القادة، الزعماء، هتلر وموسوليني وستالين وغيرهم كثيرون كانوا ديكتاتوريين بجدارة، قتلوا الملايين وعذبوا الملايين، لكنَّ الذي لن ينكره أحد أنَّ ألمانيا مثلًا كانت في فترة زاهية جدًا صناعيًا واقتصاديًا وقت زعامة هتلر لها، هذا لا يعني بالتحديد أنَّ هتلر كان جيدًا؛ لكنَّ الحقيقة تقول إنه قاد نهضة تختلف أو تتفق معها لكنها كانت نهضة صناعية مذهلة. في هذا التقرير نسرد قصص ثلاثة رجال من قادة الاستقلال لكنهم كانوا ديكتاتوريين كذلك ومستبدين لأقصى درجة.

مصطفى كمال أتاتورك: حارب الاستعمار وصار ديكتاتورًا

ربما أكثر الأشياء شهرةً عن أتاتورك أنهُ حارب “الدين”، منع الحجاب وأبطل الألقاب الدينية في تركيا، لقد علمن تركيا تمامًا وفصلها عن ثقافتها الإسلاميَّة. هذا هو موقف أغلب المسلمين والعرب من الرجل، لكنَّ التاريخ يحملُ في طياته ما هو أكبر من ذلك وأبعد. فقد حمى أتاتورك بلاده من الاستعمار، وأنقذها عبر حروب شرسة خاضها الشعب التركي تحت قيادته العسكرية الفذَّة.

بدأ أتاتورك بعد الحرب العالمية الأولى حربه ضد الاستعمار، الصورة عام 1919

بدأ أتاتورك بعد الحرب العالمية الأولى حربه ضد الاستعمار، الصورة عام 1919

كانت الدولة العثمانية تتداعى، خلال الحرب العالمية الأولى اشترك مصطفى كمال في الحرب متنقلًا بين الرتب العسكرية. بانتهاء الحرب العالمية الأولى خرجت الدولة العثمانية منهزمة، وخرج مصطفى كمال القائد العثماني الوحيد الذي لم تنل منهُ أي هزيمة خلال الحرب العالمية. ولأنَّ الدولة العثمانية مهزومة فقد “فرضت” عليها معاهدة سيفر المجحفة لها.

كان ستالين يعتبر أتاتورك فاشيًا بينما اعتبره هتلر وموسوليني شيوعيًا

بعد الحرب العالمية الأولى والهزيمة التي منيت بها الدولة العثمانية بدأ أتاتورك تجميع القوات من جديد وحشدها لحرب الاستقلال التي استمرت أربع سنوات (1919ـ 1923) بقيادة أتاتورك، كان أتاتورك يأمر جنوده:

لا آمركم بالقتال، آمركم بالموت، وأثناء ذلك سيتاح للكثير من الجنود أن يصلوا ليكملوا معركتنا.

“أتاتورك”

واستطاع أتاتورك أن يقود البلاد للاستقلال عبر سلسلة من الانتصارات التركية على اليونان وبريطانيا والأرمن وروسيا. يمكنك أن تعتقد أن هذه المعلومات محض خيال، لكنها حقيقية. أتاتورك لم يهزم في معركة عسكرية قط في حياته. ألغى أتاتورك الخلافة تمامًا بموجب معاهدة لوزان 1923 وأصبح رئيسًا لتركيا الحديثة.

أثناء رئاسته حارب أتاتورك مظاهر التدين بشكلٍ واضح، كان معروفًا بحبِّه للخمر، منع الحجاب والألقاب الدينية كما منع اللغة العربية تمامًا من الدواوين واعتبر التركية اللغة الرسمية للدوية، لقد خلق خصومة كاملة مع الدولة العثمانية وما تمثله. يمكن للجميع أن يقولوا هذا لكنهم لا يستطيعون أن ينكروا أن أتاتورك هو محرر تركيا من الاستعمار والمؤسس الحقيقي لدولة تركيا الحديثة. عانت تركيا خلال عهده من مظاهر ديكتاتورية له، وكذلك من بعده بسبب وضع المؤسسة العسكرية الخاص جدًا. لكنَّه كان قائد الاستقلال ومؤسس تركيا الحديثة. توفي أتاتورك عام 1938 بعد صراع مع المرض.

” طيار تركي يقبل يد أتاتورك”

الحبيب بورقيبة: شبيه “أتاتورك” في تونس

ربما لأنَّهُ كان يشبههُ في بعض ملامحه وعينيه الملونتين، اعتبر كشبيه لأتاتورك. لكنَّ مسافات الشبه بينهما كانت أكبر من ذلك، إذا ذُكر وضع المرأة في تركيا وفي تونس وتحررهما فيذكر للوهلة الأولى مصطفى كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة، وإذا ذكرت الدولة الحديثة في كلا البلدين ذكر كذلك أتاتورك والحبيب بورقيبة، وإذا ذكر الاستقلال ذكر كلاهما أيضًا. لكنَّ الفارق بينهما أيضًا كبير؛ فالحروب والانتصارات التي خاضها أتاتورك من أجل الاستقلال لم يخضها تقريبًا زعيم معاصر في المنطقة. لكن على كلٍ يبقى بورقيبة قائد الاستقلال الوطني التونسي بلا شكّ.

” بورقيبة 1950″

“هو أكثر من رئيس وأكبر من عاهل بكثير” هكذا وصفه صاحب كتاب بورقيبة سيرة شبه محرمة. بدأ بورقيبة حياته محاميًا في تونس بعدما نال البكالوريوس من فرنسا، لكنه سرعان من انخرطَ في العمل السياسي، وبدأ نضاله ضد الاستعمار الفرنسي لتونس. عام 1952 كان نجمه السياسي في تصاعد فأعلن أنَّ التونسيين لا يثقون في فرنسا وبذلك التصريح بدأت الثورة المسلحة في تونس على الاستعمار. اعتقل بورقيبة هو وبعض رفاقه لكنَّ الاستعمار جلس على مائدة المفاوضات معه بالنهاية. وعندما عاد إلى تونس هذه المرة استُقبل باعتباره بطلًا قوميًا لتونس. استطاع بورقيبة أن ينتزع استقلالًا داخليًا لتونس وأعلن الدولة التونسية. عام 1957 ألغى الملكية وأعلن نفسه الرئيس الأول لتونس ليستمر في حكمه ثلاثين عامًا.

قضى بورقيبة على معارضيه وخصومه، بما فيهم رفاقه في الكفاح والاستقلال، واغتيل رفيقه صالح بن يوسف في ألمانيا عام 1961 وقد اتهم النظام في اغتياله.

استطاع بورقيبة أن يعدل في الدستور وأتاح لنفسه بذلك رئاسة الدولة مدى الحياة! عرف بورقيبة كما عرف أتاتورك بحربه على المؤسسات الدينية التقليدية، ومن المشهور عن بورقيبة أنه طالب العمال بالإفطار في رمضان لأنَّ بناء الدولة والأمة التونسية أهم. حظر تعدد الزوجات وسمح بالتبني وأغلق المحاكم الشرعية، لكنَّه رغم كل هذا يظل قائد الاستقلال التونسي.

“بورقيبة عام 1986”

لم يكن بورقيبة يحمل أيديولوجيا معينة أو توجهًا اقتصاديًا أو سياسيًا معينًا، فقد تبنى الاشتراكية في بداياته ولكنَّ نظامه انتهى بالليبرالية الاقتصادية والحكم الفردي المطلق. لكنَّ رجل الاستقلال كان على موعد مع انقلاب من قبل رئيس وزرائه زين العابدين بن علي عام 1987 عندما وضع بورقيبة البالغ من العمر 84 عامًا تحت الإقامة الجبرية ومنع الإعلام من التعامل معه. كانت هذه ضربة قاضية لبورقيبة، الذي توفي عام 2000 وحسب تقارير عديدة فإنَّ بورقيبة قد اشتكى مرارًا من الإقامة الجبرية وهو فوق الثمانين. توفي بورقيبة عام 2000 عن 97 عامًا، ليظلّ في الذاكرة التونسية قائد الاستقلال والرجل الذي علمنها تمامًا، وكانت له عدة تصرفات غير “محسوبة”.

الانقلاب على بورقيبة:


 

جمال عبد النَّاصر: “ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد”

لقد قام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بتأسيس الديكتاتورية والحكم العسكري في مصر. هذه هي الحقيقة التي لن يستطيع أن ينكرها مؤيدوه. الحقيقة الأخرى التي لن يستطيع أن ينكرها معارضوه أنَّهُ أسس دولة صناعية لكنها سرعان ما انتهت. الرئيس الذي وصل عبر انقلاب أبيض سُمي بعد ذلك بـ”ثورة يوليو” وصل أيضًا عبر الانقلاب على قائده اللواء محمد نجيب. أشهر المجازر التي ارتكبت في عهد عبد الناصر كانت من نصيب الإخوان المسلمين، معارضيه الرئيسيين. بالجملة كانت دولة عبد الناصر دولة القبضة الأمنية بامتياز. ما لن يغفره التاريخ أيضًا لدولة عبد الناصر الهزيمة الساحقة التي تلقاها على يد القوات الإسرائيلية عام 1967. لكن لنلقِ نظرة أخرى.

عبد الناصر

عبد الناصر


استطاع نظام ثورة يوليو أن يقضي على الإقطاع بشكلٍ عام، كذلك استطاع أن يقوم بإجلاء آخر جندي إنجليزي من الأراضي المصرية باتفاقية الجلاء عام 1954. منذ العام 1956 وحتى الهزيمة في 1967 كان الاقتصاد المصري يمر بفترة ذهبية، فقد دشن عبد الناصر مشروعًا صناعيًا كبيرًا، فبدأ بإنشاء المصانع وتنشيط التجارة الخارجية، ارتفع معدل الاستثمار من 12.5% من إجمالي الناتج المحلي إلى 17.8%. حقق الاقتصاد كذلك مستوى نمو 6% كما ارتفع مستوى الدخل للفرد بأكثر من 3% سنويًا. استطاع بالفعل هذا النظام أن يبدأ نهضة صناعية وعسكرية أيضًا حيث بدأت مصانع حلون تصنيع طائرات مصرية، لكنَّ كل هذه المشاريع لم يكتب لها الاستمرار. هزم الرئيس عبد الناصر عام 1967 وتوفي عام 1970 بينما وصل نائبه بمصر إلى معاهدة مع عدو عبد الناصر “إسرائيل” وحوَّل النظام الذي كان اشتراكيًا إلى نظام رأسمالي.

جمال عبد الناصر وأحد المسؤولين الروس في القاهرة

جمال عبد الناصر وأحد المسؤولين الروس في القاهرة


هذه كانت قصة ثلاثة زعماء وطنيين لكنهم كانوا ديكتاتوريين، قادوا الاستقلال واستبدوا بالحكم بعد ذلك، ليصبحوا مثالًا حيًا على قدر المتناقضات التي يزخر بها عالم السياسي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد