تعرف باريس اليوم باعتبارها عاصمة الموضة والعطور والسياحة؛ إذ يقصدها الملايين سنويًّا لالتقاط صور عند «برج إيفل» أو زيارة محلات الماركات العالميّة، وربما مسارحها ومتاحفها الراقية، مثل متحف «اللوفر» الذي يحوي أشهر لوحة فنيّة في العالم «الموناليزا».

لكن تاريخ هذه المدينة العريق يحوي على أكثر من مجرّد حدائق جميلة ومتاجر ومتاحف، إذ تحكي المدينة سير وقصص كتّاب وشخصيّات وثوّار وحركات سياسيّة وفلسفيّة مرّت عليها وترعرعت في شوارعها وأزقّتها، إذ كانت باريس طوال قرون الماضية مقصدًا للباحثين عن الإلهام والمعرفة، أو من ضيّقت عليهم حكوماتهم في بلدانهم الأصلية، وقد كان للمثقفين والسياسيين العرب حظّ في ذلك، لتحتضنهم باريس بطبيعتها الميتروبوليتانيّة، ويولد من رحم هذا التنوّع وتلاحق بين الأفكار والخلفيات الثقافية شديدّة التباعد، قصص مدهشة تستحقّ أن تُروى.  

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
حديد برج إيفل سرق من مناجمها.. جرائم فرنسا في الجزائر ليست في حق البشر فقط!

مهد الثورة ومركز «عصر الأنوار»

ارتبط الانسان بباريس منذ عهد قديم، فبداية الاستقرار البشري فيها يعود إلى العصر الحديدي الثاني، لكن أول وجود لها في المصادر التاريخية يعود إلى التوسّع الروماني في بلاد الغال، على يدّ الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الذي اكتشف موقعها الإستراتيجي، وقد اتخذها الملوك والأباطرة منذ القرن الثالث عشر مركزًا لنفوذهم وعاصمة لحكمهم، فازدهرت التجارة فيها وانتشرت فيها القصور والحدائق والأجواء الملكيّة. 

Embed from Getty Images

لابد أن تُذكر الثورة عندما تُذكر باريس، إذ إن هذه المدينة كانت المركز الرئيس الذي انطلقت من خلالها الثورة الفرنسية سنة 1779، والتي غيّرت وجه أوروبا والعالم من خلال رفعها لأول مرة بشكل صريح قيم الإنسانية والعدالة والموطنة في وجه الإقطاع، والاستبداد، والملكيّة المُطلقة، فقد كانت بدايتها من خلال الدستور الذي أقرّته «الجمعية العامة» (البرلمان) الذي قلّص صلاحيات الملك وطرح لأول مرّة قضيّة المساواة بين الفرنسيين. 

ظلّت باريس مرادِفة للثقافة والعلم والمعرفة، فجامعة باريس المعروفة بـ«السوربون» والتي تعدّ إحدى أشهر جامعات العالم في المتخصّصة في العلوم الإنسانية تعود إلى القرن الثالث عشر، وقد اتّسمت أجواؤها منذ الثورة الفرنسيّة بالتحرّر والثورية ومناقشة الأفكار الجريئة، بالإضافة إلى الاكتشافات العلميّة، إذ تملك الجامعة في سجلّها 50 جائزة نوبل، كما احتضنت الجامعة حركة الاستشراق بقيادة لويس ماسينيون وجاك بيرك وروجيه غاروديه؛ وقد مرّ على الجامعة العديد من المفكّرين والساسة العرب، من بينهم طه حسين، والرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، والمفكّر الإسلامي السوداني الحسن الترابي وغيرهم. 

Embed from Getty Images

جامعة السوبرون

ولطالما عرفت باريس النشاط الفكري والأدبي الفريد؛ إذ تنتشر فيها النوادي الفكرية والمقاهي الأدبية التي ارتبطت بشكل كبير بـ«عصر الأنوار»، وبفضل هذا الجو الفكر والنقاشات والحوارات في مراكزها الثقافية، كانت العاصمة الفرنسية مهدًا للعديد من المذاهب الفلسفية، والاتجاهات الأدبية، كالرومانسية، والحركة الطبيعية، والوجودية، والبنيوية وغيرها. 

«تسقط فرنسا».. لماذا تتصاعد المشاعر المعادية لباريس في أفريقيا؟

نهر السين.. هنا يتم إغراق الجزائريين

صحيح أن باريس لم تكن رحيمة بالجزائريّين، فهي عاصمة الامبراطوريّة التي احتلّت الجزائر لأكثر من قرن و30 سنة، وارتكبت خلال تلك الحقبة الاستعماريّة مجازرة دمويّة بشعة، كما أنّ نهر السين الذي يمرّ في وسط المدينة الساحرة، ويُكسبها رونقًا بهيًا وطابعًا رومانسيًا من خلال المراكب الأنيقة التي تمرّ به؛ قد شهد إغراق الجزائريين فيه، ورمي جثثهم هناك أثناء مظاهراتهم ضد الاحتلال الفرنسي سنة 1961، وقد كُتب في أحد الجدران المُجانبة للنهر عبارة «هُنا يتمّ إغراقُ الجزائريّين». 

«هنا يتمّ إغراق الجزائريين»

لكنّ هذه ليست القصّة الكاملة للمدينة، ففي أزقّة باريس ومقاهيها الثقافيّة المحتدمة بأحاديث الفكر والسياسة، وبالإضافة إلى مصانعها وأحيائها الفقيرة بين العمّال المهاجرين، وُلدت الأفكار التي ستُنهي عهد «الإمبراطوريّة الفرنسيّة» للأبد، وتُعيد فرنسا إلى رُقعتها الجغرافيّة المحدودة في أوروبا، بعد أن كانت تمتدّ في القرن التاسع عشر في القارّات الأربع. 

Embed from Getty Images

مصالي الحاج

زعيم الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ومؤسّس «حزب الشعب الجزائري» مصالي الحاج، الذي تزعّم النضال الوطني الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وطالب بالاستقلال التامّ، والذي تخرّج من مدرسته مؤسّسو «جبهة التحرير الوطني» الذين أشعلوا حرب التحرير في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 والتي انتهت بالاستقلال؛ كان قد دخل عالم السياسة والنضال من بوّابة الحزب الشيوعي الفرنسي أثناء عمله في مصانع باريس، وهنالك تأثّر بأجواء النضال العمّالي اليساري الذي كان يسود فرنسا في تلك المرحلة، ليؤسّس برفقة مناضلين من الجزائر، وتونس، والمغرب حزب «نجم شمال أفريقيا» وينفصل عن الحزب الشيوعي الفرنسي الذي عارض آنذاك فكرة الاستقلال بشدّة.

من قلب باريس، ووسط عمّال المصانع والمهاجرين من مختلف بقاع الأرض، تبلور فكر مصالي الحاج المعادي للكولونياليّة، وعاد إلى موطنه الجزائر لينشر هذه الأفكار الاستقلاليّة الراديكاليّة وقتها من خلال تأسيسه لـ«حزب الشعب» سنة 1937، وسط طبقة سياسيّة لم تكن تفكّر في أكثر من تحسين شروط الاحتلال على أقصى تقدير، لتُثمر هذه الأفكار بعد 30 سنة من النضال في تحقيق الاستقلال الذي حلم به مصالي الحاج.
مصالي الحاج لم يكن الثائر الوحيد الذي اكتسب وعيه الثوري في عاصمة الامبراطوريّة الّتي تحتلّ بلاده. إذ يتذكّر الفرنسيّون جيّدًا معركة «ديان بيان فو» التي جرت في الهند الصينية (فيتنام) سنة 1954، والّتي يعدُّها المؤرّخون النهاية الفعليّة لـ«الامبراطورية الفرنسيّة» التي احتلّت فيتنام منذ سنة 1858، إذ تكبّدت القوّات الفرنسيّة المدعومة من طرف «حلف الناتو» هزيمة نكرهاء على يد القوّات الفيتناميّة بقيادة الجنرال جياب والزعيم الثوري الوطني هوتشي منه. رئيس وزراء فيتنام الشمالية، ثم رئيس جمهوريّتها، هوتشي منه، والذي تزعّم الكفاح السياسي والعسكري ضد الفرنسيين لسنوات طويلة لينتهي بخروجهم النهائي من آسيا، وكان ذلك الرجل أيضًا وليد الحركية السياسية والفكرية التي كانت تشهدها باريس في مطلع القرن العشرين؛ فقد نشأ وعيُه السياسي في حُضن اليسار الفرنسي.

Embed from Getty Images

هوشي منه

بدأ هوتشي منه اهتمامه بالسياسة بعد وصوله إلى باريس سنة 1919 للدراسة، وذلك من بوّابة الحزب الشيوعي تمامًا مثل مصالي الحاج، ثم انضمّ إلى مجموعة من الرفقاء الفيتناميين الذين كانوا ينشرون مقالات تدعو إلى استقلال فيتنام، وتدافع عن حقوق الفيتناميين، وتطالب بتقرير مصيرهم.

قمصان لها تاريخ.. كيف لعب المنتخب الجزائري دورًا في الاستقلال عن فرنسا؟

باريس والعرب.. مقصد الأدباء ومهد «حركة التنوير»

كانت باريس في مطلع القرن العشرين تُسمّى «مدينة الأنوار» بسبب الحياة الفكرية والسياسيّة شديدة الحيويّة، بالإضافة إلى ازدهار الأدب والفنون فيها؛ كما كانت قد فتحت ذراعيها لاستقبال المفكّرين والمعارضين والطلبة الأجانب من كل حدب وصوب؛ وبالخصوص مُعارضي الخلافة العثمانيّة. كما كانت أيضًا الفضاء الذي شهد الإرهاصات الأولى لميلاد «القوميّة العربيّة» من خلال المؤتمر العربي الأول الذي جرى فيها سنة 1913، إذ اجتمع عدد من السياسيين المعارضين والمفكّرين العرب رافضين التضييقات من طرف حركة «الاتحاد والترقّي» التي سيطرت على الدولة العثمانية في تلك الفترة، بالإضافة إلى التوسّع الاستعماري الذي سيطر على العديد من الأقطار العربيّة. واحتضنت «الجمعيّة الجغرافية الفرنسيّة» الواقع مقرّها في باريس هذا المؤتمر التاريخي الأوّل من نوعه، الذي كان يدعو الدولة العثمانيّة إلى إجراء إصلاحات وإقرار حقوق العرب في تسيير شؤونهم وتكريس سياسة اللامركزيّة دون مطالب استقلالية أو انفصاليّة.

Embed from Getty Images

باريس سنة 1889

لكن هذا المؤتمر لم يمرّ دون أن يلقى انتقادًا شديدًا من مثقّف عربي، هو أيضًا مرّ بمدينة باريس، وتأثّر بجوّها الفكري والثوري، إنّه شكيب أرسلان الذي انتقد إجراء المؤتمر في باريس، عاصمة الإمبراطورية التي تحتلّ شمال أفريقيا، بالإضافة إلى توقيت المؤتمر المشبوه بحسبه الذي يأتي في الوقت الذي كانت تواجه فيه الدولة العثمانية أخطار الغرب المحدقة.

وقد ارتبطت مدينة باريس في التاريخ الحديث للعالم العربي بحركة التنوير؛ ففي سنة 1826 أرسلت الحكومة المصرية بعثة علميّة إلى فرنسا من أجل استفادة من التقدّم العلمي في فرنسا، وأرسلت معهم الشيخ رفاعة الطهطاوي باعتباره مرشدًا دينيًا للبعثة، ليؤلّف كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الذي دوّن فيه خلاصة رحلته إلى مدينة باريس وعمرانها وعادات أهلها من أطعمة وألبسة وفنون ورياضة وغيرها، قد شكّل ذلك الاحتكاك الفكري بين الشيخ رفاعة الطهطاوي، ذي التكوين الإسلامي الشرعي، وبين المجتمع الباريسي الحديث، نُقطة انطلاق لجدليّة الحداثة والإسلام.

إذ يعتبر الكثيرون رفاعة الطهطاوي والمجهود العلمي والفكري الذي أشرف عليه بعد عودته من رحلته الباريسيّة، من نشر للتعليم ترجمة وتأسيس لـ«مدرسة الألسن» التي تُعنى بنقل العلوم والمعارف التي صادفها في فرنسا وفي مختلف البلدان الغربية، أحد أهم المظاهر التي ولّدت حركة «النهضة العربيّة» التي سعت إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة الغربية. 

ومنذ ذلك الحين أصبحت باريس هي المحطّة الأبزر التي وُلد فيها فكر «النهضة العربيّة» وانتشر في الكثير من الأوساط العلمية والفكريّة العربيّة، وقد زار المدينة كلّ من محمدّ عبده، الفقيه المصري المُصلح ومفتي الديار المصرية، بالإضافة إلى المفكّر والمصلح الإسلامي جمال الدين الأفغاني، الذي كانت له مناظرة شهيرة في باريس مع العالم الفرنسي إيرنست رينان حول موضوع «الإسلام والعِلم».

العديد من الأدباء العرب أعادوا اكتشاف أنفسهم في حواري باريس ومقاهيها الثقافيّة، وخرجوا من رحلتهم إلى «مدينة الجنّ والملائكة» كما يلقّبها طه حسين، بأشعار أو روايات. من بين هؤلاء أيضًا، توفيق الحكيم الذي أمضى سنوات دراسته الجامعية هناك ليخرج من تلك التجربة برواية «عصفور من الشرق»، التي يتطرّق فيها إلى ثنائية الشرق القادم منه، والغرب الذي تمثّله مدينة باريس والتفاعل بينهما. «أمير الشعراء» أحمد شوقي كان أيضًا من بين الأدباء العرب الذين مرّوا على باريس، وقد امتدحها في بعض قصائده، بالإضافة إلى الشاعر بيرم التونسي، والكاتب زكي مبارك، والشيخ مصطفى عبد الرازق، وغيرهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد