كانت «كومونة باريس»، تاريخيًّا، حكومة ثورية راديكالية اشتراكية، حكمت باريس في الفترة من 18 مارس (آذار) إلى 28 مايو (أيار) 1871، مدة شهرين كاملين؛ وذلك حتى قمعها «الجيش الفرنسي النظامي» خلال ما عرف في التاريخ باسم «الأسبوع الدامي»، بدءًا من 21 مايو، والذي انتهى بانحلال «الكومونة»، ونصر سريع ودامٍ لقصر فرساي.

كانت أحداث هذه الثورة الفرنسية وتجربتها في الحكم هي ما ألهم بعض كتابات «كارل ماركس» ومن بعده «فلاديمير لينين»؛ إذ اعتبرت واحدة من أولى الثورات اليسارية الحديثة في العالم، ونظرًا إلى أهميتها سنتناول في السطور القليلة القادمة تاريخ تلك الكومونة، وقصة استيلاء الثوار على السلطة؛ وذلك مرورًا بأعمال العنف والقتل والحرائق التي سبقت سقوطها.

حلم الطبقة العاملة.. هكذا بدأت «كومونة باريس»

ترجع أهمية «الكومونة» إلى كونها التجربة الشيوعية الفريدة التي انتهت قبل أن تتحول من داخلها إلى رأسمالية الدولة، على عكس الأنطمة الشيوعية التي تلت ذلك. عن ذلك يشير المفكر البلشفي وأبرز علماء الاقتصاد في عصره، أوجين بريوبراجنسكي، إلى أن مرحلة التحول إلى الاشتراكية في أغلب التجارب، كانت تشمل الاستحواذ على فائض الإنتاج والموارد التي نتجت من الأشكال الاقتصادية غير الاشتراكية؛ وهو ما كان يعني: «سلب فائض إنتاج الفلاحين والعمال».

كانت النتيجة أن النظام الذي جاء ليحمي الفلاحين من تسلط الرأسمالية، أصبح هو أكبر متسلط؛ بل سارت الاشتراكية نحو الرأسمالية، حتى أصبحت التجربة الشيوعية الحديثة في الاتحاد السوفيتي والصين، أبرز مَن مارَس الرأسمالية واستخدمها.

أما عن «كومونة باريس»، فلم تكن الحركة التمردية الأولى التي يقوم بها العمال في باريس؛ إذ بدأ ما بين عامي 1840- 1848 الشعور باقتراب الثورة في كل مكان، وكانت البروليتارية ترفع راية الاشتراكية وبدأت تعي حينذاك حقوقها العمالية، ومن بعد ذلك أتت انتفاضة يونيو (حزيران) 1848 لعمال باريس، والتي سحقت بالدم، عن ذلك يشير بيتر كروبوتكين في كتابه «الخبز والحرية» إلى أن إطلاق النار على العمال في هذه الانتفاضة كان بالجملة، كما جرى ترحيلهم للعمل في غينيا الجديدة، بهدف التخلص منهم، كما حوكم الاشتراكيون خلال «الانقلاب النابليوني» بأشد العقوبات، حتى إن آثار الاشتراكية قد اختفت تمامًا بعد ذلك من عشرة إلى اثني عشر عامًا.

صعدت الشيوعية مرة أخرى في باريس عام 1866، حين تكونت المبادئ الأولى لعمال باريس، والقائمة على أن «تحرر العمال يجب إنجازه من العمال أنفسهم»، وقد استمر هذا الإحياء الجديد للاشتراكية حتى اندلاع «الحرب الفرنسية البروسية» مع ألمانيا بين عامي 1870 و1871، ومن بعدها اندلعت انتفاضة «كومونة باريس».

جاءت الكومونة نتيجة لفشل الطبقة البرجوازية وعجزها عن مواجهة الجيش البروسي وحدها، أثناء أحداث «حصار باريس» – وهو الحصار الذي نتج من حرب الإمبراطور نابليون الثالث مع بروسيا (إحدى الممالك الألمانية) وانهزم فيها الفرنسيون عدة هزائم متتالية.

لم يكن أمام الطبقة البرجوازية حينذاك سوى أن تستخدم الثورة الشعبية المسلحة خطَّ دفاعٍ أخير؛ فاضطرت إلى تسليح كل من هو قادر على حمل السلاح من أفراد الشعب الفرنسي، والتي كانت تعني سياسيًّا أن يصبح الشعب هو السلطة. إن انتصار العامل الفرنسي على عدو الدولة البروسي، كان يعني انتصار الطبقات العاملة على الرأسمالية، بحسب الباحث التونسي، العفيف الأخضر.

كانت «الكومونة» حركة نقابية عمالية، واعتبرت أول ثورة اشتراكية عالمية، وقد كانت تهدف لقيام إصلاحات عمالية واجتماعية، ومنع الضرائب المفروضة على أجور العمال، وفصل الدين عن الدولة، لهذا يحتفل الاشتراكيون حتى يومنا هذا بذكرى تلك الكومونة التي حققت يومًا ما، آمال الثوار.

(شاهد ذكرى قيام كومونة باريس)

عندما انتهت «الحرب الفرنسية البروسية»، كان عمال باريس الذين انشغلوا طوال الحرب بالقتال، مسلحين، حينها اضطر أدولف تيير، رئيس الحكومة الجديدة إلى إصدار أوامر بتجريد العمال من السلاح، وهو الأمر الذي لم يمر مرور الكرام، بحسب كارل ماركس وكتابه «الحرب الأهلية في فرنسا»؛ حينها هب عمال باريس هبة رجل واحد يدافعون عن أنفسهم بالسلاح، وقامت حرب أهلية بين باريس والحكومة الفرنسية الموجودة في قصر فرساي. أعلن على أساسها انتخاب «كومونة باريس» في 26 مارس 1871.

كيف حكمت «الكومونة» تجربتها الثورية؟

حين سلمت اللجنة المركزية للحرس الوطني – التي كانت تحكم المدينة – سلطاتها وصلاحياتها إلى الكومونة بحلول 30 مارس، ألغت الأخيرة التجنيد الإجباري والجيش الدائم، وأعلنت أن القوة المسلحة الرسمية هي «الحرس الوطني» الذي كان يتألف من جموع المواطنين القادرين على حمل السلاح.

سعت الكومونة إلى فرض مبادئها في الحكم منذ اليوم الأول، مبادئ العدالة الاجتماعية والتخلص من السلطة وبناء «المدينة الفاضلة». عن ذلك يقول كارل ماركس إنهم طبقوا حدًّا أقصى للرواتب وقاموا بإصدار القرارات الخاصة بفصل الكنيسة عن الدولة، وتأميم جميع الممتلكات الكنسية، وفي السادس من أبريل (نيسان) أخرجت الكتيبة 137 من الحرس الوطني المقصلة من موضعها وأحرقتها على الملأ وسط تأييد شعبي عظيم، بحسبه، كما خططت الكومونة لوضع الجمعيات العمالية في نقابة واحدة كبيرة. عن ذلك يقول ماركس إن الكومونة قد اتخذت طابعًا «عماليًّا» خالصًا.

كان هذا النظام الشيوعي الوليد، بحسب ماركس، يهدف لأن يضع السلطتين التشريعية والتنفيذية بين يد الشعب؛ وهنا سعت الكومونة لأن تجرد المدينة من السلطة القديمة؛ فتخلصت من الجيش وجردت الشرطة من سلطاتها السياسية والتنفيذية؛ إذ كان الجيش والسلطة خاضعين بالأساس لنظام الحكم القديم. ليحكم العامة مدينة باريس بأيديهم.

في الوقت ذاته، يشير ماركس إلى أن نظام «الكومونة» قد سعى ليحرر التعليم من السلطات المفروضة عليه سواء من الدولة أو الكنيسة، وأن يصبح مجانيًّا ومتاحًا للجميع. أما بالنسبة إلى النظام القضائي؛ فقد أرادت الكومونة رفع الحصانة عن موظفي القضاء، ليصبحوا قابلين للخلع، بل أقرت أن يجري انتخابهم في المستقبل بطريقةٍ مكشوفة. طبقت الكومونة أيضًا الشعارات القائمة على تكوين «حكومة» قليلة النفقات، وذلك بإلغاء الجيش الدائم وسلك الموظفين، فأصبحت الأداة التي حطم بها نظام الطبقات الاجتماعية عن طريق إنكار الملكية والاتجاه إلى العمل الحر المشترك، بحسب ماركس، عوضًا عن استعباد العمال واستثمارهم.

لم يكن الفن والإبداع ببعيد عن رؤية «كومونة باريس»؛ ففي 25 مارس بعد قيام الثورة بأيام، أعادت الكومونة فتح حدائق التويلري الباريسية ومختلفة متاحف باريس، وعاش الفنانون إبان ذلك تجربةً فنية وثورية ملهمة؛ فتولى الرسام الفرنسي جوستاف كوربيه، رئاسة اتحاد فناني باريس، وذلك من أجل فتح المتاحف وتجميع الفنانين. كما عكفت الكومونة على وقف نظام استغلال المسارح بواسطة المديرين أو الشركات، واستبدلت بذلك نظام الجمعيات بين الفنانين؛ فاستطاع بعضهم أن يديروا مسارحهم بأنفسهم.

يشير ماركس إلى أن «الكومونة» لم تستطع أن تلتقط أنفاسها حتى استعاد جنود فرساي قوتهم مرةً أخرى وبدأوا في مهاجمة الكومونة، وبحلول 21 مايو (أيار) استطاع الجنود التسلل من أسوار المدينة نتيجة لتقاعس بعض أفراد الحرس الوطني، وعاشت باريس أحداث «الأسبوع الدامي» التي بانتهائها، ينتهي تاريخ تلك الانتفاضة. عن ذلك يشير الباحث التونسي العفيف الأخضر في دراسة بعنوان «عن كومونة باريس» إلى أن الطبقات الحاكمة حاولت جاهدة أن تمحي فيما بعد كل آثار الكومونة من الوعي الجمعي للشعب الباريسي، سارقين من الطبقات المظلومة بريق قدرتهم على الإلهام الثوري، بحسبه.

لهذا فشلت «الثورة الحمراء»

توصف «كومونة باريس» بأنها كانت ثورة بروليتارية عالمية؛ إذ كانت الكومونة تعبر عن جمهور الطبقات العاملة، وكيف يمكن لها أن تتحد في كتلة سياسية واحدة؛ لكنها رغم ذلك عانت من التردد في اختيار طريقها وعدم الحزم في مسألة قيادة الحركة، مما أعطى الجيش فرصته ليستعيد أنفاسه ويعيد ترتيب خطواته؛ فسقط هذا الانتصار الصغير للثورة عند أول منعطف.

يشير ليون تروتسكي في كتابه «دروس من كومونة باريس»، إلى أن الكومونة قد جاءت متأخرة جدًّا؛ إذ كان بإمكان الثوار السيطرة على السلطة في سبتمبر (أيلول)، عندما قامت الثورة الباريسية التي قضت على الإمبراطورية وأعلنت الجمهورية من جديد، إلا أنهم تركوا هذه الفرصة تنساب من بين أيديهم، لتسقط المدينة في يد «ثرثاري الديمقراطية»، بحسبه، وهم نواب باريس.

كونت الكومونة لأول مرة، بحسب ماركس، «حكومة الطبقة العاملة»، والتي جاءت ردًّا من طبقة البروليتاريا على تعنت الطبقات البرجوازية وظلمها، من وجهة نظرها؛ إلا أنها في الوقتِ ذاته، لم تمتلك يومًا في باريس حزبًا عماليًّا حقيقيًّا، بحسب تروتسكي. فيصف تردد الاشتراكيين بعد وصولهم إلى السلطة نتيجة عدم التنظيم، حتى وقع الشعب ذاته في حيرة من أمره، ووقع أسيرًا لخيالاته، ولم يستفق رجال الكومونة إلا متأخرًا جدًّا، وهو المأخذ الذي يأخذه تروتسكي على تلك الانتفاضة العمالية؛ والتي كان بإمكانها أن تستولي على السلطة قبل ستة أشهر فقط من تاريخ الانتفاضة، لاستطاعت أن تكوِّن لذاتها وجودًا واقعيًّا قويًّا، ولن تكون حينها في حاجة إلى الاستيلاء على السلطة عمدًا وبترصد، ولاختلف تاريخ باريس والإنسانية كلها.

(حوار المؤرخ جون ميريمان عن كومونة باريس)

«شرع قادة باريس في عزل أنفسهم داخل حكمهم الذاتي الشيوعي» *تروتسكي عن أسباب سقوط الكومونة

في الحقيقة، كانت اللجنة المركزية للحرس الوطني، عبارة عن مجلس للنواب، مكون من العمال المسلحين وبعض أعضاء الطبقة البرجوازية، وعلى الرغم من أن هذا المجلس كان ناجحًا في تسيير الأعمال وتنظيم العمل؛ لاحتكاكه بطبقة الجماهير مباشرةً، فإنه في الوقت ذاته قد افتقد إلى قائد.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
حصار باريس.. حين أُجبر الفرنسيون على أكل لحوم الفئران والضفادع

انشغلت اللجنة المركزية بمحاولة إجراء انتخابات للكومونة، وذلك من أجل إضفاء الصفة الشرعية على الحكم، وأهملت ضرورة سحق قصر فرساي، وهو ما اعتبره تروتسكي إضاعة للوقت ساهمت في أن يستجمع جنود الجيش قوتهم ليهاجموا الكومونة مرة أخرى، هي التي كان بإمكانها أن تصبح حصنًا للثورة العمالية، تتوسع منه في أنحاء فرنسا. يقول تروتسكي عن ذلك: «شرع قادة باريس في عزل أنفسهم داخل حكمهم الذاتي الشيوعي»، ويضيف: «لم يهاجموا الآخرين طالما أنهم لم يهاجموهم»، تلك المبادئ التي نادت بها الثورة، واعتبرها تروتسكي ثرثرة مثالية فارغة، ساهمت بشكلٍ أو بآخر في سقوط باريس، عوضًا عن الاستمرار حتى النهاية، وهو ما كلف البروليتاريا الفرنسية كثيرًا.

وجهة نظر السلطة.. «باريس تحترق» في آخر أيام الكومونة

يصف الروائي والكاتب الفرنسي إميل زولا أحداث «الأسبوع الدامي» بتفاصيلها، وهو الأسبوع الذي سبق سقوط «الكومونة» وانتصار الجيش، عن ذلك يقول: «كانت الطرقات مزروعة بالجثث في ضاحية سان أونوريه، وسالت الدماء مثلما تسير المياه من الجداول». لم يكن زولا واحدًا من أنصار الكومونة، بل على العكس تمامًا، كان مناهضًا لها، وداعمًا للجيش وقصر فرساي، رغم ذلك روى هذا الكاتب الفرنسي في كتابه «الأسبوع الدامي: رسائل حول كومونة باريس 1871»، الأحداث المروعة التي سبقت سقوط باريس بدقة متناهية.

 (باريس تحت الحكم الشيوعي)

لم يكن زولا ثوريًّا، ولم يدَّعِ يومًا ذلك، إلا أنه قد أحب مدينة باريس، وروى في 13 رسالة كتبها عام 1871 أعمال العنف والقتل والحرائق التي عصفت بمدينته الأثيرة. في الوقت الذي كانت فيه القذائف تمر من فوق رأسه، كان زولا من أشد أعداء «كومونة باريس»؛ إذ رأى فيها فصلًا داميًّا من تاريخ فرنسا، واصفًا إياها بـ«الرعب الأحمر»؛ نظرًا إلى كونها ثورة شيوعية، كما وصفهم بحركة تخريبية وتدميرية تسعى لإشاعة الفوضى في واحدة من أجمل مدن العالم، وذلك لاتباعهم «الأناركية»، والتي عرفت بـ«الفوضوية»، وعرف أتباعها برفضهم لأية سلطة نظامية.

يبدأ زولا رسائله في 22 مايو (أيار) من عام 1871؛ إذ سرت شائعة حول دخول الجيش مدينة باريس، حينها تعرضت المدينة لقصف مدفعي عنيف، عن ذلك يقول الكاتب والروائي إن المدينة لم تغلق عينها هذه الليلة، وقد تمنى في رسالته نصرًا سريعًا لقوات الجيش، يغني باريس عن سيل بحور الدماء بين مواطنيها؛ وعلى الرغم من أن سقوط الكومونة لم يستغرق سوى سبعة أيام، فإن النتيجة كانت دمارًا هائلًا، بدت بعده المدينة كأنها قد خرجت للتو من حربٍ، وهو ما اعتبره زولا فصلًا أخيرًا من فصول الحرب الأهلية.

خلال ذلك كانت الفرق العسكرية مصطفة على جانبي الطرق، منتشرين بهدف القبض على المتمردين متقهقرين إلى الضفة اليسرى من نهر السين؛ إذ دخل الجيش يدكُّ معاقل الثوار والمتمردين، عن ذلك يقول زولا: «كان هناك دائمًا صوت انفجارات جافة وقاطعة، تشبه الصرخات الإنسانية»، وقد تراصت الجثث في الطرقات، وسالت الدماء في الضواحي الباريسية حتى أضفت على «مدينة الأنوار» لمحة كئيبة؛ إذ سقط مبنى البلدية في أيدي العساكر، وجرى إيقاف أغلبية أعضاء الكومونة.

 (الحرب الأهلية الباريسية)

تبنى زولا فرضية النظام؛ إذ رأى في القصف الدموي الذي تتعرض له باريس مسؤولية الثوار والمتمردين، الذين لولا تمردهم، ما عاشت باريس تلك الفترة البائسة، فيقول الكاتب: «على التمرد أن يُسحق في مهده»، مُشيرًا إلى أن لقصف مدفعية الجيش عذرًا ومبررًا، حتى وإن كان كارثيًّا، وفي 24 مايو (أيار)، يصف زولا بالتفصيل كيف سقطت «الباتينيول» شارعًا شارعًا بأيدي الجيش، في معركة دامية استمرت ثماني ساعات، راح ضحيتها عدد هائل من الموتى، وقد أفرغت بعض الشوارع من قاطنيها وأرسلوا إلى فرساي؛ لأن الضاحية أصبحت ساحة نيران، وذلك من أجل السماح للمدفعية بالقصف.

كان الجنود ما إن تقع أيديهم على واحد من أعضاء «الكومونة»، أفرغوا فيه خزانات أسلحتهم، حتى إن القتلى قُدروا بعشرات الآلاف، من ضحايا الحرب والإعدامات الفجائية للمتمردين، وهي حقيقة لا ينكرها زولا، بل بررها في كتابه كونها صنيعة «جنود غاضبين». وفي اليوم التالي على الفور، احترقت باريس.

يشير زولا إلى أن احتراق المدينة فعلٌ ثوري، رغبةً في الانتقام من السلطة وتدمير ما لم يستطع الثوار السيطرة عليه، ففرشت الأرض بالنفط، واشتعلت النيران في وزارة المالية ومجلس الدولة وقصر جوقة الشرف وقصر الخزينة ومبنى البلدية وأقسام الشرطة، وسرت شائعات بإمكانية حرق «متحف اللوفر»، فتوجهت حشود من الأهالي إليه رغبةً في إنقاذه.

تاريخ

منذ سنة واحدة
نابليون بونابرت.. كيف نجح جنرال شاب في امتطاء جواد الثورة الفرنسية الجامحة؟

كان زولا متحاملًا على الثوار في سرديته، فيشير إلى أن هدفهم كان «إزالة المدينة»، متهمًا إياهم بمحاولة إحراق المنازل عن طريق القنابل الحارقة، إلا أنه في الوقت ذاته يسرد حصيلة الأموات من المتمردين، وكيف وضعت جثثهم صفًّا على الأرصفة بطول المنازل، دون أن تجد حفاري قبور لدفنهم، وذلك بعدما انتصر الجيش في المعركة الفاصلة بالقرب من مقبرة الأب لاشيز.

بعدما سيطر الجنود على المدينة تكتم على الأخبار قصر فرساي؛ إذ لم يكن هناك من يعرف ما الذي ستؤول إليه الأمور، وأصبحت المدينة منقسمة إلى نصفين يخشى كلٌّ منهما الآخر، خاصةً بعدما سرت شائعات عن كون المدينة تنام على بقايا المتفجرات التي تركها الثوار مدفونة في المجارير أسفل الأرض، استعدادًا لحرقها، أو هكذا انتشرت الأخبار التي كان لها في النهاية آثارها من خلال القبض العشوائي على المتمردين وإعدامهم دون تحقيقات، أو تيقن حتى من حقيقة الاتهام المتمثل في الانضمام للكومونة.

حينها بدأت إدارة باريس تتوجه نحو منع أي تمرد جديد، فسقطت المدينة  تحت نيران التصفية والتطهير، وأصبح التجنيد العسكري إجباريًّا، من أجل توجيه طاقات حشود الميليشيات وشغلهم عن القيام بثورة جديدة، واستمرت المحاكم العسكرية في الإعدامات فترة من الزمن؛ إذ كانت هناك مجموعات ترابط عند أماكن محددة لتنفيذ تلك العقوبات.

المصادر

تحميل المزيد