهمية، في كتابه الهام «جزر الكنوز: جنات الضرائب والرجال الذين سرقوا العالم»، والمُعرّب إلى «مافيا الأموال المنهوبة»، عما يعرفه العالم بـ«Offshore»، وهي شبكة المناطق نصف البريطانية ومركزها لندن، والتي تنامت منذ الستينيات وانتشرت في جميع أنحاء العالم، لتوفر ملاذات آمنة وسرية لأموال المودعين من جميع الدول، بضرائب لا تذكر أو بدون ضرائب على الإطلاق، وبلوائح قانونية متساهلة، ثم طُورت فيما بعد لتجذب الأعمال الشرعية أيضًا، فلا يقتصر التهرب الضريبي على تجار السلاح، أو عصابات المخدرات، أو زعماء الجريمة المنظمة فقط، وإنما امتدت إمبراطورية ما وراء البحار لتتضمن جذبًا لـ 83 شركة، من أكبر 100 شركة أمريكية، بحسب تقريرمجموعة الصالح العام الأمريكية لعام 2013.

نظرية الذئب الباكي وعبقرية الشبكة المصرفية العالمية

في عام 2001 قدر تقرير للمباحث الفيدرالية الأمريكية (FBI)، عملية غسيل الأموال العالمية بـ1.5 تريليون دولار. هذا الرقم، والذي تضاعف مرات عديدة في خلال العقد الأخير، دفع السلطات المالية الأمريكية، لإلزام البنوك بتقديم تقارير دورية مستمرة، للإبلاغ عن أي نشاطات مالية مريبة أو مشبوهة، يشتبه في كونها غسيل أموال أو تهرب ضريبي، ولأن البنوك ترعى شبكة الملاذات الضريبية، كان لابد لها من مقاومة هذا الأمر بوسيلة مبتكرة.

(مصدر الصورة: atapestryofwords.blogspot.com)

من بين قصص الحكيم «إيسوب» بالغة الشهرة، تأتي قصة خاصة تدعى «الذئب الباكي»، تحكي القصة عن صبي يرعى أغنام القرية، ويحب أن يجذب انتباه أهل القرية دائمًا، في كل يوم يصرخ هذا الصبي مستنجدًا بأهل القرية، وزاعمًا أن ذئبًا يحاول التهام الغنم، وفي كل مرة يهرع أهل القرية لينقذوا الأغنام، وليجدوا الصبي ضاحكًا مشيرًا إليهم بنجاحه في جذب انتباههم، وليروا بأعينهم كذب الصبي وعدم وجود أي ذئب في أي مكان.

في يوم ما، سيصرخ الصبي بأعلى صوت، كعادته، مستنجدًا بأهل القرية من هجوم ذئب عليه، لكن أهل القرية هذه المرة قرروا تجاهل النداء باعتباره نداءً زائفًا كما هي العادة، في هذه المرة تحديدًا سيكون نداء الصبي حقيقيًا، وسيعاني بمفرده من هجوم ذئب شرس على القطيع، ليلتهم أغنامه واحدة تلو الأخرى، وفي رواية أخرى سيلتهم الصبي نفسه، الواصل صوت بكائه إلى أهل القرية المعتقدين في زيفه.

هذا التقرير، بالتأكيد، ليس عن حكايات الحكيم «إيسوب»، لكننا ذكرنا القصة هنا لسبب بسيط: لقد طبقت البنوك قصة الحكيم إيسوب في مواجهة السلطات المالية الأمريكية حرفيًا، وانتهجوا ما عرفه العالم فيما بعد بنظرية «الذئب الباكي»!

في دراسته البحثية الماتعة، والصادرة في أبريل (نيسان) لعام 2007، والمعنونة بـ «نظرية الذئب الباكي: تطبيق اقتصاديات غسيل الأموال». يذكر الخبير المالي الشهير، والحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة برينستون، إيلودتاكاتس، طريقة مواجهة البنوك لالتزام «تقديم التقارير الدورية المستمرة» للحكومة الأمريكية، والتي ستتعارض بالتأكيد مع الأرباح التي تجنيها، من الحسابات المصرفية المليارية السرية، والخاصة بأباطرة الجريمة في العالم، وبغيرهم من الشركات العالمية العملاقة التي تمتلك أعمالًا شرعية، لذلك استعانت تلك البنوك العالمية، العاملة على الأراضي الأمريكية، بقصة إيسوب، وقررت إغراق هيئة مراقبة الأموال الأمريكية، ومكتب مراقبة العملة، وغيرهما، بتقارير كثيرة تثير شكوكًا حول أنشطة شرعية.

هذه الاستراتيجية العبقرية، جعلت السلطات الأمريكية تضيع وقتها في تتبع آثار قضايا عديدة، يتضح في النهاية شرعية أعمال أصحابها وبراءتهم، ما سيجعل السلطات فيما بعد، وبشكل بديهي تمامًا، تتجه للتعامل مع التقارير بروتينية شديدة، ومن ثم عدم أخذها بالجدية الكافية أو الاستقصاء بالغ الدقة، ما ينتج عنه ضياع التقارير الحقيقية، والتي ترشد عن الأعمال المشبوهة والتهرب الضريبي، بين عشرات الآلاف من التقارير الأخرى، وبدا حينها وكأن إغراق هيئات المراقبة الأمريكية، بآلاف التقارير القانونية المعقدة، وبمساعدة شركات المحاماة والخدمات القانونية الدولية، والتي تستلزم بطبيعة الحال وقتًا طويلًا لفحصها، هو تكتيك ناجح بشدة، حتى جاء العام 2005 لينسف كل ذلك على يد شخص واحد.

كيف قست واشنطن بشدة على جنيف؟

في عام 2005، وقعت وثيقة داخلية تحت يد موظف بنك UBS، «برادلي بيركنفيلد»، تثبت أن المجموعة المصرفية انتهكت اتفاقية، بينها وبين إدارة الإيرادات الداخلية الأمريكية، وهذه الوثيقة، بشكل قانوني تمامًا، تجعل باستطاعة البنك -عند انكشاف الأمر– إلقاء اللوم على مجموعة من موظفيه، أو بالأحرى إلقاء كباش فداء للسلطات المالية في واشنطن. وفي الخامس من أكتوبر (تشرين الأول)، قرر برادلي أن يستقيل، ليتجه للعمل في مجموعة UC المحدودة، وهي شركة مصرفية تقدم خدماتها للشركات الصغيرة والمتوسطة في جنوب فلوريدا، كشريك ومتخصص في إدارة الثروات، قبل أن يستقيل من عمله في الثالث من يونيو (حزيران) لعام 2008.

في الفترة من 2005 إلى 2007 أرسل برادلي لقسم الشكاوى في مجموعة UBS، ولبضعة مسؤولين وصولًا إلى المستشار العام للمجموعة، بلا أي استجابة، ليقرر في النهاية في التواصل مع وزارة العدل الأمريكية، في محاولة للوصول لاتفاق يقضى بإعطائها معلومات مخالفة البنك، مقابل حصانة من الملاحقات القضائية له. وجاء رد وزارة العدل غير مشجع في البداية بعدم ضمان الحصانة، ثم تمت عدة جلسات فيما بعد ليتوصل الطرفان لاتفاق تمنح فيه الوزارة الحصانة لبرادلي ما لديه. في هذا الوقت انتهى دور الوزارة، وجاء دور لجنة الأوراق المالية والبورصة(SEC)، ودائرة الإيرادات الداخلية
(IRS)، ومجلس الشيوخ الأمريكي، والذين تواصل معهم «بيركنفيلد» في نفس الوقت، لكن وزارة العدل لم تلتزم باتفاقها ووجهت اتهامًا بالاحتيال إلى «برادلي»، ثم أقر بالتهمة ليقضى عقوبة قدرها 40 شهرًا.

في 18 فبراير (شباط) من عام 2009 توصل بنك UBS لتسوية مع الحكومة الأمريكية، غُرِّم البنك بمقتضاها 780 مليون دولار في مقابل اسقاط التهم الجنائية، ثم ضغطت الحكومة الأمريكية، عن طريق وزيرة الخارجية «هيلاري كلينتون»، على الحكومة السويسرية للكشف عن أسماء العملاء الأمريكيين المتهربين من الضرائب، والضغط هنا لأن هذا الكشف سوف يخالف قوانين السرية المصرفية السويسرية، وهي حزم السرية الأفضل عالميًا، لكن الولايات المتحدة نجحت، وبالفعل تم الكشف عن قوائم الأسماء التي تعدت 4000 اسم في يونيو (حزيران) من عام 2010.

استمر الصراع الأمريكي السويسري، غير المتكافئ، حتى عام 2013، عندما اعتمدت الحكومة السويسرية في 29 من مايو (آيار) قانونًا طارئًا، أتاح للمصارف السويسرية التفاوض بشكل مباشرة، كل على حدة، مع الحكومة الأمريكية، والوصول إلى تسويات منفردة، وربما الكشف عن أسماء بعض العملاء، بما لا ينقض الأساس المصرفي لسويسرا. كان نصرًا للولايات المتحدة بالطبع، والذي ستجني منه ما يقارب 10 مليارات دولار من الغرامات، مع أسماء عملاء أمريكيين قاموا بالتهرب الضريبي، في مقابل انقسام سويسري حول القانون، ما بين مؤيد ومعارض، كحزب الشعب السويسري المحافظ الذي وصف الاتفاق بأنه «كارثي، وليس حلًا شاملًا بل خطوة متسرعة مفتقدة إلى أي جدية».

عودة إلى وثائق بنما

النظام المالي الآن، هو أكثر انتشارًا وضخامة وأشد خطرًا بكثير، وعلى الرغم من أهمية التنظيمات والرقابة الداخلية لضبط الأعمال المصرفية، إلا أنها لن تكون كافية أبدًا. لابد لمن يريد الإصلاح من فهم نظام الأوف شور، والتعاطي معه بجدية وتكريس. – نيكولاس شاكسون، من كتابه «جزر الكنوز».

لفهم التعاون الشبكي بين شركات المحاماة والبنوك، يمكننا ضرب مثال شديد الوضوح من الوثائق. سنذهب إلى 2011، عام الثورة السورية، حيث شبح الحرب الأهلية على الأبواب، حينها برزت لدى «موساك فونسيكا» مخاوف قانونية مفهومة، من التعاون مع «رامي مخلوف»، الملياردير السوري ورجل بشار الأسد الاقتصادي الأول، وقريبه بالطبع. وأرسلت «موساك فونسيكا» إلى مجموعة HSBC معربة عن مخاوفها هذه. لمزيد من الوضوح، فإنه في عام 1996، قامت «موساك فونسيكا» بإنشاء عدد من الشركات الوهمية، استغلها مخلوف للاحتفاظ بأمواله وأصوله في حسابات تتبع HSBC.

المقر الرئيس لشركة «موساك فونسيكا»

جاء رد البنك البريطاني سريعًا، كما أوضحت الوثائق، بأنه لا يجد مشكلة في استمرار التعاون، ما جعل موساك فونسيكا،تقرر فيما بعد، أنّه طالما أن مخلوف جيّد بما فيه الكفاية للعملاق المصرفي البريطاني، فإنه جيد كفايةً لشركة الخدمات القانونية البنمية أيضًا، رغم تجميد وزارة الخزانة الأمريكية، لأصول الرجل المالية في 2008.

تبدو مشكلة شركات «الأوف شور»، والنظامين الخاصين المصرفي والقانوني، القائمين عليها بالكامل، كما يشرحها السيد «نيكولاس»، ممثلة في أن الحرب بين السلطة والملاذات لا تنتهي تقريبًا، فتخلق جزر «الكايمان» – أو أي جنة ضريبية – مهرب «أوف شور» عبقريًا جديدًا، ثم تتخذ الولايات المتحدة، باعتبارها السلطة القضائية والاقتصادية الأقوى عالميًا، إجراءات مضادة لهذا المهرب، ما يدفع شركات المحاماة بالتعاون مع البنوك العالمية، إلى ابتكار متاهات قانونية ومصرفية جديدة لمواجهة هذه الإجراءات، ثم تصبح قوانين الردع الأمريكية أكثر تعقيدًا، ليؤدي ذلك إلى المزيد من الطرق الملتوية والثغرات، وهكذا بلا نهاية، لنجد أنفسنا أمام صناعات عملاقة كاملة، تقوم على خدمة اقتصاد التهرب الضريبي، ما يؤثر على كفاءة الاقتصاد العالمي بالتأكيد، وربما تبدو «وثائق بنما» خطوة شديدة الأهمية وغير مسبوقة، لكن المنظومة القانونية الدولية مازال أمامها طريق بالغ الطول، في سبيل تحجيم هذه الشبكة العالمية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد