عن الأحداث الدرامية المروعة التي شهدتها مدينة بوسطن الأمريكية بولاية ماساتشوستس في 2013، يدور الفيلم المقتبس من أحداث حقيقية «Patriots Day» أو «يوم الوطنيين». ويحكي الفيلم قصة التفجيرات «الإرهابية» التي ضربت أكبر ماراثون سنوي يجري في المدينة، في أبريل (نيسان) من كل عام، ويشارك فيه آلاف من المواطنين الأمريكيين في الركض وممارسة رياضة الجري احتفالًا بالحياة والسلام والوحدة بين الشعب الأمريكي.

وكعادة الأمريكيين في توثيق كل كبيرة وصغيرة تجري في مجتمعهم لتظل حية وخالدة في وعي الأجيال الحالية والقادمة عبر أعمال فنية لا تقتصر فقط على الأفلام السينمائية، وإنما تتجاوز ذلك للروايات والأغاني والمعارض الفنية والكتب والأفلام الوثائقية؛ يروى فيلم «Patriots Day» الأحداث المؤسفة من وجهة نظر ضابط شرطة شارك في تأمين الماراثون قبل أن يجد نفسه فجأة في خضم الحدث الإرهابي محاطًا بالضحايا والدماء والأشلاء.

في عام 2007 وبعد خروج فيلمه «Shooter» ذكر الناقد الأمريكي الكبير الراحل «روجر إيبرت»، أن الممثل «مارك وولبيرج» لا يبدو بكامل تألقه إلا في الأفلام التي يشارك فيها وسط بطولة جماعية، وأن البطولة المطلقة لا تناسبه كثيرًا، وهو الدرس الذي تعلمه الممثل الشاب فيما بعد، وقدم عبر تطبيقه عمليًا أدوارًا هامّة منها دوره في فيلم مارتن سكورسيزي «The Departed» كشرطي فاسد أمام «ليوناردو دي كابريو» و«جاك نيكلسون»، وكذلك أدواره في جزئي الفيلم الكوميدي «Ted» بالمشاركة مع الممثل الكوميدي «سيث ماكفارلين»، وأيضًا فيلم «Pain & Gain» مع مجموعة من النجوم منهم «دوين جونسون» والممثل الأمريكي لبناني الأصل «توني شلهوب»، وفيلم «Four Brothers» مع «تيرانس هاوراد» و«شويتيل إيجيوفور».

وفي فيلم «Patriots Day» يعود وولبيرج للمشاركة بفعالية في بطولة جماعية تجمعه مع الممثلين الكبار «جون جودمان»، المشهور بأدائه الصوتي في فيلم الرسوم المتحركة «Monsters Inc.» لشخصية «James Sullivan»، و«كيفين بيكون»، نجم فيلم «Hollow Man»، و«جي كي سيمونز» الحائز على الأوسكار في دوره كأستاذ موسيقى قاسي في فيلم «Whiplash».

الذعر يضرب بوسطن

بعد مدة كبيرة في الخدمة في شرطة مدينة بوسطن، وبعد عدة إصابات في الركبة جعلت الحركة والمطاردات والعمل العنيف مرهقًا وصعبًا عليه، يستعد الشرطي تومي سوندرز (مارك وولبيرج) للانتقال لعمل مكتبي هادئ، إلا أن رئيس الشرطة، المفوض «إد ديفيس» (جون جودمان) يطلب منه العمل الميداني لمدة يوم واحد فقط إضافي لتأمين ماراثون الجري الذي يمتد لـ26 ميل (42 كيلومتر).

وفي يوم الحدث، الذي يحدد بالإثنين الثالث من شهر أبريل (نيسان) من كل عام كان الجو مشرقًا، والحدث يجري بشكل رائع وسط مشاركة 27 ألف عداء، ومشاهدة أكثر من نصف مليون شخص؛ ما يجعله واحدًا من أكبر الأحداث الرياضية مشاهدة على الإطلاق، قبل أن تحدث المفاجأة قرب الساعة الثالثة ظهرًا، وبجوار خط النهاية الخاص بالسباق، حيث انفجرت قنبلة بدوي شديد وتصاعد الدخان بشكل كثيف على الرصيف المخصص لمتابعة الحدث؛ مما تسبب في حالة ذعر واسعة.

يحاول توم مع زملائه استيعاب الموقف والوقوف على الخسائر، إلا أنه بعد الانفجار الأول بـ12 ثانية بالضبط، يفاجأ الجميع بانفجار آخر مروع. ووسط حالة الذهول التي أصابت العدائين والمشاهدين، يصدم تومي بحجم الخسارة، ثلاثة قتلى ضمنهم طفل صغير في الثامنة من العمر، وعشرات الجرحي على الأرض، ومن الإصابات التي تقع أغلبها في الأطراف السفلي للجرحى، وأيضًا من الأطراف المبتورة التي أطاح بها الإنفجار، يستنتج تومي أن القنبلتين قد زرعتا على مستوى سطح الأرض.

(المصدر: Collider.com)

تنقلب الأمور رأسًا على عقب في مدينة بوسطن، ويُوقف السباق، ويهرع عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بقيادة «ريتشارد ديسلوريس» (كيفين باكون) إلى موقع الحدث، حيث يفرض كردون أمني واسع، مع حظر للتجوال، وفحص فرق الطب الشرعي وتحقيقات مسرح الجريمة كل شبر محيط بمواقع التفجيرين، وكذلك كل كاميرا موضوعة أعلى مبنى في أي مكان محيط بالسباق، وكذلك تفريغ محتوى الهواتف النقالة للمشاهدين من صور ومقاطع فيديو، ويُساعد مفوض الشرطة إد ديفيس، ديسلوريس على إقامة مركز عمليات كبير في مخزن واسع للمدينة، بحيث تُجمع الأدلة فيه، وعمل رسم «كروكي» ضخم لمسرح الجريمة، واستضافة الفريق الكبير المكون من رجال شرطة ومحققين فيدراليين ومندوبين من مكتب العمدة؛ ليتمكن الجميع بأقصى سرعة من تحليل ما حدث بالضبط والوقوف على أسباب الجريمة، والحصول على قائمة بالمشتبه بهم.

(المصدر: collider.com)

البحث عن القبعة البيضاء

لا يمضى وقت طويل حتى يكتشف الفريق، عبر تحليل شرائط الفيديو، وجود شاب يرتدي قبعة بيضاء يتحرك وسط الجموع في موقع الحدث، وبينما الجميع ينظر يسارًا باتجاه العدائين القادمين من بعيد ناحية خط النهاية، نجد الشاب ينظر ويتحرك إلى اليمين وكأنه يغادر الموقع.

وبشكل مذهل وتعاون دقيق وسرعة عالية، تكشف كفاءة المؤسسات الأمريكية في التخطيط والتنفيذ والعمل الجماعي، يُوجّه باقي فريق العمل لتحليل باقي شرائط الفيديو؛ لتتبع مسار هذا الشاب الغامض، ولا يمضي وقت طويل حتى تُحدّد صورة متوسطة الجودة لوجهه، ولوجه شاب آخر أكبر سنًا يشتبه في تعاونه معه.

(المصدر: abcnews.com)

يقع العميل الفيدرالي الخاص ريتشارد تحت ضغط من مفوض الشرطة والعمدة، للإعلان عن صور المشتبه بهم، وطلب المساعدة من سكان بوسطن، للإدلاء بأية معلومات عن المشتبه بهم لتحديد شخصياتهم بدقة وأماكن إقامتهم، إلا أن ريتشارد الذي يتعامل بحرفية عالية لا مجال فيها للعواطف، ويحاول بقدر المستطاع رسم جميع السيناريوهات الممكنة والاستعداد لها؛ يرفض هذا الطلب ولو بشكل مؤقت؛ لأن المعلومات التي بين أيديهم لا تكفي للجزم بتورط الشابين في التفجير، ولأنه إذا ما أُعلن عن تلك المعلومات مبكرًا وعُثر على الشابين، فسوف يتلهمهما سكان بوسطن بلا رحمة، وقد تنشأ فوضى عارمة.

لكن شخصًا من الفريق يُسرّب المعلومات وصور المشتبه بهم لقناة «فوكس نيوز»، ويتلقى ريتشارد تنبيهًا من القناة أنه في حال عدم إذاعته الصور للرأي العام خلال 15 دقيقة، فسوف تقوم هي بذلك، ليجد العميل الفيدرالي نفسه في موقف لا يُحسد عليه، مُضطرًا للإذعان وإذاعة الصور، ثم لا تمضي دقائق إلا وقد أذاعت كافة شبكات التلفاز الأمريكية صور الشابين المشتبه بهما على شاشاتها.

يكتشف الشابين جوهر (19 عامًا) وأخيه الأكبر «تيمورلينك» (26 عامًا) أن الشرطة عثرت على خيط قوي سيقودها إليهما عاجلًا أو آجلًا، وبالتالي عليهما الهرب في أسرع وقت. الأخوان من أصل شيشاني، وقد هاجرا إلى الولايات المتحدة عام 2003، إذ يدرس الأول الطب، واستطاع الحصول على الجنسية الأمريكية، بينما يدرس الثاني الهندسة وتزوج من أمريكية بيضاء وأنجب منها طفلًا، ويصفهما الجيران بأنهما شابين هادئين اندمجا في المجتمع بشكل سريع وطبيعي، ولم يلاحظ أحد عليهما أي مؤشرات تدل على التطرف أو انضمامها لجماعة «إرهابية».

كان الشابان قد أعدا مجموعة كبيرة من القنابل المكونة من وعاء مليء بالمواد المتفجرة، ومحشو بالمسامير وشفرات الحلاقة؛ لإيقاع أكبر ضرر لأكبر قدر من الضحايا في نصف قطر واسع. وكانا يخططان لشن المزيد من الهجمات الإرهابية في مدينة نيويورك، تركا الزوجة والابن الصغير واستقلا سيارتهما للهروب.

بوسطن تحاصر «الإرهاب»

تحكم الشرطة قبضتها الأمنية على المدينة، ويُستعان بقوات الحرس الوطني لتمشيط المدينة بحثًا عن المشتبه بهما، ويُعلن حظر التجوال، وتُطلق الأحكام العرفية، وتُغلق الشركات والبنوك والمتاجر، ويُوجه السكان بضرورة الالتزام بالمكوث في بيوتهم وعدم الخروج إطلاقًا لأي سبب، والاستجابة والتعاون لإجراءات التفتيش التي ستشمل كل بقعة في المدينة.

تمضي باقي تفاصيل الفيلم للكشف عن أسرار وخطوات المطاردة بهدف الإيقاع بالأخوين، وقد استطاع المخرج بيتر برج الذي سبق وقدم فيلم «The Kingdom» عن أحداث إرهابية حقيقية أيضًا وقعت في المملكة العربية السعودية، عندما هُوجمت منشأة أمريكية في الرياض عام 2003، مُسفرًا عن مقتل تسعة أمريكيين.

واستطاع برج وضع المشاهد في جو من الإثارة والتوتر والتحفز لمعرفة الكيفية التي بها سيُمكن الوصول للمتهمين، وأيضًا عكس ببراعة جو الاصطفاف الوطني والتماسك العاطفي الذي جمع المواطنين الأمريكيين في هذه اللحظة المأساوية، وكذا الكيفية التي عبر بها المجتمع الأمريكي هذه الأزمة، وكيف تعافى منها، وكيف قام الرياضي الأمريكي الذي بترت قدمه بالاستبدال بها قدمًا صناعية، والمشاركة في الماراثون في العالم التالي وسط احتفاء واسع.

(المصدر: collider.com)

«لماذا؟»

لكن ما لم يحاول الفيلم التطرق إليه، وكان أحد أسباب النقد الذي وجه له لاحقًا، هو عدم مناقشة الأسباب الحقيقية التي دفعت شابين ناجحين في الدراسة والعمل، لجآ للمجتمع الأمريكي الذي يبدو أنّه أحسن استقبالهما، إلى تنفيذ هذه التفجيرات، وخاصة أن التحقيقات أثبتت أن أيًا منهما لا ينتمي لأية «تنظيمات إرهابية».

وعلى ما يبدو، فما حدث هو أن الشابين قد وقعا ضحيةً للتطرف الإلكتروني، واستغلت أزمة الهوية التي يمران بها، فالانتقال بين المجتمع المُحافظ إلى المجتمع المُنفتح بلا قيود، يضع المرء تحت ضغوط فكرية ونفسية، وقد يمر بلحظات من عدم الإحساس بالأمان النفسي والاجتماعي، التي غالبًا ما تلعب التنظيمات المتشددة على وترها عبر قنواتها الإلكترونية، وهو ما كشفت عنه التحقيقات من أن الشابين كانا يُتابعان مقاطع فيديو تبث موادًا «متطرفة».

وأشار نُقّاد الفيلم إلى أنه كان من الممكن أن يُلقي الفيلم الضوء على خطر «الإرهاب الإلكتروني»، لكن الفيلم كان مهتم أكثر بتسليط الضوء على وحدة الأمريكيين في أوقات الأزمات، وعن دور الشرطة الوطنية في حماية الشعب الأمريكي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد