أخبرني معالجي النفسي بأن شخصيتي من النوع «المخلص المتشكّك». يحارب المخلص من أجل الشعور بالأمان والثقة، في عالم يؤمن بأنّه خطرٌ بطبيعته.

ربّما يفسّر هذا انجذابي، وأنا بعدُ صغيرة، إلى قصص الأطفال التي لا تنتهي بنهايات سعيدة للغاية. ربّما يفسّر هذا أيضًا لِمَ كبُرت لأكتب مثل هذه القصص الآن. أحكي عن شخصيات غير جديرة بالثقة، ترتعب من نواياها هي الداخلية، ونزعاتها للعنف والشر والجهل.

لكن ما لا أفهمه، هو لِمَ أصبحت أمًّا بكامل إرادتي الحرّة، لأجلب طفلين صغيرين إلى بيئة أجدها شديدة العبثية، شديدة القسوة.

أحاول أن أُبقي طفليّ طفلين. أحاول أن أبعدهما عن نظراتي السوداوية وأبقي الأمور جميلة. أحاول، ولكن تأثيري يظهر عليهما برغم كل شيء.

يسألنا هنري ذات ليلة على العشاء: ماذا يوجد «بعد الفضاء؟».

يردّ زوجي: «هذا سؤال جميل. لا أحد يعرف يقينًا».

يردّ هنري: «أنا أعرف. إنه اللا شيء، مثل ورقة سوداء قاتمة».

أقرأ لطفليّ القصص ليلًا، مثل «هانسل وجريتل»، و«سنوهوايت». في هذي القصص، يُترك أطفالٌ وحدهم في عالم وحشي، لا يتلقون أي قدر من التعاطف، يتدبرون أمرهم بأنفسهم. ينمو داخل ابني خوفٌ من الذئاب، بينما ترتعب ابنتي من الهياكل العظمية. أريد أن أخبرهما بأن النّاس أكثر إثارة للخوف من الذئاب، بأنّ كلّنا يحمل هيكلًا عظميًا تحت مظهره البريء. أريدُ، ولكنني أعقل من أن أفعل شيئًا كهذا. ربما يجب أن أتركهما ليشعرا بما يريدان، ويخافا ممّا يخافان. أضمّهما إلى صدري وأقبّل رأسيهما. أخبرهما أنني سأبقيهما آمنين دومًا.

عندما تم تشخيصي بالتصلّب العصبي المتعدد، أخفينا الخبر عن الولدين. وصف لي الطبيب حقنة يوميًا من دواء يسمّى كوباكسون، أحقنه إلى جسدي بجهاز مكتنز، «الأوتوجكت». في المساء، أحضر الأوتوجكت، والقطن، ومسحات المطهّر، والإبرة وحاوية الإبَر المستعملة، أخفيها في غرفة النوم. أختبئ هناك لأحضّر الجرعة. يغسل زوجي أسنان الطفلين، يلبسهما ثياب النوم، يصارعها طلبًا للإلهاء. أستمع إلى ضحكاتهم المبهجة بينما أمسح مكان الحقنة، وأسجّلها في الدفتر.

ذات ليلة سمعت هنري يسأل: «أين أمي؟» ليندفع في الثانية التالية إلى داخل الغرفة، في ذات اللحظة التي أضغط فيها على زر الأوتوجكت. الجرعة في الذراع اليوم. تتسع عينا هنري سامعًا الإبرة تنطلق لتشتبك مع لحمي البائس. هسيس خافت يعلن أن الدواء بدأ ينتشر في دهون العضد.

«أواه يا أمي! هل تؤلمك؟».

«لا».

لا تؤلمني فعلًا، ليس بعد. يأتي الألم بعد دقيقة تقريبًا، بعد أن يكون الدواء قد أخذ حظه من التوغّل. يبقى الألم لبضع دقائق، ويمكن القول إنه ممتع بدرجة ما. ألم هادئ أغوص فيه بسلام، لا كألم الأعصاب الحاد المفاجئ، غير واضح المصدر، الذي هو جزء دائم من معاناتي مع التصلب.

يدخل زوجي إلى الغرفة، حاملًا طفلتي الصغيرة. يقول: «أليست ماما شجاعة؟ إنها تفعل هذا كل ليلة. أليست قويّة؟».

يومئ هنري برأسه إيجابًا، ثمّ يعود إلى اللعب مسرعًا وقد انطفأ فضوله.

أدرك الآن أنّه من الغباء أن أخفي شيئًا مثل هذا عنهم. الحقن، التصلّب، الألم، كلّها أجزاء أصيلة من حياتي اليومية – حياتنا اليومية. وإخفاء الأشياء يعطيها معنىً أكبر ممّا هي عليه، يجعلها أكثر رعبًا وخيفة.

لكن هنري يبدأ في السؤال: «هل أبي مصاب أيضًا؟ هل سأصاب أنا بالمرض؟ هل ستصاب أختي؟ لماذا أصبتي بالمرض يا أمّي؟».

بعض هذه الأسئلة أجيبه «بـلا» قاطعة. بعضها لا أستطيع إجابته بضمير مستريح. بعضها لا أستطيع إجابته على الإطلاق. أتخبّط في الإجابة بأفضل ما أستطيع.

أشعر بالقلق مما سيؤول إليه الحال بعد خمسة أو عشرة أعوام. هل سأظل أمًّا جيّدة؟ هل سأتمكن من إغلاق أزرار معاطفهما، تمشيط شعرهما، التزلّج معهما، أو حتّى الأكل أمامهما دون أن أسبّب الإحراج؟

أتذكّر قصة الفتاة «مقطوعة اليدين». تسمح الفتاة لأبيها طواعية بأن يقطع يديها، فقط لتنقذه من الشيطان. لن أقرأ مثل هذه القصة لأطفالي، ولكنهما قد يكتشفانها وحدهما على أيّة حال.

ألحظ الارتعاش الخافت في أصابعي. أتعلّم أن أشعر بالامتنان لأنه ما زال خافتًا.

إن كان هناك ناحية جميلة في أن يتمتّع المرء بنظرة سوداوية، فهو أنه يفهم جيدًا كم كان يمكن للأمور أن تصير أسوأ بكثير، ومن ثمّ يمتنّ على الفور لأي خير في حياته. هناك الكثير من المآسي تقع الآن بينما تقرأون هذا: ينقلب الناس على بعضهم البعض، يؤذون بعضهم البعض، يجوعون حتى الموت، يحرّكهم الطمع والجشع. يبدو هذا التمرّد الصغير من جسدي تافهًا بالمقارنة، مداعبة صغيرة من يد القدر.

أجمع طفليّ مساءً، أحتضن كلًا منهما بذراع، منكمشين أمام كتبنا كأنها نار تمنحنا الدفء. نجوب العالم، هذا المكان المريع، الذي يحمل الكثير من الشرور. لكنّه يحمل أيضًا مكانًا للشجعان، ولهؤلاء الذين يحبّون بحرارة، وصدق.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد