في الثالث من يونيو (حزيران) الجاري، أعرب المشاركون في مؤتمر باريس عن قلقهم من « أعمال إسرائيل، التي تواصل بناء المستوطنات، تقوض إمكانية إيجاد حل سلمي للدولتين»، لافتين في بيان المؤتمر الختامي، عن اتفاقهم على عقد مؤتمر دولي آخر لتسوية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي قبل نهاية العام الجاري. وسط تشكيك عربي اسرائيلي من جدوى المؤتمر

في الثالث من يونيو (حزيران) الجاري، أعرب المشاركون في مؤتمر باريس عن قلقهم من «أعمال إسرائيل، التي تواصل بناء المستوطنات، وتقوض إمكانية إيجاد حل سلمي للدولتين»، لافتين في بيان المؤتمر الختامي، عن اتفاقهم على عقد مؤتمر دولي آخر لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قبل نهاية العام الجاري. وسط تشكيك عربي إسرائيلي من جدوى المؤتمر.

وشارك في المؤتمر ممثلون عن اللجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط التي تضم: أمريكا، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة. ذلك بالإضافة إلى حضور ممثلين عن جامعة الدول العربية، ومجلس الأمن الدولي وحوالي 20 دولة، في غياب المشاركة الفلسطينية أو الإسرائيلية. فلم تدعُ باريس أيًا من طرفي الصراع لحضور المؤتمر.

ويأتي مؤتمر باريس عقب عدد من المبادرات التي حاولت تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال الثلاثة عقود الماضية. ومن أبرز تلك المؤتمرات والمبادرات: اتفاقية أوسلو لعام 1993، ومبادرة قمة بيروت التي طرحها العاهل السعودي الراحل «عبد الله بن عبد العزيز» عام 2002، وانتهت آخر جولات المحادثات حول هذا الصراع في أبريل (نيسان) من عام 2014 إلى طريق مسدود وسط أجواء من التوتر بين طرفي الصراع.

و تعتبر أكثر القضايا حساسية بين طرفي الصراع هي: وضع القدس، والدولة الفلسطينية، والمستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة منذ عام1967، فمنذ ذلك التاريخ شيدت إسرائيل أكثر من 100 مستوطنة في القدس الشرقية، والضفة الغربية، وهي مستوطنات «غير شرعية» بموجب القانون الدولي.

فرنسا.. نحن نقترب من نقطة «اللا عودة»

قال «جان مارك إيرولت»، وزير الخارجية الفرنسي، إن حل الدولتين ـ لوقف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ـ يواجه خطرًا كبيرًا، لافتًا إلى الاقتراب مما سمّاه بنقطة «اللا عودة، التي لا يعود الحل ممكنًا بعد اجتيازها»، مؤكدًا على ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لـ«الحفاظ على حل الدولتين وإحيائها قبل فوات الأوان». وشبهت فرنسا بقاء الوضع الراهن كما هو عليه بـ«انتظار انفجار برميل من البارود».

انقسام داخل فلسطين: عباس يُثمن وهنية يُندد

شابت حالة من الانقسام بالداخل الفلسطيني حول مؤتمر باريس؛ إذ تباينت الآراء حوله بين مؤيد ومعارض، فمن جانبه أعرب رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس»، عن شكره للجهود الفرنسية للعمل على تحقيق السلام على أساس، مرجعيات عملية السلام، وقرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية. مُثمنًا جهود الأطراف العربية المشاركة في المؤتمر والحضور الكبير والنوعي المشارك فيه. وأكد عباس التزام فلسطين بالوصول إلى السلام القائم على أساس حل الدولتين، وقرارات الشرعية الدولية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

وفي سياق متصل، اتهم رياض المالكي، وزير الخارجية الفلسطيني، من وصفهم بـ«لاعبين كبار»، بخفض مستوى توقعات مؤتمر باريس، لافتًا إلى توقعه بيان ختامي أفضل مما كان عليه. وقال المالكي «يبدو أننا ندفع ثمن حضور اللاعبين الكبار، بحيث عملوا على تخفيض منسوب البيان وما تضمنه، بحيث غاب عنه كثير من النقاط الأساسية التي كنا نفترض أن تكون موجودة فيه».

من جانبه، طالب «إسماعيل هنية»، نائب رئيس المكتب السياسي لـ«حركة المقاومة الإسلامية» (حماس)، باتخاذ قرار «جريء»، للعمل على تحقيق المصالحة الفلسطينية، ومواجهة ما أسماها «محاولات فرض مبادرات جديدة لتسوية الصراع مع الاحتلال» في الإشارة لمؤتمر باريس.

واعتبر بيان مشترك لعدد من الفصائل الفلسطينية، وقعت عليه كل من: حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهتين الديمقراطية والشعبية- مؤتمر باريس «خطر يمس الثوابت الفلسطينية المجمع عليها، خاصة حق العودة».

إسرائيل ترفض المؤتمر: يُصعد مطالب الفلسطينيين

على الجانب الإسرائيلي، رفض رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» مؤتمر باريس، لافتًا إلى أنه يمنح الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» فرصة للتهرب من المفاوضات المباشرة، ويدفع الفلسطينيين إلى «تصعيد مطالبهم، ما يؤدي إلى الابتعاد عن السلام» على حد تعبير نتنياهو، الذي اعتبر أن الطريق إلى السلام بين إسرائيل والفلسطينيين «لا يمر عبر مؤتمرات دولية تحاول إملاء تسوية للنزاع، إنما عبر مفاوضات مباشرة بين الجانبين دون شروط مسبقة» .

السعودية: مبادرة السلام العربية الفرصة الأخيرة لحل النزاع

وصف وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير»، المبادرة العربية للسلام، بـ «الفرصة الأفضل لحل النزاع». تلك المبادرة التي طرحها العاهل السعودي الراحل «عبد الله بن عبد العزيز»، حين كان لا يزال وليًا للعهد، في قمة بيروت عام 2002، و تبناها القادة العرب، وبموجبها تعترف الدول العربية بإسرائيل؛ مقابل انسحاب الأخيرة من الأراضي العربية التي احتلتها منذ عام 1967.

وقال الجبير، على هامش مشاركته في المؤتمر، إنّ «موقفنا ثابت بالنسبة لإيجاد حل لهذا النزاع على أساس قرارات مجلس الأمن، ومبادرة السلام العربية، للوصول إلى إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية»، مشددًا على بقاء المبادرة العربية للسلام على طاولة المفاوضات باعتبارها «ركيزة مهمة لحل النزاع».

مصر تُسوق لمبادرة السيسي

طالب وزير الخارجية المصري «سامح شكري»، خلال مؤتمر باريس، المجتمع الدولي، بتحمل مسؤولياته،  إزاء استحقاقات السلام ومتطلباته. وأشار شكري إلى أن حديث الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، عما يمكن تحقيقه من تفاهم في المنطقة في حالة إيجاد حل حقيقي للقضية الفلسطينية، يحقق آمال الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، يوفر «أرضية ملائمة لتحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة كلها».

وأكد شكري استعداد مصر الكامل لأداء دورها، سواء فيما يتعلق بتهيئة الأجواء الفلسطينية، أو فيما يخص تفعيل مبادرة السلام العربية، استنادًا إلى المرجعيات الدولية، وذلك لإنشاء دولة فلسطينية على أساس حدود يونيو (حزيران) 1967 عاصمتها القدس الشرقية. مشددًا على ضرورة تعاون أمريكا وروسيا والدول الأوروبية مع دول المنطقة لإيجاد حل للأزمة.

وتجدر الإشارة إلى نفي شكري، فكرة تبادل أراضي مصرية في إطار المبادرة الفرنسية للسلام، قبل أيام من انطلاق مؤتمر باريس. وقال في مؤتمر صحافي عقده في الأول من يونيو (حزيران) الجاري «ليس هناك في الطرح الفرنسي ما يتعلق بتبادل الأراضي، وليس هناك أية مبادرة، أو أفكار من أي شكل، طرح فيها ما يتعلق بالمساس بالأراضي المصرية، أو أي حديث عن هذا، بأي شكل من الأشكال، قد يتضمن أي معادلة للتسوية بحيث تكون أراضي مصر ضمن أية معادلة للتسوية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي»، لكن شكوك محللين مصريين حول ذلك الطرح مازالت قائمة.

ما الذي يُمكن أن تؤول إليه مبادرة السلام الفرنسية؟

للإجابة على هذا السؤال، تواصل «ساسة بوست» مع الباحث المصري «مصطفى خُضري»، رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام (تكامل مصر)، الذي وصف مؤتمر باريس بـ«ديكور سياسي لخطة صهيونية». ولفت الخضري إلى أن تلك الخطة سبق وأن طرحها الجنرال «جيؤرا أيلاند»، في النشرة الشهرية الصادرة باللغة الإنجليزية، عن مركز «بيجن – السادات للدراسات الاستراتيجية»، في منتصف يناير (كانون الثاني) عام 2010.

وتهدف الخطة، بحسب خضري، إلى تفريغ القضية الفلسطينية من محتواها، تحت مسمى «تبادل الأراضي وإعادة التوطين»، من خلال تنازل مصر عن 770 كيلومتر مربع تقريبًا من سيناء لقطاع غزة، وحصول مصر مقابل ذلك على 720 كيلومتر مربع تقريبًا من صحراء النقب، التي تسيطر عليها إسرائيل. وتابع خضري: «ستحصل إسرائيل في المقابل على جزء كبير من الضفة المحتلة يقدر ب780 كيلو متر مربع تقريبًا، بالإضافة لاقتسام القدس بين الإسرائيليين والفلسطينيين».

وأشار خضري إلى أن ما وصفها بـ«الخطة الصهيونية المدعومة فرنسيًا»، المطروحة الآن على مائدة المفاوضات سبق طرحها في أواخر 2012. لافتًا إلى رفض كل من الرئيس المعزول «محمد مرسي» و«حركة حماس» تلك الخطة. وقال الخضري إنه «بعد إسقاط مرسي، وقبول السيسي للخطة، أصبحت حماس تمثل العقبة الوحيدة أمام تنفيذ ذلك المخطط المشبوه».

وفي سياق متصل، وصف المفكر القومي المصري، «محمد سيف الدولة»، كل اتفاقات ومبادرات السلام، بدءًا من «كامب ديفيد، واتفاقية أوسلو، ووادي عربة، ومبادرة السلام العربية» بـ«الباطلة». وأوضح سيف الدول، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، أن تلك المبادرات «أدت إلى التنازل عن 78% من أرض فلسطين للعدو الإسرائيلي، واعترفت بشرعية إسرائيل، وأقامت معها علاقات طبيعية، واكتفت بالمطالبة بدولة فلسطينية على حدود 1967». مؤكدًا أن السبيل الوحيد لتحرير فلسطين لن يكون إلا بـ«المقاومة المسلحة وبمشاركة كل الشعوب العربية».

وأرجع سيف الدولة أسباب إطلاق فرنسا لتلك المبادرة، إلى محاولة فرنسا ميراث الدور الأمريكي في الشرق الأوسط بـ«التمسك بقضية العرب المركزية وهى قضية فلسطين». ذلك بالإضافة إلى ما وصفها بـ«المحاولات الدولية الإقليمية الحثيثة لتطبيع العلاقات السعودية والخليجية مع إسرائيل» مُشيرًا إلى تنازل مصر عن ملكية جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، باعتبارها واحدة من المقدمات التمهيدية لهذه العملية، التي ستُدخل السعودية بموجبها في «علاقات تنسيق وتطبيع أمنى مباشر مع إسرائيل من بوابة الترتيبات الأمنية في اتفاقية كامب ديفيد». لافتًا إلى أن النشاط المصري الفرنسي الجاري الآن يأتي في هذا السياق، وشدد على الفشل «المحتوم» لكل تلك الجهود.

عرض التعليقات
تحميل المزيد