بعد أن أثار الزعيم الألماني أدولف هتلر الجدل خلال حُكمه ألمانيا في أربعينات القرن الماضي وارتكابه لجرائم بشعة، لا يزال هتلر يُثير الجدل حتى بعد موته؛ إذ إنّ اسمه أصبح في كثير من الأحيان يُستخدم من أجل بعث رسائل سياسيّة في عدّة أنحاء في العالم.

في أكتوبر (تشرين الثاني) من سنة 2012 صنعت الحدث قضيةُ إحالة رئيس هيئة الرقابة الإدارية الأسبق اللواء هتلر طنطاوي إلى التحقيق بتهمة الكسب غير المشروع.

في قضية الرجل المولود عام 1941 في محافظة دمياط، استوقف المتابعين شيء آخر غير القضيّة نفسها: إنّه اسم «هتلر»، وهنا وجد كبار السنّ المصريون الذين عاصروا هذه الفترة مُتعة في رواية الإرث التاريخي الذي دفع المصريين الذين رزقوا بأطفال في هذه الفترة نحو قرار إطلاق اسم «هتلر» على أبنائهم نكاية في الاستعمار الإنجليزي لمصر.

ولم يكن المصريّون وحدهم الذين اتّجهوا إلى تسمية أبنائهم بـ«هتلر» في تلك المرحلة التاريخيّة؛ إذ إنّ هذه الظاهرة تستمرّ إلى يومنا هذا لأسباب مختلفة. في التقرير التالي نتطرّق إلى قصص المولودين بهذا الأسباب والدوافع وخلفيّات اختيار هذا الاسم الذي أصبح أقرب إلى «الجريمة» في كثير من البلدان الغربيّة.

اسم «هتلر».. نكاية في إسرائيل

يجذبك إذا ما سِرت في شارع الرِمال، أحد أهمّ شوارع غزّة المدينة، محلٌّ تجاريّ سُمّي «هتلر»، تصطف أمامه مانيكان تعرض ملابس الرجال متعددة الأذواق، أحد الشبان المتسوقين قال عن المحل: «أحببتُه؛ لأنه أشدّ الناس عداءً لليهود، لقد أعجبتني الملابس والاسم».

Embed from Getty Images

هتلر أبو حماد

لم تتوقف حكاية الفلسطينيين مع اسم هتلر عند هذا المحل التجاري، فإذا ما زُرت مدرسة الخليل الأساسية في الضفّة الغربية، وتحديدًا مكتب نائب المدير، فإنك ستجد لافتة التعريف لهذا النائب تحمل اسم «هتلر أبوحماد»، الكل يعلم أن أبوحماد لا يحبّ هتلر ولا يقبل تاريخه، وهو موقف مخالف لموقف والده الذي أطلق عليه هذا الاسم عندما ولد في عام 1976 نكاية في الاحتلال الإسرائيلي، يقول هتلر: «أنا أكره ما فعله، أنا ضد القتل والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان، لكنّي اعتدت على اسمي، وهو جزء من شخصيتي»، ويقول عن والده: «أعطاني والدي الاسم لإثارة الاحتلال، لم يكن سياسيًا، لقد كان رجلًا بسيطًا، لقد أراد أن يجعل الاحتلال يفكر في اسمي».

بالطبع كان اسم الرجل الذي يعيش في الخليل أكثر مناطق الضفّة الغربية احتكاكًا مع الاحتلال سيعرّضه لاعتداءات من جنود الاحتلال؛ وذلك لمجرد أن اسمه «هتلر»، ناهيك عن هذه المشاكل التي ستزيد عند نقاط التفتيش الإسرائيلية عندما كان يُسأل عن اسمه؛ ففي إحدى هذه المرات تعرض للضّرب حتى كسر أنفه من ضابط إسرائيلي، يقول عن هذه الحادثة: «كان عمري 15 عامًا، وكُنّا نسكن في الخليل القديمة عندما اعترضني ضابط إسرائيلي سألني عن اسمي، قلت له: هتلر. فقال لي: أنت مُجرم، ونادى على جنوده الذين أشبعوني ضربًا في كل مكان، أما هو فضربني بأعقاب البندقية على وجهي وحطم غضروف الأنف الذي لا يمكن إصلاحه»، كما يُحرم هتلر من منحه تصاريح للدراسة أو العمل خارج الأراضي الفلسطينية.

لذات الأسباب التي حثت والد هتلر الفلسطيني على اختيار هذا الاسم، أوشك جزائري في مقيم بفرنسا عام 2009 على تسمية ابنه «هتلر»؛ فقد ذهب الرجل إلى القنصلية الجزائرية بفرنسا وأخبرهم بأنه يريد إطلاق اسم «هتلر» على مولوده الجديد، ولم يعدّل الرجل عن الاسم، إلا بعد إصرار موظّفي القنصلية على حثه على التراجع، ونقل عن مصادر إعلامية جزائرية القول: «الرجل كان يريد تسمية ابنه هتلر نكاية في اليهود، بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة بفلسطين، إذ يمقت اليهود هتلر لاعتقادهم أنّه أعدم الملايين منهم خلال الحرب العالمية الثانية بسبب اختلافات إيديولوجية».

النازيّون الجُدد.. صراع في المحاكم الأمريكيّة من أجل اسم «هتلر»

في أحد أيّام 2008 ذهب مواطن أمريكي يدعى إيزيدور هيث كامبل إلى أحد المراكز التجارية في مدينة نيوجيرسي في الولايات المتحدة ليشتري كعكة عيد ميلاد لأحد أبنائه التسعة، وبالفعل جهّز له عامل المتجر قالب الكعكة، ثم سأل الأب عن اسم الطفل الذي يريد كتابته على القالب، فرد الأب: أدولف هتلر، ليتدارك العامل صدمته، ثم يعتذر للأب عن كتابة هذا الاسم.

أثارت هذه القضية ضجة، تبعها قرار للحكومة الأمريكية بإيداع أبناء الرجل في مركز حماية تابعة لها؛ لأنهم يعانون من إعاقات جسدية ونفسية غير محدّدة، وبرّرت الحكومة قرارها بأن الوالدين ليسا على قدر حماية الأطفال من الأذى، وأنهما أخفقا في الاعتراف بإعاقاتهم ومعالجتها، وليس لأن أحدهم يحمل اسم هتلر كما قال كامبل، كما أنه في أغسطس (آب) 2010، وحين بلغ أدولف هتلر كامبل الخامسة من العُمر، قضت محكمة استئناف أمريكية بأن والديّ الطفل قد أعطياه اسما مستوحى من النازية، كما ركنت لجنة الاستئناف لما أثبته عاملون في المجال الاجتماعي بأن الأطفال في حاجة إلى خدمات حماية.

الضجّة السابقة تبعها حدث آخر في العام 2013، حين وصل كامبل في إطار التقاضي حول احتجاز أطفاله إلى المحكمة وهو يرتدي الزي النازي، وقد أطلق شاربًا مشذّبًا مثل الزعيم الألماني، وعادت قضية الرجل إلى الظهور في الإعلام الأمريكي عام 2014 حين ظهر كامبل في فيلم وثائقي قصير بعنوان «ندعوكم للقاء أتباع هتلر»، وقد كان هدف الفيلم هو «التعريف بالأشخاص الذين اختاروا أن يُطلقوا على أنفسهم اسم الديكتاتور النازي السابق، ويواصلوا حمل شعلته وبث أفكاره».

أما آخر فصول معركة كامبل مع اسم هتلر، فهي تمكّنه في آذار (مارس) 2018 من انتزاع حُكم قضائي بحمل اسم «هتلر» لنفسه؛ إذ سمح له باعتباره مواطنًا أمريكيًا بتغيير اسمه إلى اسم الزعيم الألماني، وقال كامبل عن هذا الحُكم: «إنّ هذا الأمر لشيء عظيم حقًا؛ فقد جرى تعديل رخصة القيادة وبطاقة التأمين خاصتي، فضلًا عن بطاقة هويتي، لقد قد تمّ بالفعل تغيير كل الوثائق الرسمية التي قد أحتاج إليها، لقد أصبحت هتلر الجديد».

وقال كامبل: «إن هتلر كان بطلًا لأنه خلافًا لحكومة الولايات المتحدة أنقذ ألمانيا، وأنشأ الاقتصاد في ألمانيا، وبنى الطرق في ألمانيا، وأعطاهم وظائف أكثر في ألمانيا».

«هتلر» يفوز برئاسة بلدية مدينة يونغار في البيرو

«عودة هتلر» و«هتلر مع الناس»، هذه كانت اللافتات الانتخابية التي شاهدها سكّان مدينة يونغار في البيرو في شهر سبتمبر (أيلول) 2018، خلال معركة انتخابية شرسة خاضها المواطن «هتلر ألبا سانشز» لترشح لرئاسة بلدية مدينة يونغار أمام خصمه «لينين فلاديمير» و«رودريغز فالفيردي»، الذيْن استغلا اسم هتلر ليُطالبا بإزاحته من أجل إفساح المجال لمرشح من توجّه سياسي آخر.

هتلر ألبا سانشز

هذه القضية احتلت عناوين صحف دولية اهتمت بالحملة الانتخابية تحت شعار «هتلر الجيد»، وفيها اضطر ألبا سانشز للرد والقول إنّه يرفض أفعال الدكتاتور النازي أدولف هتلر، وأنّه «يريد الإشراف على حكومة عادلة وشفافة في يونغار»، وهي بلدة زراعية في جبال الأنديز الوسطى في بيرو، وصرح أيضًا لوسائل إعلام محلية: «لقد سمّاني والدي لأنّ وقع الاسم له بُعد دولي، لكنه كان يجهل تمامًا تاريخ هتلر»، وأضاف: «أنا حقًا ليس لديّ أي اعتراض على اسم هتلر، إنه مثل أي اسم آخر بالنسبة لي، يبدو الأمر كما لو كان اسمي خوان أو لوكاس أو سيباستيان».

وكان ألبا سانشز يمثل في هذه الانتخابات أحد الأحزاب اليمينيّة، وهو حزب «نحن البيرو»، وسبق أن شغل منصب رئيس بلدية يونغار بين عامي 2011 و2014، وبالفعل فاز ألبا في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2018 على منافسه؛ إذ حصل على 47.7٪ من الأصوات.

في بريطانيا.. النازيّون الجدد يسمّون أبناءهم باسم مَثَلهم الأعلى

أدانت قبل أيّام محكمة برمنغهام البريطانية مواطنين بريطانيين لانتمائهم إلى «منظّمة العمل الوطني» اليمينية المتطرفة، والمحظورة في بريطانيا منذ العام 2016.

المصدر – التليجراف البريطانية

وفي تفاصيل القضية، كان أغرب ما أُثير هو الكشف عن قيام زوجيْن من المجموعة، هما آدم توماس (22 عامًا)، وزوجته كلوديا باتاتاس (38 عامًا)، بتسمية طفلها حديث الولادة «أدولف»؛ لإعجابهما بالزعيم الألماني هتلر، ولم يكتفيا بالتسمية فقط، بل علّما ابنتهما الأُخرى إلقاء التحية النازية.

وبمجرّد جولة صغيرة في منزل الزوجيْن، يظهر مدى إعجابهما بهتلر، فالمنزل يحتوي على وسائد مغطاة بالصليب المعقوف، وهناك أيضًا سواطير وسكاكين بالقرب من سرير أطفال، وقواطع للمُعجّنات على شكل صليب معقوف.

ظهرت كذلك صور للزوجيْن وهما يحملان ابنهما مع إشارة صليب معقوف عليه، وفي صورة كان الابن يرتدي رداءًا أبيض لمجموعة «KKK» (جماعات تؤمن بتفوق الجنس الأبيض)، وكشفت الشرطة كذلك عن رسائل متبادلة تمدح هتلر.

ونقل عن قائد الشرطة المحليّة قوله أن المجموعة «جمعت أسلحة وبحثت في كيفية صنع المتفجرات، فهؤلاء الأفراد لم يكونوا مجرد فانتازيين عنصريين، نحن نعرف الآن أنّهم كانوا مجموعة خطرة ومنظمة بشكل جيد»، وتابع القول لـ«رويترز»: «كان هدفهم نشر أيديولوجية النازيين الجدد من خلال إثارة حرب عرقية في المملكة المتحدة، وأمضوا سنوات في اكتساب المهارات اللازمة لتنفيذ ذلك».

المصادر

تحميل المزيد