قبل أيام كشفت تسريبات «وثائق باندورا» (Pandora Papers)، وهي نتاج لعمل صحفي استقصائي جمع بين الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، والكثير من الصحف العالمية والصحافيين من دول مختلفة، عن أن عشرات القادة والأثرياء حول العالم، ومن بينهم سياسيون عرب استخدموا الملاذات الضريبية في بنما وجزر العذراء البريطانية وغيرها، لشراء أصول ومشتريات بهدف التهرب الضريبي أو إخفاء ثرواتهم عن الرأي العام في بلادهم.

وشملت قائمة المتورِّطين الذين كشف عنهم التحقيق، سياسيين وزعماء دول تعاني شعوبها من أزمات اقتصادية ومالية خانقة، ففي الوقت الذي ترزح فيه قطاعات واسعة من هذه الشعوب تحت طائلة الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، كانت بعض النخب السياسية والاقتصادية في هذه البلدان تستخدم الملاذات الضريبية لإخفاء ثرواتهم؛ ومن بين هؤلاء جاءت العديد من أسماء الدول العربية مثل المغرب والأردن ولبنان.

الشعب المغربي يئن من الفقر والأميرة تشتري منزلًا بـ11 مليون دولار

لم تغب الأسرة المالكة في المغرب عن تسريبات «باندورا» الصحفية التي كشفت عن مئات الأسماء من القادة والزعماء الذين استخدموا الملاذات الضريبية لإخفاء ثرواتهم، وجاء اسم شقيقة الملك الصغرى «للَّا حسناء» في الوثائق المسرَّبة؛ إذ تمتلك شركة وهمية في جزر العذراء البريطانية اشترت عن طريقها منزلًا فاخرًا سنة 2002 في غرب لندن تبلغ قيمته 11 مليون دولار، قرب قصر كنسينجتون للعائلة المالكة في بريطانيا، وترأس حسناء مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة؛ وتشارك في عدة نشاطات وفعاليات ثقافية حول العالم.

Embed from Getty Images

الأميرة للَّا حسناء شقيقة الملك المغربي محمد السادس

«للَّا حسناء» هي شقيقة الملك الذي يوصف بأنَّه «أغنى ملك في أفريقيا» بثروة تقدِّرها مجلة فوربس بـ5.7 مليارات دولار، ويعدُّ محمد السادس أغنى ملك في أفريقيا بفضل الاستثمارات والأموال الضخمة التي تمتلكها العائلة الحاكمة، أبرزها «الهولدينج الملكي» الذي يضمُّ استثمارات في العديد من القطاعات، لكن «أغنى ملك في أفريقيا» تعاني بلاده من نسب عالية للفقر والبطالة بالإضافة إلى غياب التنمية، خاصة في المناطق الجبلية والريفية.

وقد ساهمت تداعيات كورونا في ارتفاع معدلات الفقر أكثر مما مضى؛ فقد سجَّل الاقتصاد المغربي أعلى ركود اقتصادي خلال 24 سنة بسبب تداعيات الجائحة، بالإضافة إلى الجفاف الذي عرفه الموسم الزراعي، مما أدى إلى ركود الاقتصاد بنسبة 5.2؛ كما أن الإحصاءات الرسمية الصادرة من «المندوبية السامية للتخطيط» عام 2021 تشير إلى تضاعف الفقر سبع مرَّات من نسبة 1.7% إلى 11.7%؛ كما انتقل معدَّل الهشاشة من نسبة 7.3% إلى الضعف، أي حوالي 16.7% خصوصًا في الأرياف.

ويشير البنك الدولي إلى أن قرابة ربع سكان المغرب فقراء أو يواجهون خطر الفقر؛ وتشهد البلاد كذلك تفاوتًا طبقيًّا كبيرًا بين الطبقة العليا والدنيا، فضلًا عن البطالة المستفحلة بين فئات الشباب البالغين ما بين 15 و24 سنة، إذ تبلغ نسب البطالة بينهم 22%، هذا بالإضافة إلى الدين العام الضخم الذي يصل إلى أكثر من 95% من الناتج المحلي.

كينيا الفقيرة ورئيسها الغنيُّ

تسريبات «أوراق باندورا» كشفت عن امتلاك عائلة الرئيس الكيني «أوهورو كينياتا» 13 شركة خارج البلاد، من بينها شركة تصل قيمة أسهمها إلى 30 مليون دولار في بنما وجزر العذراء البريطانية والعديد من الملاذات الضريبية الأخرى.

وأشارت الوثائق إلى أن عائلة الرئيس الكيني أنشأت منظمة باسم والدته «نجينا» سنة 2003 في بنما؛ بصفتها المستفيدة الأولى، ثم يأتي الرئيس في رتبة المستفيد الثاني ليرث هذه الشركة بعد وفاتها، وتُعرف عائلة الرئيس كينياتا بثروتها الطائلة واستثماراتها المنتشرة في العديد من القطاعات، من بينها المواصلات والتأمينات والفنادق، إلى جانب استثمارات زراعية وسياحية وعقارات، وغيرها.

Embed from Getty Images

الرئيس الكيني أوهورو كينياتا متورط في تهريب جزء من ثروته في الملاذات الضريبية

لكن مقابل هذه الثروات الطائلة التي يخفي الرئيس جزءًا كبيرًا منها في الملاذات الضريبية خارج البلاد، تُظهر المؤشرات الاقتصادية للبلاد واقعًا شديد الاختلاف يعيشه سكًّان كينيا الذين يتفشَّى بينهم الجوع والفقر، فقد أشار تقرير لمنظمة «أوكسفام» عام 2017 إلى حجم اللامساواة العميقة التي يعرفها المجتمع الكيني.

إذ يملك 0.1% من السكَّان (نحو 8 آلاف و300 شخص) أكثر مما يمتلكه 99.9% من الطبقة الدنيا، وتشهد كينيا نسب فقر كبيرة تصل إلى نحو 36% ممن يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، حسب إحصاءات للبنك الدولي؛ وكذلك جرى تصنيف كينيا في عام 2020 في المرتبة 86 من بين 117 في مؤشِّر الجوع العالمي، ما يعني وقوعها في مرتبة الخطر.

الإكوادور: أموال الرئيس في «الجنة» وربع السكان في «الفقر»

كشفت تسريبات باندورا عن ارتباط رئيس الإكوادور «جويلرمو لاسو» بصندوقين استثماريين، في الملاذات الضريبية: «داكوتا الجنوبية» و«بنما» و«وديلاوير»، وتشير الوثائق المسرَّبة إلى اتفاق يقضي بأن تحصل زوجة «لاسو» بعد وفاته على مبلغ شهري يقدَّر بـ20 ألف دولار، وأن يحصل أبناؤه على ألفي دولار شهريًّا، ويحصل أخوه على مبلغ 1500 دولار شهريًّا، وفي ردِّه على التسريبات، صرَّح الرئيس الأكوادوري بأنَّه لا يملك أي علاقة بهذه الشركات الأجنبية، وأكَّد أنَّه يمتثل للقانون الإكوادوري الذي يمنع أي مسؤول حكومي من امتلاك حسابات أجنبية.

Embed from Getty Images

رئيس الإكوادور جويلرمو لاسو متورط في تهريب أمواله إلى الملاذات الضريبية

تسريبات باندورا أشارت إلى وجود علاقات بين الرئيس لاسو وثماني شركات خاصة في الملاذات الضريبية في السابق، ولكن جرى حلُّها، فيما يؤكد لاسو أنَّ جميع تعاملاته المالية السابقة متوافقة مع القانون. وفيما تشير الملفات المسرَّبة إلى امتلاك الرئيس ثروات غير مُعلنة، فإن الإحصاءات تشير إلى أن رُبع الشعب يعيش تحت خطِّ الفقر خصوصًا من السكَّان الأصليين وفي المناطق الريفية التي تعرف نسبة فقر تصل إلى 43%.

لبنان.. شعب على شفا الجوع ونخبته تُهرِّب أموالها

لبنان الذي يعاني من أزمة مالية واقتصادية خانقة وصلت حتَّى إلى أن بعض أساسيات العيش لم تعد متوفرة، بالإضافة إلى تداعيات انفجار مرفأ بيروت وما خلَّفه من دمار وبنية تحتية محطَّمة، وخسائر بلغت 8 مليارات دولار على الأقل، جاء في المرتبة الأولى للبلاد التي يمتلك مواطنون منها شركات «أوف شور»، خاصة عن طريق شركة «ترايدنت تراست»، مثلما ظهر في تسريبات «وثائق باندورا».

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي متورط في تهريب أمواله إلى الملاذات الضريبية

وفي حين وعد رئيس الوزراء الحالي، نجيب ميقاتي، اللبنانيين بالعمل على حلِّ الأزمة الاقتصادية العميقة التي يرزح تحت وطأتها البلد؛ وإجراء إصلاحات ضريبية تنوي الحكومة تنفيذها لتعزيز مالية الدولة، ورد اسم ميقاتي نفسه في ملفات باندورا، بصفته واحدًا ممن يمتلكون شركات في الملاذات الضريبية.

هذا بالإضافة إلى رئيس الوزراء الذي سبقه، حسان دياب، الذي كان قد أعلن قبل استقالته العمل على محاربة التهرب الضريبي في لبنان، بالإضافة إلى مئات السياسيين والمصرفيين ورجال الأعمال المقرَّبين من أطراف سياسية فاعلة في البلاد.

وتشير إحصاءات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «إسكوا»، إلى أن نسبة الفقر بلغت 74% في صفوف اللبنانيين، وأن نسبة الأسر المحرومة من الرعاية الصحية ارتفعت إلى 33%، أما نسبة الأسر غير القادرة على الحصول على دواء فقد ارتفعت إلى 50%، واقتربت نسبة البطالة من 40% مع نهاية سنة 2020 حسب دراسة للبنك الدولي وبرنامج الأغذية.

وفي أبريل (نيسان) 2020 حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من جوع يتهدد ملايين اللبنانيين من جراء انتشار فيروس كورونا والقيود المفروضة لمكافحته، داعيةً الحكومة إلى اتخاذ إجراءات سريعة لتقديم مساعدات إلى الأكثر تضررًا، ومع نهاية العام بلغت معدَّلات التضخم أرقامًا قياسية بـ145%، أدَّت إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية من غذاء ودواء بشكل كبير؛ إذ بلغت زيادة سعر كيس الخبز إلى 91.5%، ما معناه رفع سعره من 1500 ليرة إلى 2500 ليرة.

وعلى النقيض من هذا الوضع المأساوي، جاءت وثائق باندورا لتكشف عن أن نخبة لبنان المالية والسياسية والإعلامية لجأت إلى الملاذات الضريبية بأرقام قياسية، وكشفت التسريبات عن وجود 346 شركة لبنانية مسجَّلة في ملاذات ضريبية، وشملت أسماء المتورِّطين إلى جانب رئيسيْ الحكومة السابقين، مستشارًا لرئاسة الجمهورية هو أمل أبو زيد، ومروان خير الدين رئيس مجلس إدارة مصرف لبنان، وأصحاب محطات تلفزيونية مثل تحسين خياط، ومصرفيين آخرين مثل سمير حنا.

الأردن في أزمة والملك يؤسس إمبراطورية عقارية سرًّا

كشفت تسريبات «باندورا» الأخيرة عن وجود أسماء العديد من القادة العرب في وثائق تشير للجوئهم إلى الملاذات الضريبية لإخفاء ثرواتهم وممتلكاتهم، ومن بين أهم الأسماء التي ذكرتها التسريبات اسم الملك الأردني، عبد الله الثاني؛ إذ كشفت عن أنَّ الملك اشترى عقارات فاخرة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تبلغ قيمتها 100 مليون دولار؛ عن طريق استخدام 30 شركة للتهرُّب الضريبي وإخفاء الثروة.

Embed from Getty Images

الملك الأردني عبد الله الثاني

اللافت للنظر هو توقيت شراء هذه العقارات؛ إذ جاءت مباشرة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي سنة 2011، فيما صرَّح الديوان الملكي الأردني بأن الملك موَّل شخصيًّا الممتلكات والنفقات المتعلقة بها، مشيرًا إلى أن المزاعم الواردة في تقارير وثائق باندورا «تضمنت معلومات غير صحيحة وزيفت الحقائق وبالغت فيها».

وفي مقابل هذه الممتلكات الفارهة في أمريكا وبريطانيا، يعيش الأردن أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، زادت من حدَّتها جائحة كورونا، وقد توجهت الحكومة الأردنية للمفارقة في سياق معالجتها للأزمة لانتهاج سياسة رسمية لـ«مكافحة الفساد والتهرب الضريبي داخل البلاد».

وبالإضافة إلى عجز الموازنة البالغ 2.89 مليار دولار، واعتماد المملكة على المنح الخارجية البالغة أكثر من مليار دولار؛ فإن معدَّلات البطالة شهدت ارتفاعًا كبيرًا بلغ 25% بحسب أرقام رسمية، بالإضافة إلى نسب الفقر والفقر المدقع المرتفعة التي تشهدها البلاد، وحسب إحصاءات البنك الدولي فإن هنالك مليون أردني يعيشون تحت خط الفقر؛ فضلًا عن الفقر المدقع المرتفع نسبيًّا في البلاد؛ إذ تبلغ نسبته 15.7% بين المسجلين تحت خط الفقر.

سياسة

منذ 3 سنوات
تعرف على أبرز الحكام والأمراء العرب المذكورين في تسريبات «أوراق الجنة»

المصادر

تحميل المزيد