في كتاب «اسألني عن رحمي» أو «Ask me about my uterus» لآبي نورمان، وهو سيرة ذاتية تبحث فيها آبي عن السبب الذي يجعل الأطباء الذكور يكذّبون ألم النساء الجسدي، آبي كانت مصابة ببطانة الرحم المهاجرة، وهو مرض مُنهك يسبب آلامًا شديدة، بسبب نمو خلايا تشبه خلايا بطانة الرحم في الخارج، يسبب هذا المرض غزارة الحيض، وآلامًا شديدة أثناء ممارسة الجنس وبعده، وآلامًا أثناء التبول، عانت آبي طويلًا من التشخيص الخاطئ لمرضها، كان الأطباء يعتقدون في البداية أنها تعاني من مجرد التهابات في الجهاز التناسلي، ويخبرونها بأن تتناول مضادات حيوية، وتقول: «لم يأخذ الأطباء آلامي بجدية إلا عندما اصطحبت صديقها معها ليؤكد أنها تعاني من آلام أثناء ممارسة الجنس».


لماذا لا يستمع الأطباء للنساء؟

معاناة آبي لم تكن فقط بسبب المرض، معاناتها كانت لأن الأطباء لم يعتدوا بآلامها، وأرجعوها لأسباب نفسية؛ إذ تمتلك تاريخًا عائليًا من المرض النفسي، لم يصدّق الطبيب الألم إلا عندما أخبره رجل عن إحباطاته الجنسية.


في دراسة جرت عام 2011 بعنوان «A girl cries pain» أثبتت أنه لو اشتكى رجل وامرأة من مرض ما فإن الطبيب غالبًا سيوصي المريض الذكر بتناول مسكن، والمرأة بتناول مهدئ، ومع أن المرأة حساسة للألم أكثر من الرجل كما أثبتت الدراسات، لأنها تمتلك مستقبلات عصبية أكثر من الرجل، فإن شكواها من الألم عادةً ما تتخذ بجدية أقل من شكوى الرجل، وأنها نفسها المنبع أو هستيرية، وغير حقيقية.

التمييز الجندري للألم قد يكون قاتلًا أيضًا، سندرك ذلك عندما نعرف أن نسبة النساء اللاتي تفقدن حياتهن سنويًا، بسبب الذبحة الصدرية، أكبر من عدد الرجال، والسبب هو التشخيص الخاطئ، ذلك لأن هناك فروق جندرية بين الذبحة الصدرية عند الرجل والمرأة، هذه الحالة تُعرف طبيًا بـ«Yentl syndrome»نسبةً إلى فيلم «Yentl» الذي أنُتج عام 1983 بطولة باربرا ستراسنايد وهو قصة فتاة يهودية تخفت في زي رجل لتتلقى التعليم الديني، وقد استخدمت بيرناداين هيلي الطبيبة الأمريكية مصطلح «ينتل» لأول مرة عام 2001، لتلفت الانتباه للتشخيص الخاطئ ولنقص الرعاية التي تتلقاها النساء المصابات بالذبحة الصدرية.

قصة أخرى من قصص التمييز الجندري الطبي هي تلقي الأنثى للمسكنات في الطوارئ، المعروف في الطوارئ أن الطبيب يُعطي الرجل مسكنًا لألم البطن الحاد بعد 49 دقيقة، والمرأة بعد 65 دقيقة خوفًا من أن المسكن قد يغطي على أعراض مرض لم يكتشف.

جو فاسلر كاتب في موقع «ذي أتلانتك»، يحكي عن زوجته راشيل التي كانت تعاني من آلام رهيبة، سيعرف لاحقًا أنها مصابة بالتواء المبيض، في الطوارئ استقبل الأطباء والممرضات شكواها بالتهوين والاستخفاف، ولم تُعتبر حالتها طارئة، «وإنها تحدث كثيرًا»، وشُخصت حالتها بشكل خاطئ بأنها حصوات في الكلية، بعد ساعات وساعات من الانتظار للفحص، اكتشف الطاقم الطبي أن حالة راشيل طارئة فعلًا، وأنها لم تكن تبالغ في وصفها للألم. ليسلي جاميسون الروائية الأمريكية صاحبة دراسة بعنوان «ألم النساء الموحد»، وصديقة راشيل تحكي عن هذه الواقعة وتقول إنه عادةً ما يعتقد الأطباء أن النساء تهول إحساسها بالألم، وتوصف بالميلودرامية، وتقابل شكواها بجدية أقل وبسخرية في أحيان كثيرة.

هستيريا النساء

في الحرب العالمية الأولى انتشرت حالة صدمة بين الجنود تسمى «shell shock»، وصفها الأطباء بأنها حالة هيستيرية، حينها قال أحد الأطباء إنه لا علاج للتصرفات النسائية.

اتهام النساء بالمبالغة في الشكوى الجسدية أمام الطبيب في العيادة، أو في مستشفى الطوارئ، له جذور قديمة فله علاقة بالهستيريا وهو مرض ارتبط بالنساء كثيرًا، أول من شخّص مرض الهستيريا هو أبوقراط، واشتُقت كلمة هيستريا من كلمة رحم باللاتينية، أما جالين الطبيب الشهير كتب أن الهستيريا مرض يصيب النساء العاطفيات خصوصًا اللاتي تعانين من الحرمان الاجتماعي، عند العذراوات والأرامل والراهبات وقليلًا عند النساء المتزوجات.

كان هذا المرض شائعًا في العصر الفيكتوري، وفي عام 1859 زعم طبيب أن ربع نساء العالم يعانون من الهيستيريا، وقال إن أعراضه هي الشعور بالوهن، والعصبية، والأرق، وامتلاء البطن، العزوف عن الأكل وممارسة الجنس، والميل لاختلاق مشاكل؛ أعراض مختلفة كان التشخيص الدائم لها هو الهستيريا، ولأن جهاز رسم المخ لم يكن قد اختُرع بعد فكانت الهستيريا ماهي إلا مرض الصرع الذي يصيب الرجال والنساء أيضًا. الأطباء اعتقدوا حينها أن الحياة المعاصرة تسبب ضغطًا على النساء، يجعلهم عُرضة للعصبية، ويؤثر على الجهاز التناسلي، وعلاج الهستيريا تبعًا للأطباء حينها كان القضيب الصناعي. ظل الهستيريا مرضًا يُشخص به النساء بشكل خاطئ حتى عام 1950 حين حُذف من قائمة الأمراض النفسية.

نساء شُخصوا بالهستيريا، المصدر

خضوع الطب والعلم لوجهة نظر ذكورية وعدم الاعتداد بآلام النساء، يحتل فيها ماريون سيمز الطبيب الأمريكي، الذي يظهر اسمه في المراجع الطبية، الملقّب بأبو طب النساء الحديث فصلًا رئيسيًا، لوسي، وأناركا، وبيتسي، نعرفهم ولا نعرفهم ألقابهم، ولكن نعرف أنهم كانوا «عبيدًا» أجرى سيمز تجارب جراحية عليهم، واخترع سيمز المنظار المهبلي، وأوضاع الكشف المهبلي بناءً على هذه التجارب، نفّذ على أناركا وحدها 30 عملية والتي كانت مصابة بالناسور المثاني المهبلي، كلها بلا تخدير؛ لأنه كان يرى أن «السود» لا يشعرون بالألم، بنفس القدر الذي يشعر به البيض، هذه العمليات كانت تجري بلا تخدير، مع العلم أن التخدير كان متاحًا، لم يكن واسع الانتشار لكنه كان متاحًا، والقصة تقول إنه كان يرفض إعطاء مخدر للنساء السود فقط، بعدما نجح سيمز في علاج الناسور المثاني المهبلي بعد تجاربه على النساء المستعبدات، بدأ علاجه على النساء البيض. دار جدال واسعًا حول مدى أخلاقية تجارب سيمز، وعلى أثره جرى إزالة تمثاله الذي كان يقع في حديقة نيويورك.null


إزالة تمثال ماريون سيمز،
المصدر

طب الرجال.. حينما تنكرت طبيبة في صورة رجل!

التمييز لم يكن ضد المريضات فقط، كان أيضًا أو ربما نتيجة للتمييز ضد النساء في دراسة الطب؛ على الرغم من أن النساء اشتهرن دائمًا بتقديم الرعاية الطبيّة، وخاصةً الراهبات فقد كان الرجال «متسيدين» في دراسة الطب وممارسته لمدة عقود.

فيما كانت ميريت بتاح التي عاشت في مصر القديمة نحو 2700 عام قبل الميلاد، إحدى أوائل الأطباء والعلوم في العالم، لم تكن مهنة الطب موزعة بالتساوي بين الذكور والإناث في مصر القديمة، ولكن لم يتسن لأجونديس أول طبيبة في أثينا والتي عاشت في القرن الرابع قبل الميلاد، دراسة الطب إلا وهي متخفية في صورة ذَكر. لم تكن أجونديس الوحيدة التي تخفت في هيئة رجل لتدرس الطب، القطاع الطبي يعرف أيضًا حالة الطبيب جيمس بيري الأيرلندي الذي درس الطب، والتحق بالخدمة العسكرية، وعمل طبيبًا لعقود، ولكن كانت المفاجأة عند وفاته أن جيمس بيري كان امرأة تدعى مارجيت بكلي!

جيمس بيري، المصدر

ولم يكن الطريق أمام إليزابيث بلاكويل (1821-1910)، أول سيدة تمتهن الطب، وتدرسه بشكل شرعي في بريطانيا، سهلًا أبدًا، لكنها لم تضطر للتنكر في صورة ذكر، السيدة التي ولدت في بريستول في إنجلترا، في أسرة من ثمانية أفراد لأب معدم من «الكويكرز» واستطاعت دراسة الطب بعد الكثير من النضال الشخصي، ونضال النساء السابقات، درست في مدرسة طب أمريكية، ثم استغلت ثغرة في قانون التسجيل بالجامعات، والذي يسمح للنساء الأجنبيات الحاصلات على درجة في الطب بالدراسة، ومع إنها أحرزت إنجازات في دراسة الرعاية الصحية للحوامل، والولادة، إلا أن الجمعية الطبية الأمريكية حرمت النساء بعدها من التسجيل والدراسة.


إليزابيث بلاكويل،
المصدر

في إدنبرة كانت هناك محاذير مشابهة، واجهت صوفيا بلاك (1840-1912) التي درست الطب وسط تحرشات وممانعة وتمييز من الطلبة وضيق الفصول التعليمية، وبسبب التمييز ضدها لصالح زملائها سافرت صوفيا إلى برن في سويسرا لتكمل دراستها، لتحصل على شهادة في الطب.

شهد القرن التاسع عشر اكتشافات علمية وتقنية هائلة للطب الحديث، وشهد أيضًا استمرار لممارساته الذكورية، فقد كانت النساء تُستثنين من التدريب الطبي في الجامعات، اللازم للتمكن من الممارسة الطبية، هذا التمييز الجنسي كان يجري تأصيله بدعوى الفروق البيولوجية، مثال صارخ لذلك هو الطبيب إدوراد هاموند كلارك  في كتابة «الجنس في التعليم» الذي نُشر عام 1873 رأى أن التعليم العالي للنساء: «يضعفهم جسديًا ويسبب لهن تشوهات في المخ وصعوبة في الهضم وإمساك».

حدثت تغيرات شتى في المجتمع نتيجة صعود التيار النسوي الأول، وقانون التمكين عام 1875، والذي سمح بدراسة النساء في الجامعات البريطانية ولكن ذلك لم يمنع التمييز أيضًا، ظلت للجامعات سلطة الاختيار وفقًا لما تفضله. في عام 1874 أنشأت النساء الرائدات في دراسة الطب إليزابيث أندرسن وصوفيا بلاك أول مدرسة طبية بريطانية، لتعليم النساء الطب، هي الآن «Royal free hospital»، ثم عادت صوفيا بلاك إلى إدنبره لتؤسس مستشفى ومستوصف لرعاية النساء والأطفال في عام 1885.


تأسيس أول مدرسة للطب للنساء نتج عنه زيادة عدد النساء الدارسات للطب والممارسات له، في 1881 كانت هناك 25 طبيبة فقط في إنجلترا، وزاد العدد إلى 495 في 1911. حدثت تحولات اجتماعية أخرى ساهمت في تعزيز دراسة النساء ووضعهن عامةً في العمل، بعد قانون التعليم عام 1918 وقانون المساوة بين الجنسين عام 1919.

الحرب العالمية الأولى تكسر قيودًا على ممارسة النساء للطب

في الحرب العالمية الأولى تغيرت المعطيات كثيرًا، زاد الاحتياج للنساء العاملات بالقطاع الطبي، بسبب عجز الأطباء عن سداد احتياجات المصابين، في هذه الأثناء ازداد عدد النساء اللاتي أقبلن على تعلم الطب في بريطانيا. ليكفي احتياج العسكريين الذين يصابون في الحرب. مع أن محاذير تعلم النساء للطب كانت لم تزل موجودة، كانت هناك مدارس قليلة فقط هي المخولة بالسماح بذلك. بداية من عام 1915 سمحت بعض مستشفيات لندن بتدريب النساء، تحت الضغط الحكومي وضغط الحاجة، وبدأت بعض المدارس بالسماح لنسبة «معقولة» من النساء بدراسة الطب، تصل لنحو خُمس نسبة الطلاب، وكانت خطوة إيجابية نحو تمكين المرأة.


نساء تعملن في مستشفى في فرنسا،
المصد

رغم المكتسبات التي حصلت عليها المرأة من الحرب العالمية والحروب الشخصية، لكن ظلت هناك عراقيل تمنعها من العمل مثل قانون marriage bar أو منع المتزوجات والحوامل من العمل.

في الستينيات وحتى الثمانينيات حدثت تغيرات اجتماعية كثيرة، انتزعت المرأة بها حق المشاركة في سوق العمل، لا سيما الطب، بسبب قوانين المساواة وتشريعات ضد التمييز.

اليوم نسبة النساء اللاتي تدرسن الطب ارتفعت بمراحل عن العقود السابقة؛ فكما تشير الإحصائيات أن 60% من الأطباء تحت سن 35 عام نساء، وفي عام 2015 بلغت نسبة الطبيبات في لاتفيا 74.3%، كأعلى نسبة للطبيبات، وفي إستونيا 73.3% أصبحن قوة مؤثرة في المجتمعات الطبية التي يسيطر عليها الرجال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد