الطائرات المصرية خرجت من قواعدها في مصر، وقصفت ليبيا دون أخذ «موافقة البرلمان»، والجيش المصري يقاتل في اليمن ضمن قوات التحالف العربي لمدَّةٍ غير مُحددة دون الحصول على «الإذن الدستوري»، والبرلمان المصري أصدر عشرات القوانين غير الدستورية أبرزها تعديل قانون السُلطة القضائية، والحكومة المصرية حجبت مؤخرًا 80% من المواقع الصحافية الإخبارية قبل أن يقوم البرلمان بسنِّ تشريعٍ يسمح بذلك، وغيرها من القصص التي بدأت بـ«قرار جمهوري» يقضي بالتصالح في جرائم الأموال العامة، ونهاية بسعودية «تيران وصنافير».

في هذا التقرير نشرح لك كيف انتهك النظام المصري 40 مادة على الأقل من الدستور؛ من أجل تمرير اتفاقية رفضتها أعلى هيئة قضائية في الدولة.

اقرأ أيضًا: خط زمني يُلخص القصة شبه الكاملة لمعركة جزيرتي تيران وصنافير

لماذا لم يوقّع السيسي بنفسه على الاتفاقية؟

لا يجوز في جميع الأحوال إبرام معاهدة يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة. *من المادة 151 من الدستور المصري

في الثامن من أبريل (نيسان) عام 2016، خلال زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى القاهرة، وقَّّع الجانبان 17 اتفاقية أبرزها إنشاء جسر بري بين السعودية ومصر، وأخرى لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، من دون إعلان التفاصيل؛ ووقَّع الاتفاقية عن الجانب المصري رئيس الوزراء «شريف إسماعيل»، وعن الجانب السعودي الأمير «محمد بن سلمان» ولي ولي العهد، ويجب التوضيح أن الحكومة أقرت الاتفاقية ثمّ أرسلتها للبرلمان للتصويت عليها، بعد التكتم عليها نحو ثمانية أشهر كاملة، وفي هذه السطور السابقة ثلاثة أخطاء دستورية واضحة.

 

طبقًا للمادة 151 من دستور 2014؛ «يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويُصدّقُ عليها بعد موافقة مجلس النواب»، والذي وقّع الاتفاقية «إسماعيل وابن سلمان»، وهما ليسا الشخصين الاعتباريين لكلا الدولتين، وإذا كان الدستور السعودي يسمح بتفويض أفراد الأسرة المالكة، فإن الدستور المصري لا يسمح بتوقيع رئيس الوزراء، ولكن لماذا قد يغامر السيسي بإبطال الاتفاقية بعدم التوقيع عليها؟

تجدر الإشارة إلى أن رئيس الوزراء المصري وقّع من قبل على اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل في عهد مبارك بصفة شاهد، وكان له دورٌ كبيرٌ في تبرئة جميع المتهمين، إذ شهد أمام المحكمة أن الاقتصاد لم يتضرر جراء بيع الغاز، كما كان إحدى ثغرات براءة مبارك، وهو أيضًا طوق النجاة لتمرير تلك الاتفاقية؛ فالنظام أراد التحايل على الدستور، بإدّعاء أنها لا تدخل ضمن أعمال الحُكم، بدليل أن الرئيس لم يوقّع عليها، وهذه هي الأزمة القائمة فعليًّا بين محكمة القضاء الإداري والحكومة، والتي انضمت لها لاحقًا المحكمة الدستورية، والبرلمان.

اقرأ أيضًا:«فورين آفيرز»: كيف ستؤثر قضية الجزيرتين في النظام المصري؟

والحكومة تبرر أحقّية السعودية بالجزيرتين، طبقًا للتعهدات الشفهية بين النظامين، والاعتراف أن الجزر كانت تقع تحت الحماية المصرية لفترةٍ من الزمن، وهذا انتهاكٌ آخر للدستور طبقًا للمبدأ القانوني: «الحماية مظهر من مظاهر سيادة الدولة»، وهو ما أكده قاضي محكمة القضاء الإداري بأن «سيادتنا مقطوعٌ بها».

لذلك «لا يجوز في جميع الأحوال إبرام معاهدة يترتب عليها التنازل عن أيِّ جزء من إقليم الدولة»، لذلك لا يستطيع الرئيس شخصيًّا توقيع تلك الاتفاقية، والتخلي عن الجزر حتى وإن كانت مملوكة للسعودية قبلًا، كما أنه ليس دستوريًّا تفويض شخص آخر بدلًا من رئيس الدولة.

وتعتبر تلك مخالفةً لاختصاصات رئيس الجمهورية في الدستور، إضافة إلى اختصاصات الحكومة، وإخلالًا بمواد الدستور التي حددت صفة المعاهدات والقائم بها، ولا يقل إجمالي الخروقات هنا عن 15 مادةً على أقل تقدير.

أزمة «تنازع الاختصاص».. 11 خرقًا دستوريًّا

يختص مجلس الدولة دون غيره بالمنازعات الإدارية، وبمنازعات التنفيذ المتعلقة بأحكامه. * المادة 190 من الدستور المصري

طبقًا للمادة الخامسة من الدستور، فإن «النظام السياسي يقوم على الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة، على الوجه المبين في الدستور»؛ لذلك كان من الطبيعي أن يتوجه المحامي المصري «خالد علي» مرشح الانتخابات الرئاسية السابق، إلى رفع دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير؛ لأنها تختص دون غيرها بالنظر في النزاعات الإدارية، واتفاقية ترسيم الحدود تدخل تحت نطاقها؛ لأنه لا يمكن لأي محكمة في مصر أن تنظر ذلك النوع من القضايا سواها.

 

ويجب التوضيح أن المحكمة اعتمدت في حُكمها بالبحث في مشروعية التوقيع على الاتفاقية، والحُكم عليها من خلال الرجوع إلى صحتها الدستورية والقانونية، دون الاعتماد على مشروعية القرار نفسه وأخلاقياته؛ لذلك قضت حكمها الأول في يونيو (حزيران) عام 2016، أولًا بـ«اختصاصها ولائيًّا وحقها في نظر الدعوى»؛ لأن الحكومة قامت بافتعال أزمة «تنازع اختصاص» بدعوى أن الاتفاقية ليست من أعمال السيادة لذلك فـ«الإدارية ليست جهة اختصاص» للحُكم؛ لذلك جاءت حيثيات المستشار يحيى الدكروري، رئيس محكمة القضاء الإداري، رافضة لكل تلك الادعاءات.

وجاء الردُ كما ثبت في أوراق المحكمة أنّ «سُلطة الحكومة ليست سلطة مُطلقة، وإنما هي سلطة مقيدة، وأنه لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تتمسك بأعمال السيادة متى وقعت فيها مخالفة دستورية، ولا يحجب ذلك اختصاص محاكم مجلس الدولة في نظرها لرقابة المشروعية على أعمال الإدارة»، كما أعلنت أن نص المادة (151) من الدستور الحالي تحتوي على المزيد من الضوابط والقيود الصارمة على السلطة التنفيذية في مجال إبرام المعاهدات، والتي لم تكن تتوافر في الدساتير السابقة؛ لذلك قضت باستمرار تبعية الجزيرتين للسيادة المصرية. لقراءة حيثيات بطلان الاتفاقية كاملة اضغط هنا.

ويجب التوضيح أنّ هذا الحُكم ليس أول صدام لمحكمة القضاء الإداري مع الحكومة؛ فقد سبق للمحكمة في عام 2007، أن أوقفت تنفيذ قرار رئيس الجمهورية بوصفه الحاكم العسكري، بإحالة 40 من المعارضة إلى المحاكمة العسكرية، كما أنها في عام 2011، رفضت حجب المواقع الإلكترونية، بدعوى أن الدستور كفل حرية الرأي والتعبير.

جديرٌ بالذكر أنه بعد بطلان الاتفاقية لم تقم الحكومة المصرية بالإفراج عن المُعتقلين الذين تظاهروا في «جمعة الأرض» التي حدثت في 25 أبريل (نيسان) 2016؛ لرفض تسليم الجزيرتين للسعودية، إذ حُكم على 101 شاب بالسجن خمس سنوات مع تغريم كل منهم مبلغ 100 ألف جنيه، بينما حُكم على 51 آخرين بالسجن مدة عامين، ومنعت المحكمة وسائل الإعلام من تغطية وقائع جلسة النطق بالحكم، ويعتبر هذا الحُكم غير دستوري؛ طبقًا للمبدأ القانوني «لا يجب أن تتعارض أحكام القضاء»، إضافة إلى تعارضه مع المواد الرابعة والسادسة، والمواد من 94 إلى 99، كما أنه لا يتفق مع المادة 190 التي تقول «مجلس الدولة جهة مختصة مستقلة لا يجوز التدخل في عملها».

اقرأ أيضًا: القضاء الإداري المصري: تيران وصنافير مصريتان

الحكومة تتجاهل أحكام القضاة.. ثمانية خروقات دستورية

سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، ضمان أساسي لحماية الحقوق والحريات. *المادة 94 من الدستور المصري

والنظام المصري الذي أخفى الاتفاقية ثمانية أشهر، سارع للطعن على حُكم محكمة القضاء الإداري، بعد يومٍ واحد فقط من رفض الاتفاقية؛ ففي 22 يونيو (حزيران) عام 2016، اختصم أمام هيئة قضايا الدولة وكيلًا عن كل من «رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، والداخلية»، بصفتهم القانونية للطعن أمام المحكمة الإدارية العليا، لإلغاء الحكم، والدعوى مُجددًا بعدم الاختصاص، وهذه هي الخطوة الدستورية الوحيدة التي قام بها النظام المصري حتى الآن، في رحلة «تيران وصنافير».

والمثير للانتباه، أن هيئة قضايا الدولة اختصمت في دعوتها إلى «نفس المواد» الدستورية التي بَنتْ عليها محكمة القضاء الإداري رفضها للاتفاقية، بخصوص المادة 51، إذ ترى الحكومة أن الاتفاقية من أعمال السيادة، لذلك لا يجب أن تنظرها المحكمة التي تستند على تلك المادة في إثبات أن الاتفاقية من أعمال الحُكم، إضافة إلى أن تنازل الحكومة عن الجزيرتين يجعلها أحق بالدعوى. وهذا يُعيدنا إلى قضية مبارك؛ فالأدلة التي حصل عليها بالمؤبد هي نفسها التي كانت سبب براءته، ويجب التوضيح أن أزمة «تنازع الاختصاص» في تلك الاتفاقية، سببها أنه يوجد مواد بالدستور «مطاطية» لا توجد لها نصوص تُقيدها؛ ومنها أعمال السيادة، والجرائم المُخلّة بالشرف؛ وهو ما ساعد الحكومة أكثر في الاستفادة من المواد «الفضفاضة»، وتجاهل أحكام القضاء، والتلاعب بالدستور.

وإمعانًا في أزمة «تنازع الاختصاص» أصدرت محكمة الأمور المستعجلة حُكمًا يقضي باستمرار اتفاقية تعيين الحدود؛ ويجب التوضيح أن الحُكم لا يُعتد به، لأنه لا يوجد مبرر قانوني أو دستوري يجعل المحكمة تنظر القضية. لقراءة حيثيات الحُكم كاملة اضغط هنا.

اقرأ أيضًا: «ستراتفور»: المجلس العسكري نصح «السيسي» بعدم التخلي عن الجزيرتين

والحكومة قامت بتجاهل المحكمة الإدارية العليا، ووافقت في 29 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، على تمرير القانون للبرلمان، عقب إصدار قانون الطوارئ، تمهيدًا للتصويت عليه، بالرغم من استئناف نظر القضية، وهذا مخالف للمادة 97 الخاصة بعدم جواز إهانة أحكام القضاء، وهي «التقاضى حق مصون، ويحظر تحصين أيّ عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء»، والمادة 167 الخاصة باختصاصات الحكومة، إضافة للمادة 99 «الاعتداء على الحقوق جريمة لا تسقط بالتقادم». وبعدها بأسبوعين أصدرت الإدارية العُليا، حُكمًا نهائيًّا غير قابل للطعن يقضي برفض الطعن المقام من هيئة قضايا الدولة، ممثلة عن رئاسة الجمهورية والحكومة، وتأييد الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، كما أنها كشفت أن الحكومة لم تقدم ما يثبت ملكية السعودية للجزر. والحكومة التي امتنعت عن تنفيذ حكم قضائي، وهذا مخالف أيضًا للدستور، قامت بإشراك البرلمان في أزمة «اشتباك السُلطات». لقراءة حيثيات حكم الإدارية العُليا كاملًا اضغط هنا.

4- البرلمان ينتهك 16 مادة دستورية

السلطة القضائية مستقلة، والتدخل فى شئون العدالة أو القضايا، جريمة لا تسقط بالتقادم. *المادة 184

يحتكر البرلمان النصيب الأكبر من المخالفات الدستورية، رغم أنه ليس الخصم الرئيسي؛ إلا أن مناقشته للاتفاقية في ظل وجود حُكم قضائي يُعرّضه لخطر الحلّ، والدعوى مُقامة بالفعل وتنظرها محكمة القضاء الإداري، كما أن مناقشة البرلمان للاتفاقية تخلُّ بمبدأ «الفصل بين السُلطات»، وتخالف 16 مادة دستورية أخرى بداية من المادة 94 وحتى المادة 100، وكذلك من المواد 184 وحتى المادة 199 الخاصة باستقلال القضاء.

ويستند البرلمان في مناقشته للاتفاقية على الحق الدستوري للمادة 51، التي تنص على فقرة: «ويُصدّق عليها بعد موافقة مجلس النواب»، إلا أنّ المفاجأة أن الاتفاقية تخالف اللائحة الداخلية للمجلس؛ إذ تنص المادة 197 على أن «يُبلغ رئيس الجمهورية المُعاهدات التي يبرمها إلى رئيس المجلس»، لكن الذي قام بتبليغها هو رئيس الوزراء مرة أخرى؛ وهو ما يجعلها مُخالفة للدستور.

 

وقد سبق لرئيس المجلس أن قال: «إن البرلمان لن يعتدَّ بأحكام القضاء»، وتلك مخالفة صريحة من أستاذ القانون، وتهمتها التدخل في شئون العدالة، وإهانة القضاء، والامتناع عن تنفيذ حُكم قضائي. والبعض يتساءل كيف أن «علي عبد العال» كان طرفًا في الطعن على حُكم محكمة القضاء الإداري أمام الإدارية العُليا، ثم يُعلن أنه لن يأخذ بأحكام القضاء؟

ويوجد ثلاثة سيناريوهات أخيرة تحت قبة البرلمان، فأولها: الانحياز للحكومة والإعلان أن الاتفاقية لا تخص عملًا من أعمال السيادة، وبذلك تُرفع للتصويت، وفي الحالتين سيكون الحُكم مخالفًا للدستور، لأنه يتعارض مع الإدارية العُليا، ويعرِّض المجلس للحل.

وثانيها: أن يقف البرلمان في منتصف الطريق؛ فيُعلن أن الاتفاقية تخصُّ عملًا من أعمال السيادة؛ أي أنه لا يمكن للحكومة التنازل عنها منفردة، ثم تُعرض في استفتاء شعبي لتقرير تسليمها للسعودية من عدمه، وآخرها: ما تنتظره بعض القوى المدنية من إعلان المجلس أن الاتفاقية تخالف أحكام الدستور؛ مما يُمهد الطريق لرفضها.

اقرأ أيضًا: كيف رسخ البرلمان صلاحيات السيسي؟ 6 قوانين تشرح لك

وتعتبر المحكمة الدستورية العليا هي آخر محطات قضية «تيران وصنافير»، والحكومة أقامت أمامها دعوتين لبحث تَنازعات الاختصاص، وسبق أن ذكرنا أن الحُكم يعتمد على تعريف المحكمة لأعمال السيادة، وقد تحكم هي نفسها بدعوى عدم الاختصاص، فتعيدها إلى المحكمة الإدارية، فتكون حكومة السيسي مُجبرة على تنفيذ الحُكم، ولا أحد يعلمُ السيناريوهات الأخرى لقصة أصعب قضية قانونية في تاريخ مصر.

يمكنك اكتشاف المزيد من الانتهاكات الدستور عبر الاطلاع على رابط الدستور المصري من هنا.

هل يوجد حل «ثغرة دستورية» لوقف الاتفاقية؟

الثغرات التي كانت سبيل النظام لتحقيق أهدافه، يمكن أن تكون لها نتائج كارثية؛ فالمعروف حتى الآن أن تَكتل «25- 30» يعارض وحده تمرير الاتفاقية بقوة 113 نائبًا من أصل 450 نائبًا، مما يعني أن الانتصار حلمٌ بعيد، إلا أن المادة 102 تقول «لا يصح تكوين المجلس بعدد أعضاء أقل من 450 عضوًا»، ويقول أحد الفقهاء الدستوريين إنه لو تقدم الـ 102 معارض باستقالاتهم، فإن هذا من شأنه أن يجعل البرلمان غير دستوري لتمرير الاتفاقية، فهل يمكن أن يحدث هذا؟ خاصةً بعدما أقرت اللجنة التشريعية الاتفاقية قبل قليل؟

اقرأ أيضًا: درس في «الثغرات القانونية».. كيف حصل نظام مبارك على البراءة؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد