كان النظام الملكي القائم على حكم الفرد الواحد المختار عن طريق الوراثة أو التعيين، هو السائد في تاريخ العالم قبل قرنين من عصرنا اليوم

كان النظام الملكي القائم على حكم الفرد الواحد المختار عن طريق الوراثة أو التعيين، هو السائد في تاريخ العالم قبل قرنين من عصرنا اليوم، إلا أن بروز الأفكار التحررية الراغبة في السيادة الشعبية، قاد إلى الإطاحة بها واستبدالها بالجمهوريات.

لكن هذا المصير لم يسر على جميع الملكيات، إذ تمكن بعضها من التكيف مع السياق الديموقراطي على شكل ملكيات برلمانية لدى مجموعة من الدول، حيث يرمز فيها الملك ولا يسود، في حين استمرت بشكلها التقليدي ببلدان أخرى.

وتجسد تجربة كل من إسبانيا وبريطانيا والسويد نماذج من الملكيات المتحوّلة إلى النظام الملكي البرلماني، فما هي إذن صيرورة هذا التحول في نظام الحكم لهذه البلدان؟

إسبانيا

مرَّ نظام الحكم في إسبانيا بمراحل متعددة على مدار القرنين الماضيين، عرف خلالهما الكثير من التطورات والصراعات، حتى أصبحت إسبانيا اليوم تتبنى الملكية البرلمانية في نظامها السياسي.

كانت إسبانيا تعرف حكمًا ملكيًا مطلقًا ممتدًا في جذور التاريخ. ويشير دستور 1869 في مادته 37 على أن نظام الحكم في الدولة هو الملكية، وأن شخص الملك ينبغي تعيينه من طرف البرلمان، ومن ثم تم استُقدم سليل العائلة الملكية، أماديو سابويا، الابن الذكر الثاني لفيكتور مانويل الثاني الإيطالي.

لم يصمد الملك طويلًا، إذ رُفض لكونه أجنبيًا من قبل رجال الدين والأرستقراطيين والمعادين للملكية، وانتهى به المطاف إلى تعرضه لمحاولة اغتيال، مما دفعه إلى تقديم استقالته سنة 1873. لتغدو إسبانيا جمهورية بعد تصويت البرلمان بـالموافقة 258 صوتًا ضد 32 صوتًا.

لكن الجمهورية لم تعمر طويلًا، إذ لم تكتمل السنة حتى قام المحافظون بانقلاب سنة 1874 على يد الجنرال «بافيا»، الذي حل البرلمان، وأعاد من جديد النظام الملكي المطلق في إسبانيا.

لكن سرعان ما استجمع الثوريون والجمهوريون قواهم، وأعلنوا مرة ثانية قيام الجمهورية سنة 1931، بعد تصويت الأغلبية البرلمانية لصالح إلغاء نظام الحكم الملكي، ثم أٌجبر الملك ألفونسو الثالث عشر على الذهاب إلى المنفى بروما.

وفي خلال الست سنوات التالية، ساد التوتر السياسي بين اليساريين واليمينيين، وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، مما زاد الاحتقان الشعبي، الأمر الذي استغله الجنرال فرانسيسكو فرانكو، وأعلن انقلابًا على الجبهة الشعبية اليسارية الفائزة في انتخابات 1936.

استقدم فرانكو حينها آلاف الضباط والجنود المغاربة في منطقة الشمال، الواقعة تحت الاستعمار الإسباني آنذاك، وشكَّل جيشًا بالتحالف مع المحافظين، ثم دخلت إسبانيا في حرب أهلية طاحنة، راح ضحيتها نصف مليون شخص، انتهت بسحق جيش فرانكو للحركات الشيوعية والاشتراكية، ليتولى فرانكو حكم البلاد.

تحولت إسبانيا في حقبة الجنرال فرانكو إلى دولة دكتاتورية، يعمها الفساد والاستبداد، تنهج أجهزتها البوليسية سياسة الحديد والنار للقضاء على أي معارضة مناوئة لها، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو شعبية، فشاع التعذيب والاغتيالات ومعسكرات الاعتقال. وانتهت هذه الفترة المظلمة في تاريخ إسبانيا مع وفاة فرانكو سنة 1975، ليُعلَن الملك خوان كارلوس ملكًا على إسبانيا.

باشر الملك خوان كارلوس مجموعة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية، توجت بدستور 1978، الذي فتح الحياة السياسية على مصراعيها، ومهَّد للملكية البرلمانية، كما أخرج الملك كارلوس إسبانيا من عزلتها السياسية، وقادها إلى الاندماج مع السوق الأوروبية سنة 1986. ومنذئذ شقت إسبانيا طريقها سريعًا نحو الديموقراطية والتنمية.

بريطانيا

توسم بريطانيا بكونها أعرق الديموقراطيات في العالم، إذ عرفت الأهمية البارزة للبرلمان في نسقها السياسي منذ مدة طويلة، لكنها في نفس الوقت لا تزال تحتفظ برمزية التاج الملكي في نظام الحكم.

وتعود جذور نظام الملكية البرلمانية في بريطانيا إلى بدايات القرن الثالث عشر، عندما أرغم الثوار والأرستقراطيون الملك جون على توقيع بيان قانوني، سمي بالعهد العظيم، سنة 1215. وقد مثَّل هذا البيان الإرهاصات الأولية لظهور الدساتير فيما بعد، حيث احتوت مواده على بعض ركائز النظام الديموقراطي، مثل تقييد صلاحيات الملك (الوثيقة 63)، وحماية المواطنين من تعسف السلطة (الوثيقة 39)، وحرية الدين والتنقل (42).

وتشكل أول برلمان بريطاني سنة 1326، متكون من مجلسين هما مجلس اللوردات (التابع للملك) ومجلس العموم (المنتخبين)، إلا أنه كان محدود الأهمية، بحكم أن معظم السلطات كانت لا تزال متجمعة في يد الملك.

لكن مع مجيء عصر الأنوار، خلال القرن الخامس عشر والسادس عشر، برز عدد من المفكرين البريطانيين، مثل توماس هوبس، وكانط، وجون لوك ، الذين روجوا لأفكار العقد الاجتماعي والقانون والسيادة الشعبية والحرية والمساواة، وشجعوا على انتقاد السلطة، الأمر الذي كان له تأثير عميق في تفكير الناس.

لذلك انتفض الشعب ضد حكم الملك تشارلز الأول، واندلعت حرب أهلية سنة 1946، انتهت بمحاكمة الملك بتهمة الخيانة، وإعدامه سنة 1649، ليتخذ البرلمان قراره التاريخي، الذي جاء فيه، أن «الشعب مصدر السلطات»، وأن «ممثلي الشعب المختارين من قبل الشعب لتمثيله هم الذين يملكون زمام السلطة في الدولة».

وجاء فيه أيضًا أن «كل ما يتخذه مجلس العموم من قرارات له قوة القانون، كما لو أقرته الأمة بأسرها سواء اقترنت بموافقة الملك أم مجلس اللوردات أم لم تقترن»، وأن «الحكم الفردي المطلق من قبل الملك أو غيره يرهق كاهل الأمة».

واستمرت بعد ذلك محاولات أنصار الملكية ومجلس اللورد لاسترجاع سلطة الملك، إلا أن إصرار الطبقة الأرستقراطية على التحرر الكامل، قادها إلى ثورة سنة 1989، أثمرت مرسوم حقوق، أنهى بقايا صلاحيات الملك السياسية، وفصل السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية، مثلما أرسى حرية التفكير والتعبير والنشر.

وبانطلاق الثورة الصناعية وشيوع الأفكار التنويرية خلال القرن الثامن عشر والتاسع، توسعت الحريات، ونالت الطبقات الشعبية مزيدًا من الحقوق، كما تزايد دور مجلس العموم، الذي سيصبح مركز نظام الحكم في بريطانيا، وبالمقابل تراجع أهمية الملك ومجلس اللورد في العملية السياسية.

السويد

تتبنى السويد، الرائدة في مؤشرات التنمية والديموقراطية، الملكية الدستورية، حيث لا يملك الملك صلاحيات سوى القيام بالمراسم الرسمية الاحتفالية، ويحمل عرشها اليوم الملك كارل غوستاف السادس عشر.

ويعود الحكم الملكي في السويد إلى القرن العاشر ميلادي، لكنه كان حكمًا مطلقًا، وظهر لأول مرة مصطلح ريكسداج (البرلمان) لأول مرة في أربعينيات القرن السادس عشر، مع العلم أن أولى الجلسات التي شارك فيها ممثلون من مختلف الفئات الاجتماعية لمناقشة شؤون البلاد، جرت في أوائل 1435 في بلدة أربوجا.

في سنة 1544، استدعى الملك جوستاف فاسا ممثلي الشعب من الطبقات الأربعة (رجال الدين وطبقة النبلاء وسكان المدن والفلاحون) للمرة الأولى، وتقاسم الملك بعدها صلاحيات السلطة التنفيذية مع مجلس النبلاء حتى عام 1680، ليعقبها فترة من الحكم الملكي المطلق.

بيد أن البرلمان عاد ثانية سنة 1719 بعد هزيمة حرب الشمال العظمى، وعلى مدى العقود الموالية حدثت تغيرات متلاحقة، أفضت إلى تخفيف صلاحيات الملك على ثلاثة مراحل من الملكية الدستورية، في 1772 و1789 وفي عام 1809.

إلى أن تحولت البلاد سنة 1866 إلى ملكية دستورية كاملة، يأخذ فيها الملك دورًا رمزيًا احتفاليًّا، فيما يضطلع ريكسداج (البرلمان) بالسلطات التشريعية والتنفيذية، وهو على شكل غرفتين، ينتخب المجلس الأول في صورة غير مباشرة من قبل الحكومات المحلية، أما المجلس الثاني فينتخب انتخابًا مباشرًا في انتخابات وطنية كل أربع سنوات، قبل أن يصبح غرفة واحدة سنة 1971.

وأجبر ضعف الأداء الاقتصادي السويد في بداية التسعينات، على إدخال تعديلات في نظامها السياسي، لتصبح أكثر شبهًا بالبلدان الأوروبية.

وتملك السويد تاريخيًّا سجلًا قويًّا للمشاركة الفعالة للطبقة العامة في الحياة السياسية، ولا تزال هذه السمة مستمرة إلى اليوم، من خلال بروزها في الساحة الدولية، على مستوى الحركات النسوية والحركات الملكية الفكرية والمبادرات الإنسانية التطوعية، كما أنها دائما ما تسجل نسبة مشاركة تصل %80 في المشاركة الانتخابية.

Espagne, Pays-Bas, Royaume-Uni : à quoi servent encore les monarchies ?

عرض التعليقات
تحميل المزيد