إجراءات عقابية وتعسفية متتالية، تتخذ من قبل السلطة الفلسطينية برام الله ضد سكان قطاع غزة، ربما لا يتوقع أحد أن تنتهي في القريب، فهناك إجراءات أسوأ مما مضى يتوقع المحللون أن تتخذ في حال استمر «تمرد إقليم قطاع غزة» كما يراه الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وتحت مسوغ الضغط على حركة «حماس» لتسليم الحكم في غزة إلى حكومة رام الله، بدأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إجراءاته باقتطاع 30% من رواتب الموظفين المستنكفين عن العمل في قطاع غزة، وعددهم أكثر من 60 ألفًا، كما قرر فرض الضرائب على وقود توليد الكهرباء في القطاع، ليأتي قرار تقليص التحويلات الطبية الخارجية بأكثر من 90% ويضع القطاع في كارثة إنسانية بحسب العديد من المراقبين، وقد سبقه حرمان ما يقارب من 250 أسير فلسطيني من رواتبهم الشهرية.

وفي ظل كل هذا، يحاول التقرير التالي مقاربة مدى قانونية الإجراءات العقابية المتخذة ضد قطاع غزة دون الضفة الغربية، وهل ترتقي هذه الإجراءات العقابية إلى مستوى «الجرائم العنصرية»؟

المرضى: «رهائن لدواع سياسية»

«حالة ابنتي تتدهور وحياتها مهددة، أذهب كل يوم إلى وزارة الصحة في غزة في محاولة للحصول على التحويلة الطبية. حاولت التواصل مع رام الله ولم أعد أعرف ماذا علي أن أفعل لكي تحصل ابنتي على علاجها في إسرائيل»، هذا ما قاله والد طفلة فلسطينية تدعى «عائشة المجدلاوي»، تبلغ من العمر 14 عامًا، و تعاني من مرض وعائي يؤثر على تدفق الدم إلى الكبد والطحال.

مرضى فلسطينيون على حواجز

في الواقع، كانت واحدة من أخطر إجراءات السلطة الفلسطينية ضد قطاع غزة، هي إيقاف التحويلات الطبية لمرضى غزة، ومنعهم من تلقي العلاج في الضفة الغربية والقدس وإسرائيل، وهو ما أدى إلى وفاة ما يقرب من 14 مريضًا كانوا في حاجة ماسة للتحويلات العلاجية، من بينهم عشرات الأطفال الخدج والمصابين بأمراض خطيرة، ليشكل ذلك اختراقًا لمبادئ حقوق الإنسان، إذ استخدموا كرهائن لأسباب ودواع سياسية.

وتذكر أرقام وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، أن 2500 مريض بحاجة إلى تحويلات خارجية شهرية، 90% من هؤلاء لم يحصلوا على التحويلات بعد قرار سلطة رام الله وقف التحويلات، وهو ما يعني بقاءهم في قطاع غزة الذي تعاني مستشفياته من ضعف الإمكانيات، فعلى سبيل المثال 90% من الخدمات الطبية التي يجب أن تقدم لمرضى السرطان غير متوفرة في قطاع غزة.

طفل يتلاقى العلاج في قطاع غزة

توجهنا إلى الناشط الحقوقي المهتم بملف مرضى غزة «ماجد الأقرع»، ليؤكد لنا على أن ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو العهدين الدوليين أو اتفاقية حقوق الطفل الدولية أو اتفاقيه جنيف الرابعة ينص على علاج المرضى والجرحى أثناء الحصار والحروب، وبالتالي فإن ما تقوم به السلطة الفلسطينية من منع للمرضى للخروج للعلاج هو أمر غير مشروع من الناحية القانونية والإنسانية.

وفيما يتعلق بالوضع الصحي الآن في قطاع غزة، يقول الأقرع: «الوضع الصحي حاليًا سيئ للغاية، وزارة الصحة في رام الله، ومنذ أكثر من ثلاثة أسابيع لم ترسل تغطيه مالية واحدة، وقد تم منع التنسيق لأي مريض إلا بعد الحصول على تغطية مالية، وهناك أكثر من 1800 مريض ينتظرون السفر للعلاج»، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «أعتقد أنه سيتم توقيف كافة عمل المراكز الصحية بقطاع غزة خاصة بعد نفاد كمية الأدوية من مخازن وزارة الصحة بغزة والمستودعات الخاصة، وربما يتم التوقف عن إجراء العمليات الجراحية نظرًا لعدم توفر الأدوية التي تستخدم بالعمليات. هناك وضع كارثي يعاني منه القطاع الصحي بغزة لا ينذر بخير»، ويطالب الأقرع المؤسسات الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر للتصدي لإجراءات السلطة.

من جانبها، تقول نائب رئيس اللجنة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، وسام جودة، أن: «إجراءات السلطة الفلسطينية بحق مرضى غزة بمثابة عقوبات جماعية غير أخلاقية وغير قانونية، وتخضع الحكومة للمساءلة بموجب الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها»، مضيفةً: «الحكومة الفلسطينية تتحمل المسؤولية قانونيًا جراء النتائج الكارثية لاستمرار الأزمات التي يعاني منها قطاع الصحة في غزة».

التقاعد المبكر إجباري

كان هناك ما يقارب 6145 موظفًا من قطاع غزة على رأس عملهم في قطاعات الصحة والتعليم وبعض الوزارات الحيوية الأخرى عندما اتخذت السلطة الفلسطينية في رام الله قرارًا بإحالتهم إلى التقاعد المبكر.

احتجاجات في غزة (المصدر: صحيفة الرسالة)

السلطة الفلسطينية التي وعدت بالعدول عن كافة إجراءاتها التي اتخذتها في حال «تراجعت حماس عن خطواتها الانفصالية» أرادت بهذا الإجراء إفراغ القطاعات الحكومية في قطاع غزة وزيادة أعبائها بتوفير موظفين آخرين تتولي حماس توفير رواتبهم، ناهيك عن أن القرار سيتسبب في خصم 30% من الرواتب المجتزأة مسبقًا لهؤلاء الموظفين، مما يعني أنهم سيحصلون على أقل من 50% من رواتبهم التي كانوا يتقاضونها قبل أبريل (نيسان) الماضي، عندما قررت السلطة خصم 30% من الراتب الأصلي.

يذهب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان «عصام يونس» إلى عدم قانونية الإحالة للتقاعد المبكر دون توفر شروط نص عليها القانون الفلسطيني، مستشهدًا بما ورد في قانون الخدمة المدنية من حصر ذلك بتنفيذ عقوبة أو بطلب من الموظف نفسه، حيث تم تعديل المادة (117) من القانون الأصلي لتصبح على النحو التالي: «يجوز لمجلس الوزراء أن يحيل أي موظف إلى التقاعد المبكر إذا أكمل خمس عشرة سنة خدمة مقبولة للتقاعد دون أن يخصم من مستحقاته الإلزامية»، وهو ما لا ينطبق على قرار السلطة الأخير، مما يعني عدم قانونية إحالة الموظفين للتقاعد المبكر.

أزمة الكهرباء تخنق غزة

ويعتبر «يونس» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن ما ارتكب هي مخالفات وتجاوز للقانون وعقاب جماعي على السكان، ويقول: «يجب تحييد الخدمات والمواطنين عن أي توظيف سياسي، هذه الإجراءات سوف تؤدي إلى زيادة تدهور الأوضاع الكارثية في القطاع، وذلك في الوقت الذي انتظر فيه القطاع ما يمكنه ويعزز صمود سكانه فهذه الخطوات سوف تزيد المعاناة وتساهم في تعميق الانقسام».

ويشدد «يونس» على أهمية إنهاء الانقسام ووقف هذا العبث الخطير بتاريخ ومستقبل شعب، ويختم بالقول: «لا بد من وقف كل الإجراءات التي اتخذت في غزة وفي الضفة والتي عمقت ولازالت تعمق الانقسام وأهمها هذه الإجراءات الأخيرة الخطيرة».

ممارسة العقاب الجماعي

يؤكد العديد من الحقوقيين أن الإجراءات التي تتخذ بحق قطاع غزة دون الضفة الغربية، بمثابة انتهاك لحقوق فئة محدد من الشعب الفلسطيني، ولذلك قال لنا الحقوقي الفلسطيني «ياسر عبد الغفور» أن: «ما تتخذه السلطة الفلسطينية بحق سكان قطاع غزة بمثابة إجراءات قائمة على التمييز بين الفئات والمواطنين، والإخلال بمبدأ المساواة وينطبق عليه بوضوح، التكييف القانوني للجرائم ضد الإنسانية.

احتجاجات ضد محمود عباس في غزة

وقد تسببت هذه الإجراءات التي يصفها «عبد الغفور» بـ«لاإنسانية» عمدًا في معاناة شديدة وأذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية والنفسية والاقتصادية، موضحًا: «أدت سياسة تقليص الكهرباء، والحرمان من التحويلات الطبية ومنع إدخال الأدوية أو تقليصها؛ إلى ممارسة عقاب جماعي ضد الشعب الفلسطيني في غزة بهدف تحقيق أغراض ومكتسبات سياسية».

يقول «عبد الغفور» لـ«ساسة بوست»: «ينطبق على تلك الإجراءات ثلاثة بنود مباشرة من البنود التي نصت عليها المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أولها، السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، إذ أن الإجراءات ضد غزة تحرم أهلها من الكثير من حقوقهم في الصحة والتعليم والعمل»، ويتابع: «البند الثاني يتعلق باضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية، أو متعلقة بنوع الجنس أو لأسباب أخرى من المسلم عالميًا بأن القانون الدولي لا يجيزها، وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة».

قطع أرزاق الأسرى

«17عامًا بين أسر وإبعاد وحرمان من لقاء الأهل لقطع الراتب بدون أي سبب ودون سابق إنذار، وهناك للأسف التزامات عديدة، وأطفال في أعناقنا، وحقوق للناس من إيجار للبيت وغيرها الكثير الكثير»، المحرر المبعد لغزة «نهاد أبو كشك» كتب التغريدة السابقة على صفحته بموقع التواصل (فيسبوك)، وتبعها بالعديد من التغريدات التي تظهر صدمته الكبيرة من اتخاذ السلطة الفلسطينية مؤخرًا قرار قطع رواتب العشرات من الأسرى المحررين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد وصل عددهم إلى أكثر من 250 أسير.

لافتة احتجاجية ضد قرار قطع رواتب الأسرى

هذا القرار الذي كان أيضًا مطلبًا ضمن جملة من المطالب الإسرائيلية والأمريكية للسلطة الفلسطينية تهدف للعودة إلى مفاوضات التسوية، شكل صفعة كبيرة للأسرى الفلسطينيين الذي قضوا سنوات من أعمارهم في الاعتقال، يقول الأسير السابق، ومدير مكتب إعلام الأسرى «عبد الرحمن شديد»: «قطع الرواتب إجراء لا قانوني ولا إنساني بحق الأشخاص الذين أمضوا حياتهم داخل سجون الاحتلال»، ويضيف: «الراتب حق مكفول وقانوني، ولن نستسلم لمثل هذا القرار، الأسرى المحررون سيحتجّون بشكل متواصل على قرار قطع رواتبهم حتّى استرجاع حقوقهم».

من جانبه، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي «فايز أبو شمالة» أن: «كل ما يمارسه عباس ضد سكان قطاع غزة، بما في ذلك جبي الضرائب عن طريق إسرائيل، وعدم الإنفاق منها على مواطني قطاع غزة، كل ذلك جرائم خيانة، وخنوع وتعاون كامل مع الاحتلال».

وفيما يتعلق بقرار قطع رواتب الأسرى يرى «أبو شمالة» أنه يأتي ضمن: «جرائم ضد الإنسان الباحث عن لقمة عيشه، وجرائم ضد الإنسان الباحث عن حريته»، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «قطع راتب الأسير جريمة بحق المجتمع ككل وبحق الأسرة بشكل خاص، وبحق الأسير نفسه الذي أمضى عشرات السنين خلف القضبان، هذه الجرائم تتم بالتنسيق مع المخابرات الإسرائيلية التي اشترطت قطع رواتب الأسرى المحررين ضمن صفقة وفاء الأحرار، فمنهم من اعتقلتهم في الضفة الغربية ومنهم من طلبت قطع أرزاقهم وإذا كان الأسير المحرر إنسانًا، فمن حقه على مجتمعه الحياة».

المصادر

تحميل المزيد