لم تكن حرب التحرير الجزائرية (1954- 1962م) ضد الاستعمار الفرنسي مقتصرة على الداخل الجزائري فقط، بل إن جذور الحركة الوطنية التي تطوَّرت فيما بعد إلى أن وصلت إلى لحظة الثورة قد نشأت في العاصمة الفرنسية باريس، في صفوف العمَّال المتأثرين بالحركة اليسارية وداخل الحزب الشيوعي، ومن هناك نشأ حزب شمال أفريقيا، وسطع نجم المناضل الملقَّب بأبي الحركة الوطنية الجزائري مصالي الحاج.

بعد اندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954م، سعت «جبهة التحرير الوطني» إلى نقل المعركة إلى الداخل الفرنسي من أجل زيادة الضغط على فرنسا، وتخفيفه على الداخل؛ ولذلك فكَّر القيادي في «جبهة التحرير»، محمد بوضياف، في إنشاء فيدرالية لـ«جبهة التحرير» في فرنسا.

بدأت فكرة إنشاء فيدرالية للجبهة في فرنسا عند القيادي محمد بوضياف، الذي أراد كبح هيمنة المصاليين على العمَّال الجزائريين وتجنيدهم داخل الجبهة الجديدة، فقسَّم التراب الفرنسي إلى أربع ولايات، وعيَّن على رأس كل ولاية فريقًا يشرف على الدعاية والتجنيد والتحضير للأعمال العسكرية بها. وقد بلغ عدد المنخرطين في الفيدرالية سنة 1956م؛ أي بعد سنتين من اندلاع الثورة، 15 ألف شخص. وقد أنشأت الفيدرالية في عهد قائدها عمر بوداود، جناحًا عسكريًّا لها يُسمى بـ«المنظمة الخاصة»، وذلك بين سنتي 1956 و1957م، وكانت مكلَّفة بنقل المعركة المسلحة إلى الداخل الفرنسي.

Embed from Getty Images

احتجاجات في باريس تطالب بالتفاوض مع الحكومة الجزائرية المؤقتة (1961)

كانت سنة 1958م فارقة وعصيبة في مسار الثورة الجزائرية، فبعد إحكام الاستعمار الفرنسي قبضته على الحدود بين الجزائر وكلٍّ من تونس والمغرب، أصبح تدفُّق السلاح والمؤونة نحو الداخل شديد الصعوبة، وعانى مقاتلو «جبهة التحرير الجزائرية» من هذا النقص الفادح.

من جهة أخرى، وقعت مواجهات بين الأطراف الجزائرية نفسها ممثلة في القتال بين «جبهة التحرير» و«الحركة الوطنية الجزائرية» بقيادة مصالي الحاج. في المقابل، وجدت القيادة الشابة والمجهولة لـ«جبهة التحرير الوطني» تحدِّيًا كبيرًا في بعث نشاطها داخل العاصمة الفرنسية، بين صفوف المهاجرين والعمَّال الجزائريين؛ إذ كان هؤلاء يدينون بالولاء المطلق للشخصية الرمز مصالي الحاج، الذي يمتلك رمزية وطنية وثورية واعترافًا شبه حصري في الداخل والخارج، بينما كان هذا الأخير وحركته في نزاع دموي مع «جبهة التحرير الوطني»، وقد تطلَّب إقناع المهاجرين الجزائريين مجهودًا كبيرًا من أجل إلحاقهم بالثورة.

اغتيالات في قلب باريس.. «جبهة التحرير» تنقل المعركة إلى فرنسا

بالعودة إلى أرشيف جريدة «لوموند» الفرنسية إلى سنوات نشاط الفيدرالية، يمكننا أخذ نظرة إلى حجم نشاطها في الداخل الفرنسي، وكيف استطاعت أن تصبح ورقة صعبة في الصراع بين جبهة التحرير والسلطات الفرنسية.

لقد كان المجهود الرئيسي لفيدرالية «جبهة التحرير» في فرنسا، ينصبُّ في نقل فكرة الثورة إلى صفوف المهاجرين، بالإضافة إلى جمع الأموال والدعم إلى المجاهدين في الداخل، وربط الاتصال مع المتعاونين الفرنسيين من اليسار؛ لكن المهمة التي وجدت الفيدرالية نفسها مجبرة على التورط فيها؛ هي مقاتلة المصاليين، وهم أتباع الزعيم الوطني مصالي الحاج، الذين رفضوا الانضمام إلى الثورة وأصرُّوا على التمسك بمصالي الحاج، الذي كان رافضًا لاندلاع الثورة حينها، وكان يرى في قيادة «جبهة التحرير» خارجين عن طاعته.

وقد تطوَّرت هذه الخلافات بين رفقاء الأمس، حتى صارت مواجهات دموية مفتوحة حدثت بسببها عشرات الاغتيالات بالخصوص في الداخل الفرنسي، وذلك لأن قيادات المصاليين كانت متمركزة في الخارج، كما كان يحظى مصالي الحاج بمكانة مقدسة في نفوس المهاجرين؛ نظرًا إلى تاريخه النضالي.

Embed from Getty Images

وقد أجرت فيدرالية «جبهة التحرير» في فرنسا العديد من محاولات الاغتيال التي استهدفت كبار القادة الاستعماريِّين، من بينهم الجنرال ماسو، الذي قاد معركة الجزائر في أزقة القصبة، وتنسب إليه العديد من المجازر المرتكبة ضد الشعب الجزائري، بالإضافة إلى محاولة اغتيال ضد حاكم الجزائر السابق، جاك سوستال، وأحد أشدِّ المتعصِّبين لفكرة الجزائر الفرنسية، لكنه نجا من هذه العملية، وأُلقِيَ القبض على مرتكبيها؛ كذلك استهدفت المنظمة عددًا من «الحركى»، وهم الجزائريون المتعاونون مع السلطات الاستعمارية وجرى اغتيال العشرات منهم.

ولعل أشهر عملية وأكثرها إثارة للصدى في الإعلام وعلى المستوى السياسي؛ كان الاغتيال الذي استهدف العميل الحركي، علي شكال، وهو أحد المتعاونين الجزائريين مع الاستعمار الفرنسي وأكثر خادميه وفاءً، إذ جرى اغتياله في 26 مايو (أيار) سنة 1957م، وكان جالسًا آنذاك بجانب رئيس الجمهورية الفرنسي، ريني كوتيه، مما يدلِّل على دقَّة عمل المنظمة الخاصة وكفاءتها باستطاعتها اختراق الأمن الفرنسي ووصولها إلى محيط الرئيس الفرنسي نفسه، وقد نفذ العملية المجاهد محمد بن صدوق.

وشكَّلت ضربات يوم 25 أغسطس (آب) سنة 1958م نقطة فارقة في مسار الأحداث، إذ كانت إعلانًا قويًّا بأن المعركة انتقلت بالفعل إلى الداخل الفرنسي، وذلك بعد أن استهدف عناصر «جبهة التحرير» مصانع للذخيرة ومحافظات للشرطة ومراكز صناعية؛ وقد أدى نجاح هذه العمليات المسلحة وصداها الإعلامي والسياسي إلى انضمام العديد من عناصر المصاليين إلى «جبهة التحرير».

«هنا أُغرق الجزائريون»

في خريف سنة 1961م كثفت «جبهة التحرير الوطني» من هجماتها المسلحة في الداخل الفرنسي؛ إذ أطلقت 33 هجومًا مسلحًا وقتلت 13 شرطيًّا، وهو ما أدى إلى ارتباك شديد في صفوف الشرطة الفرنسية، بالإضافة إلى عاصفة سياسية على الجنرال شارل ديجول، الذي كان متمسكًا بمبدأ تقرير المصير فيما يخص القضية الجزائرية، وسط رفض شديد لدى القيادات الأمنية والعسكرية.

وردًّا على هذا النشاط العسكري للجبهة، جرى تعيين موريس بابون على رأس الشرطة في العاصمة باريس، وهو الذي كان مسؤولًا أمنيًّا في منطقة قسنطينة قبلها، وقد عرف بأساليبه الدموية في التعامل مع احتجاجات السكان الجزائريين، وقد شكَّلت مناطق العشوائيات التي كان يعيش فيها المهاجرون والعمَّال الجزائريون خزَّانًا بشريًّا لـ«جبهة التحرير» من أجل تجنيد الأتباع وضمهم إلى صفوف «الجبهة»، مما دعا السلطات الفرنسية إلى التضييق على هذه العشوائيات والبدء في حملات لإزالتها.

Embed from Getty Images

من أجل التصدي لهذا الارتفاع الكبير في وتيرة العمليات في الداخل الفرنسي، ونشاط «جبهة التحرير» الذي لا يمكن تجاهله في أزقة باريس؛ عمل موريس بابون على إحكام القبضة الأمنية أكثر فأكثر على المهاجرين الجزائريين، ففرض قانونًا خاصًّا بهم يحظر عليهم التجوال ليلًا، ويعطي صلاحيات غير محدودة للقوات الخاصة من أجل اعتقال الجزائريين واستجوابهم دون أي إجراءات قضائية.

ووسط هذا التضييق؛ ردَّت «جبهة التحرير» بتجنيد الجزائريين المهاجرين في إحدى أكبر المظاهرات التي شهدتها العاصمة باريس حينها في أكتوبر (تشرين الأول) 1961م؛ لكن القوات الفرنسية واجهتها بقمع شديد؛ إذ سقط العديد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين السلميين، وقد جرى التنكيل بجثث الجزائريين من طرف القوات الفرنسية لدرجة إلقاء العديد منها في نهر السين الذي يمرُّ وسط العاصمة باريس.

تحوَّلت فرنسا نفسها إلى ساحة للحرب بعد أن كانت محصورة في جبال الجزائر وقُراها التي تدكَّها الطائرات الفرنسية بالقنابل لقمع المقاومين؛ واستطاعت «جبهة التحرير» كسب تأييد حتى بعض المثقفين الفرنسيين، الذين تحوَّلوا إلى مجندين في صفوفها، من بينهم شبكة الفيلسوف جانسون.

فيحكي كتاب «حملة الحقائب» لمؤلفيه هيرفي هامون، وباتريك روتمان، كيف اقتنع جانسون بالثورة الجزائرية بعد زيارته للجزائر ورؤيته للظلم والحرمان الذي يعيش تحته الجزائريُّون، فتطوَّع بمساعدة «الجبهة» في فرنسا من خلال عمله سائق تاكسي لنقل المناضلين في باريس، وإيوائهم ومساعدتهم ماديًّا هو وزوجته كوليت وبعض رفاقه. وقد استطاعت شبكة جونسون توفير الأموال والألبسة والأغطية والأدوية من طرف الفرنسيين المتعاطفين مع الثورة وإيصالها إلى الجزائريين، كما هرَّبت الشبكة المطلوبين الجزائريين وسلَّحتهم.

من المؤكَّد أن ثقل الثورة الرئيسي ومسرحها الطبيعي كان داخل الجزائر، حيث جرت معظم المعارك والمواجهات بين مقاتليها والقوَّات الفرنسية، لكن «جبهة التحرير» سعت إلى فك الخناق عليها، خصوصًا بعد التضييق الشديد عليها في الداخل بفعل إغلاق الحدود بين الجزائر وجيرانها، من خلال خطَّي شال وموريس؛ وفي هذا السياق جاء نقل المعركة إلى الداخل الفرنسي وتجنيد المهاجرين الجزائريين في الحرب مع فرنسا.

وقد سقط في هذه العمليات المسلحة عشرات الفرنسيين في أزقة باريس، بالإضافة إلى العديد من الجزائريين المتعاونين مع فرنسا، وقد ردَّت القوات الفرنسية على هذا النشاط بالقمع الدموي الذي بلغ أوجه في التصفية الدموية التي تعرَّض لها المتظاهرون في أكتوبر 1961م؛ والتي ما تزال الجهات الإعلامية الحقوقية تدعو حتى اليوم إلى التحقيق فيها وتقديم المسؤولين عنها إلى المُساءلة.

تاريخ

منذ 11 شهر
مجزرة أكتوبر 1961.. عندما أغرقت فرنسا عشرات الجزائريين في نهر السين

المصادر

تحميل المزيد