منذ ظهور وباء كوفيد-19 في نهاية عام 2019، وكل أصابع الاتهام تتجه إلى أسواق الحيوانات في مدينة ووهان الصينية، التي تحتوي حيوانات غريبة تباع بغرض الأكل لا الاقتناء، بوصفها مصدرًا رئيسيًّا لظهور هذا المرض وانتشاره.

حتى الآن، لا أحد يعرف إذا ما كانت هذه الأسواق هي المصدر الحقيقي، حتى فريق منظمة الصحة العالمية الذي زار مدينة ووهان لا يستطيع التأكيد بشكل قاطع، لكن من الواضح أن تفشي وباء كورونا من مدينة ووهان واحتمالية ارتباطه بأسواق بيع الحيوانات هناك، ليس هو المشكلة الحقيقية، لكنه مجرد عرض.

فوجود هذه الحيوانات وتداولها في مثل هذه الأسواق كان مرحلة تالية للمرحلة الأهم؛ وهو تعدي الإنسان على البيئة الطبيعية واستغلالها أبشع استغلال. وهو ما جعل البشر يحتكون أكثر وأكثر بالحيوانات البرية وما فيها من فيروسات لا تعد ولا تحصى، والتي تكتسب القدرة تدريجيًّا على الانتقال من هذه الحيوانات للبشر، مما يتسبب في انتشار الأوبئة والأمراض الجديدة، والتي يطلق عليها العلماء اسم «أمراض حيوانية المصدر».

البشر ووقف التعدي على البيئة

لسنوات طويلة، كان العلماء يحذرون حول العالم من التعدي السلبي على البيئة والغابات وأماكن العيش الطبيعية للحيوانات البرية. ربما كان كثير من الناس لا يأبهون لهذه التحذيرات ويرونها نوعًا من أنواع الرفاهية الكبيرة التي لا تهمنا.

لكن ربما وبعد جائحة فيروس كورونا، حان الوقت كي يعيد كل إنسان النظر في هذا الموضوع، فالمشكلة لا تتعلق بتدمير الأشجار والأراضي، بل تصل إلى حد توصيل الأمراض والأوبئة للبشر، تمامًا مثل كورونا.

الأمراض تنتشر منذ سنوات

قد يظن البعض أن جائحة كورونا هي بداية انتشار الأوبئة الخاصة بالأمراض حيوانية المصدر، لكن في الحقيقة شهدت الخمس عشرة سنة الماضية انفجارًا حقيقيًّا في فهم العلماء لمسببات الأمراض المحتملة. فقد قدر تقرير صادر عن لجنة التنوع البيولوجي التابعة للأمم المتحدة العام الماضي أن هناك 1.7 مليون فيروس غير مكتشفة في الحيوانات.

بالتأكيد، لن تكتسب كل هذه الفيروسات القدرات التي يحتاجونها لإلحاق العدوى بالبشر أو للانتقال من الحيوانات للبشر. لكن حدد حوالي خمسة أمراض معدية جديدة تصيب البشر كل عام، و70% من هذه الأمراض الناشئة ناجمة عن ميكروبات من أصل حيواني. وهذه هي الأسباب المرتبطة بالانتقال:

1- البشر والتعدي على البيئة

أحد العوامل الرئيسية التي تحرك الإنسان نحو التعدي على البيئة وأماكن عيش هذه الحيوانات، هو تزايد عدد السكان وارتفاع مستويات المعيشة. فكلاهما يغذي حاجتنا إلى الأرض، وبالتالي يتعدى البشر كل يوم أكثر وأكثر على البيئات الطبيعية. فكل طريق جديد أو منجم جديد أو منطقة من الغابات تزال من أجل الزراعة، تزيد من فرصة احتكاك الناس بالأنواع الحيوانية التي تحمل الفيروسات، وبالتالي احتمالية أعلى لانتشار الأمراض.

ليس هذا فحسب، بل إن مشاركتنا في تقريب الحدود بيننا وبين الحيوانات هو أقرب كثيرًا مما نعتقد. فهذه المناطق البيئية المضطربة نتيجة تعدينا عليها، غالبًا ما تكون على بعد عدة مئات من الأمتار فقط. فأنت تصطاد الحيوانات، والبعض الآخر يجمع الحطب على أطراف الغابات، وربما يرعى بعض البشر الماشية في تلك المناطق، ما يجعلنا ننشئ واجهة مشتركة بين عالم البشر وعالم الحيوانات البرية، وهذا يزيد من معدل الاتصال.

وفقًا لأحد الأبحاث، فإن المناطق المدارية التي تتميز بأنها شديدة التنوع البيولوجي، حيث يتغير استخدام الأراضي بسرعة في كثير من الأحيان، هي بمثابة نقاط ساخنة لنشوء الأمراض الحيوانية المنشأ.

بالنسبة لبعض الأمراض، نعرف بشيء من التفصيل كيف ساعدت أنشطتنا البشرية في حدوثها. أحد أفضل الأمثلة هنا هو فيروس «نيباه». فقد قفز هذا الفيروس من الخفافيش إلى الخنازير ثم البشر في عام 1998، وذلك بعد سنوات من عملية تكثيف تربية الخنازير وإزالة الغابات في ماليزيا مما زاد من التفاعل بين الأنواع الحية المختلفة.

وجدير بالذكر أنه لا يوجد حتى الآن لقاح لفيروس «نيباه»، الذي يقتل ما يصل إلى 75% من الأشخاص الذين يصيبهم بالعدوى!

مثال آخر هو فيروس «هندرا» في أستراليا، حيث ترتبط إزالة الغابات بالخفافيش التي تحمل الفيروس، والذي وصل نتيجة لذلك إلى البشر والخيول.

2- البشر وتغيير النظم البيئية

هذا التفاعل المتزايد للبشر مع الحيوانات الأخرى الذي نشأ نتيجة التوسع في إنشاء المدن والصناعات الاستخراجية هو مجرد جانب واحد من جوانب القصة. هناك عامل آخر، ربما يكون أكثر أهمية، وهو كيف يغير ذلك التعدي البشري تكوين النظم البيئية؟

يقول باحثون إن تدهور البيئات الطبيعية للحيوانات يؤدي إلى ما يصفونه بـ«مناظر طبيعية مريضة». وتشير دراسات إلى أنه بينما يزعج البشر هذه البيئات، فإنهم يغيرون مجتمع الحيوانات بطرق تزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض.

حسنًا، يبدو الكلام معقدًا بعض الشيء، لذلك دعنا نأخذ هذا المثال للتوضيح. سنتحدث هنا عن مرض «لايم»، الذي تحمله حشرة القراد المنتشرة في نصف الكرة الشمالي.

عندما تتدهور الغابات بسبب تدخل البشر، فإن ذلك يدعم وجود عدد أقل من الكائنات الحية كبيرة الحجم (إزالة الغابات يضر الحيوانات الكبيرة أكثر من الصغيرة)، والتي تتميز بقدرتها على إزالة القراد من أجسادها بسهولة. في المقابل، تزدهر الأنواع الصغيرة من الحيوانات والتي تتميز بأنها صديقة للقراد مثل القوارض. المزيد من هذه الحيوانات يعني المزيد من القراد الذي يلدغ البشر، وهو ما يعني المزيد من انتقال مرض «لايم».

بدأ العلماء يحصلون على أدلة دامغة مع مرور الوقت حول كون المناظر الطبيعية المضطربة، مثل المدن، والمزارع التي حلت محل الغابات الطبيعية، بها نسبة أعلى من الأنواع الحاملة للأمراض وأعداد أكبر منها أيضًا. وجد العلماء أن التعرض للبعوض المصاب بالملاريا غالبًا ما يكون أعلى عند حواف الغابات في ماليزيا، حيث يتداخل البعوض والقرود والبشر.

Embed from Getty Images

خطورة تنوع الأنواع الحية في البيئة نفسها هو أنها تسهل وصول الفيروس إلى البشر. كيف؟ من الصعب إلقاء اللوم على أي حيوان أو مجموعة من الحيوانات للإصابة بمرض حيواني المنشأ.

نحن نتهم الخفافيش بنقل كورونا للبشر، على الرغم من أن فيروسات أخرى في الخفافيش مطابقة بنسبة 96% لجينوم SARS-CoV-2، لكنها لم تصل للبشر. في أغلب الأحيان، يكون العامل الممرض قد مر عبر أكثر من حيوان، وتحور في أكثر من حيوان قبل وصوله إلى البشر.

لاحظ أن أحد الأسباب الرئيسية في تكوين هذه البيئات المتنوعة هو الإنسان، الذي أحيانًا ما يجمع هو الأنواع المختلفة، مما يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض. فيروس «سارس» لم ينتقل من الخفافيش للبشر مباشرة، بل انتقل – كأحد الاحتمالات التي اكتشفها الباحثون – عبر حيوان وسيط موجود في أسواق الحيوانات بالصين، وهو حيوان «الزباد المقنع».

هناك خمس مجموعات من الحيوانات هي الأكثر عرضة لنقل الأمراض الحيوانية المنشأ إلى البشر؛ الجرذان، والخفافيش، والقرود، والحيوانات آكلة اللحوم مثل القطط والكلاب، والحيوانات مشقوقة الظلف مثل الأغنام والماعز والأبقار والجمال. على سبيل المثال، كانت الإبل مصدر عدوى فيروس كورونا فيما يسمى «متلازمة الشرق الأوسط التنفسية»، أو MERS، لأول مرة في عام 2012.

3- البشر وتجارة الحيوانات

عملية التجارة ونقل الحيوانات البرية بشكل متزايد عبر مسافات كبيرة أحد الأسباب أيضًا. لذلك فإن التنظيم الأفضل للتجارة الدولية القانونية للحيوانات سيساعد في الحد من مخاطر الأوبئة. فضلًا عن إنشاء اتفاقية عالمية جديدة للتصدي للاتجار غير المشروع. في أعقاب تفشي مرض «سارس»، وضع خبراء الحفاظ على البيئة وخبراء الصحة «مبادئ مانهاتن»، وهي قائمة من 12 توصية لمنع الأوبئة الحيوانية المصدر في المستقبل.

Embed from Getty Images

لكن هؤلاء العلماء كانوا مقتنعين بأن وباء كورونا الحالي كان متوقعًا وحتميًّا إلى حد كبير، بل سيحدث مرة أخرى إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة لتطبيق هذه المبادئ.

كيف نمنع الوباء القادم؟

هناك خطوات عديدة بالتأكيد، لكننا سنركز هنا على ما هو مرتبط بالبيئة وتعدي البشر عليها:

  • نحتاج إلى إعادة التفكير بشكل أساسي في تفاعلاتنا مع الحيوانات، وما نحدثه من تغيير في البيئة الطبيعية الخاصة بها. رد الفعل العنيف ضد الخفافيش الذي أدى إلى إعدامها بعد جائحة كورونا، من شأنه ببساطة إزعاج البيئة وزيادة الطين بلة.
  • الخطوة الإيجابية البسيطة هنا تتمثل في إيقاف عملية إبادة الحيوانات المفترسة التي يمكنها الحد من زيادة أعداد الحيوانات الحاملة للمرض مثل القوارض.
  • نحتاج إلى القيام بعملية استعادة البيئة، بمعنى إنشاء المزيد من المناطق المحمية، والسماح للغابات بالنمو من جديد.
  • يمكن للقرارات التي يتخذها الأفراد في جميع أنحاء العالم أن تلعب دورًا مهمًّا. زحف الناس للمناطق ذات التنوع البيولوجي لتوفير الطلب على السلع في البلدان الغنية، مثل طلب الدول الغنية لزيت النخيل من ماليزيا وإندونيسيا، أو اللحوم من مزارع الماشية في أمريكا الجنوبية يجب أن يكون له حدود. إذ يتخذ المستهلكون قرارات تؤثر في احتمالية حدوث تداعيات مستقبلية.
  • هناك اقتراح بالتحول أكثر نحو النظم الغذائية القائمة على النباتات، خطوة يمكن لكل إنسان القيام والمساهمة بها.

صحة

منذ 11 شهر
من الإنفلونزا إلى كورونا.. لماذا وكيف تتحوَّر الفيروسات؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد