تسبب وباء كورونا في إجبار ملايين الناس حول العالم على البقاء في منازلهم لأيام طويلة. من هنا بدأ هؤلاء يبحثون عن تلك الأنشطة الداخلية من أجل تمضية هذه الأوقات القاسية خلال الحظر والإغلاق الذي شهدته – ولم تزل – عدة دول حول العالم. أبرز هذه الأنشطة كان مجال الألعاب الإلكترونية؛ إذ شهدت صناعة ألعاب الفيديو إنفاقًا وأرباحًا قياسية في عام 2020.

لا يتعلق ممارسة الألعاب الإلكترونية بتمضية الوقت فقط، بل امتدت أهمية هذه الممارسة إلى كونها وسيلة مناسبة للتفاعل مع أشخاص آخرين، وهو أمر كان بالنسبة للبعض ضروريًا للتواصل الاجتماعي في زمن كورونا، لكن الأمر الأهم هو إمكانية أن تتحول هذه الألعاب الإلكترونية إلى وسيلة لترابط أفراد الأسرة الواحدة سويًا. من هنا وبالرغم من معرفتنا بوجود بعض العيوب لكثرة ممارستها، فإن المختصين يشجعون الآباء على ممارسة الألعاب الإلكترونية مع أبنائهم، بدلًا عن منعهم. لهذا فوائد متعددة مهمة.

نشاط اجتماعي مهم

خلال جائحة كورونا بدأ الكثيرون يسلطون الضوء على الأهمية الحيوية للألعاب الرقمية لتواصلهم الاجتماعي. إذ يمكن أن توفر الألعاب الإلكترونية ما يشبه المنتدى لمجموعة متنوعة من الأشخاص للالتقاء عبر الإنترنت. هذا بالطبع مهم بشكل خاص الآن في ظل ظروف الحظر بسبب كورونا. كيف هذا؟

تشجع الألعاب الإلكترونية على خلق أشكال مختلفة من عمليات المشاركة في نشاط جماعي. عندما تجتمع مجموعة من الأشخاص عبر الإنترنت لممارسة الألعاب الإلكترونية، قد يكون بعض هؤلاء يراقبون ما يقوم به أصدقائهم، ويشاهدون اللعبة ببساطة. بينما يعلق الآخرون ويطرحون الأسئلة كتابيًا أو صوتيًا. وبالطبع هناك البقية التي تلعب وتنشط وسط عمليات التشجيع من الآخرين. هذه الديناميكية هي بالضبط ما كان يحدث عندما يجتمع هؤلاء في منزل أحدهم لممارسة الألعاب الإلكترونية.

السؤال هنا: ما الرابط بين هذا الأمر وبين أهمية مشاركة الآباء لأبنائهم في اللعب؟ حسنًا الإجابة بسيطة. نحن نبحث عن تجمعات ومنتديات الأصدقاء عبر الإنترنت خلال ممارسة هذه الألعاب من أجل تعويض التواصل الاجتماعي المادي لتجمع الأصدقاء الذي نفتقده في زمن كورونا، لكن ماذا لو قمنا بجلب هذه المجموعة إلى المنزل رغم الحظر. هذا هو ما يمكن أن يقوم به الأبوان مع أبنائهم عبر مشاركتهم اللعب.

فوائد مشاركة الآباء في الألعاب الإلكترونية

هناك عدة فوائد تعود على الأبناء والآباء والعائلة ككل من هذه المشاركة. لا تحكم بعقلية مسبقة على أن الألعاب الإلكترونية ليست ذات فائدة، أو أنها لا تقدم إلا ما هو سلبي للأطفال. هذه بعض الأمثلة:

1- زيادة دائرة التعاون

يمكن للعائلات استخدام الألعاب الإلكترونية لإنشاء ما نطلق عليه «مساعي تعاونية» داخل المنزل، حيث يشارك كل فرد من أفراد الأسرة بطريقته الخاصة. تخيل معي وجود أسرة من أربعة أفراد، تقوم باللعب سويًا. بالطبع سيقوم اثنان منهما باللعب، فيما يقف الشخصان الآخران موقف التشجيع.

ترفيه

منذ 6 شهور
الشطرنج والدومينو والورق.. من أين جاءت أشهر الألعاب المنزلية؟

في الواقع فإن كل شخص هنا سيقوم بأداء دور ما ضمن دائرة من التعاون المشترك. بشكل تلقائي سنجد أن كل شخص من المتفرجين سيميل إلى أحد اللاعبين، وسيقوم بإعطائه نصائح حول الوسيلة الأكثر ضمانة لتحقيق الربح. هذا الأمر سيخلق روحًا تنافسية وتعاونية جيدة بين أفراد الأسرة.

2- اكتساب مهارات حل المشاكل

لا يحتاج الطفل إلى ممارسة اللعبة من أجل تطوير مهارات معينة عنده مثل مهارات حل المشكلات والتواصل والاستدلال المكاني. إذا كان الأب يلعب مع ابنه الكبير، بينما الأم والطفل الأصغر يراقبان. في الواقع، فإن مراقبة الطفل الأصغر وعدم مشاركته في اللعب لا يعني أنه لا يستفيد أو لا يطور مهارات معينة.

إذ تعتبر المراقبة والملاحظة خطوة أولى حاسمة لتعلم كيفية المشاركة الكاملة في أي نشاط، والألعاب الرقمية ليست استثناء. في هذا الإطار يوضح المختصون أن الأطفال الذين يبدون وكأنهم يراقبون لعبة ما يضعون الإستراتيجيات ويفترضون أو يطرحون الأسئلة ومن بينها سؤال «ماذا لو»؟

المثال الواضح هنا يمكن أن يكون لعبة «Minecraft»، وهي لعبة يقوم فيها اللاعبون ببناء حاويات وسياجات واقية ضد هجمات الوحوش، وهي لعبة تشجع على حل المشكلات بشكل تعاوني سواء شخصيًا أو عبر الإنترنت. لعب هذه اللعبة مع لاعب آخر يعني امتلاك المزيد من الموارد للبناء والمزيد من الإستراتيجيات لتوظيفها؛ لأن اللاعبين المختلفين يجلبون خبرات مختلفة.

3- محادثات هادفة

يمكن أن تساعد مشاركة الآباء لأبنائهم في اللعب على فهم الطريقة التي ينظر بها الأطفال للمجتمع من حولهم، وتغيير أي نظرات سلبية. إذا كانت الأسرة تلعب لعبة مثل Super Mario، فيمكن خلال اللعبة أن يوضح الأبوان السبب الذي يجعل شخصية ماريو تخوض كل هذه المصاعب والعقبات من أجل إنقاذ الأميرة. أو توضيح لماذا يتم تصوير النساء على أنهم أميرات. في ألعاب أخرى تعطي الوحوش اللون الأسود، يمكن أن يوضح أن الوحش هو وحش ليس لأنه أسود، ولكن لأنه الشرير، وبالتالي ليس كل شخص أسود هو شرير. إن تجاهل هذه الإشكاليات عند الأطفال يؤدي إلى زيادة التمييز الجنسي والعنصرية في العالم الحقيقي.

4- فهم أفضل

قد يكون لدى الآباء الذين يلعبون ألعاب الفيديو مع أطفالهم فهم أفضل لكيفية تأثير هذه الألعاب على الأطفال، وفقًا لإحدى الدراسات. يأتي هذا في وقت لم تزل في ألعاب الفيديو تثير الجدل بخصوص تأثيرها على الأطفال. فقد أكد تقرير فريق عمل الجمعية الأمريكية لعلم النفس لعام 2015 وجود صلة بين ألعاب الفيديو العنيفة والعدوان، على سبيل المثال. وفي المقابل تقوض بعض الدراسات هذا الادعاء كونها لم تجد أي ارتباط بين ألعاب الفيديو والعنف.

قد تؤثر ألعاب الفيديو أيضًا على الصحة العقلية للأطفال. وجدت دراسة أجريت عام 2016 ارتباطًا طفيفًا بين ممارسة ألعاب الفيديو، والاكتئاب، ومشكلات السلوك. بالنسبة للآباء الذين يلعبون ألعاب الفيديو مع أطفالهم، هم أكثر عرضة للحصول على رؤية دقيقة حول فوائد وعيوب تلك الألعاب التي يمارسها أطفالهم. هذا يمنح الآباء فرصة جيدة لتقديم النصائح لأبنائهم ومتابعة سلوكياتهم وربطها بنوعية الألعاب التي يمارسونها.

في بعض تلك الألعاب الخاصة بإطلاق النار على الكائنات الفضائية مع عدم إصابة البشر مثل لعبة «Halo». ربما تكون هذه فرصة مناسبة لاستكشاف ما يدور في نفسية وعقلية الطفل. يمكن أن يفكر الأبوان فيما يمثله الفضائيون في حياة الطفل؟ القلق والإحباط والغضب وما إلى ذلك. هنا تأتي الفرصة المواتية لسؤال الأطفال عما يحدث خلال حياتهم في تجاربهم العاطفية الخاصة.

الخلاصة هنا: يوفر لعب الآباء مع الأطفال طرقًا لا حصر لها لإدخال «لحظة التعليم والتربية» الخاصة بهم بشكل غير مباشر، ودون أن يشعر الطفل بأنها لحظة تربية مباشرة، أو لحظة النصائح المملة من الوالدين.

5- الكثير من المرح

أحيانًا لا نحتاج إلى سبب عميق ليمارس الآباء الألعاب الإلكترونية مع أطفالهم. يكفي أن يكون السبب قضاء بعض المرح والوقت المميز. ما الذي يحتاج إليه الآباء للتقارب مع أبنائهم أكثر من بعض الضحك، والصراخ، والعناق، والقفز سعادة، والكثير من المرح؟ هذا ببساطة ما توفره مشاركة اللعب سويًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد