أعلن السبت عن فوز «بول كاغامي» لولايةٍ رئاسيةٍ جديدة بنسبة 99% من الأصوات، في إعلانٍ لم يفاجئ أحدًا من المتابعين سواءٌ في الداخل أو الخارج، ليضمن الرئيس كاغامي ولاية جديدة من سبع سنوات تنضاف إلى 17 عامًا من الحكم، رئيسًا دون منازع لرواندا، البلد الشرق الأفريقي الواقع في قلب منطقة البحيرات الكبرى.

وفيما اعتبر مراقبون أنّ فوز كاغامي لولايةٍ جديدة ليس سوى حلقةٍ أخرى من مسلسل الحكم المطلق لهذا الرئيس في هذا البلد القاري، يعتبر آخرون أن نجاح كاغامي هو نتيجة لقصة صعود صاروخي من لاجئ لأمير حرب لرئيس أحد أكثر اقتصادات أفريقيا نموًّا.

من لاجئ لأمير حرب أفريقي

كغيره من أبناء أقلية التوتسي، غادر الصغير بول كاغامي موطنه مع عائلته وهو بالكاد يتجاوز السنتين وذلك عقب استقلال رواندا وسيطرة الأغلبية المنتمية لقبائل الهوتو عن الحكم وبدء موجةٍ من الإضرابات العرقية أدّت لنزوح مئات الآلاف من الروانديين نحو الدول المجاورة لا سيما أوغندا وبوروندي.

هناك في المنفى الأوغندي سيحقِّق الصغير كاغامي علاماتٍ دراسيةً متميزة ستخوِّله لدخول مدرسة «نتاري» المرموقة، والتي فيها سيدرس إلى جانب عدد من رفاقه وحلفائه المستقبليين، على رأسهم «يوري موسيفيني»، رئيس أوغندا الحالي والذي وصل إلى الحكم عام 1986.

رواندا

الرئيس الأوغندي يوري موسيفني (يسار) والرئيس الرواندي بول كاغامي (يمين) درسا معًا في مدرسة ناتاري المرموقة، غير أن القدر كان يحمل لهما أكثر من الاشتراك في الدرس والفسحة.


وكعادة القادة الأفارقة خلال سبعينيات القرن الماضي، لم يظل بول كاغامي بعيدًا عن مشاكل المنطقة، إذ إنّ حليفه المستقبلي يوري موسيفيني كان يقود معارضة مسلحة من تنزانيا تهدف للإطاحة بحكم ديكتاتور أوغندا الشهير عيدي أمين.

حكم عيدي أمين أوغندا بين 1971 و1979، واشتهر خلالها ليس فقط بدعمه للفدائيين الفلسطينيين، مثل عملية مطار عنتيبي خاصة، التي قتل أثناءها الفدائيون شقيق بنيامين نتنياهو خلال عملية لخطف طائرة فرنسية انتهت بمواجهة مسلحة في المطار، بل أيضًا بصداقته المتينة مع الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي وبعاداته الغريبة كان عيدي أمين يطلق على نفسه لقب آخر ملوك إسكتلندا.

بعد سقوط حكم عيدي أمين بقيادة المعارضين الأوغنديين يوري موسيفيني وتيتو أوكيلو بمساندة عسكرية من تنزانيا ودعمٍ غربي وأمريكي، دخلت أوغندا في مرحلة متوترة لم يستقرّ فيها البلد بفعل السقوط الموالي للحكومات وتدخُّل قادة الجيش الجدد (قادة المعارضة المسلحة سابقًا) بشكلٍ مباشر في الحكم، وفي خضمّ الصراع على السلطة نشأ خلافٌ حاد بين الحليفين السابقين تيتو أوكيلو، قائد الجيش وزعيم أوغندا لعام 1985، ويوري موسيفيني، وهنا سيلعب اللاجئون التوتسي دورًا مهمًّا بقيادة فريد رويجيما وبول كاغامي، واللذان مكنا يوري موسيفيني من حسم الحرب الأهلية الأوغندية عسكريًّا والسيطرة على مفاصل الحكم عام 1986.

تحويل الأنظار نحو الوطن الأم

شكّل الدور الذي لعبه اللاجئون الروانديّون في ترجيح كفّة موسيفيني، إضافة إلى تورّطهم في انتهاكات بحق الساكنة خلال الحرب الأهلية، وحصول بعضٍ منهم على مناصب مرموقة في الدولة، مثل فريد رويجياما الذي صار نائبًا لوزير الدفاع في أوغندا، شكّل كل ذلك سببًا لارتفاع الأصوات المطالبة بإبعاد اللاجئين الروانديين عن أوغندا وإرجاعهم إلى وطنهم الأم. وبسبب كثرة تلك الأصوات المطالبة بذلك حدثت عدَّة حوادث عرقية منها طرد 40 ألف لاجئ رواندي من أوغندا، لم تقبل منهم رواندا سوى 4 آلاف فيما لم تسمح أوغندا سوى بعودة ألف.

سيعيش الباقون ظروفًا صعبة في المنطقة الحدودية من التشرُّد والتنكيل وانعدام الأمن. هذه المجموعة هي التي ستشكِّل نواة المقاتلين الأولى التي سيشكّل منها فريد رويجياما وبول كاغامي الجبهة الوطنية الرواندية، كممثل سياسي لأقلية التوتسي في المنفى.

في نفس الفترة، استفاد بول كاغامي من دورة تكوينية عسكرية في الولايات المتحدة مكافأةً لقتاله إلى جانب صديقه يوري موسيفيني المدعوم أمريكيًّا خلال الحروب الأهلية الأوغندية، وهو ما سيمكِّنه من خلق صلات وثيقة بالأمريكيين سترجح كفته في الصراعات المستقبلية، وهو ما حدث فعلًا.

في مواجهة الإبادة الجماعية

رفعت الجبهة الوطنية الرواندية شعار رفع الظلم عن التوتسي وإعادتهم إلى وطنهم الأم، لذلك قام فريد رويجياما مرفوقًا بـ4 آلاف مقاتل من التوتسي باجتياز الحدود الأوغندية الرواندية والدخول إلى عمق الأراضي الرواندية، مما تسبب في اندلاع الحرب الأهلية الرواندية، والتي ستستمر أربع سنوات تميّزت بمستويات قتل غير مسبوق ارتقت إلى مفهوم الإبادة الجماعية.

انطلقت الحرب الأهلية بانتصاراتٍ متواليةٍ لقوات الجبهة الوطنية الرواندية في مواجهة الجيش الرواندي، نتيجة للتدريب الجيد بعد سنوات من القتال في حروب أوغندا الأهلية، وقوة خطوط الإمداد القادمة من أوغندا، إلا أنّ الحكومة الرواندية وبمساعدة خارجية مادية وعسكرية مهمة من بلجيكا وفرنسا والزائير (الكونغو الديمقراطية حاليًا) ستتمكن من تعويض خسائرها.

رواندا

بول كاغامي قائدًا لجيش الجبهة الوطنية الرواندية.


وبما أن المصائب لا تأتي فرادى فقد قتل قائد الجبهة الوطنية فريد رويجياما وستتوتر العلاقة مع أوغندا لأنها اتهمت بعض قادة الجبهة باغتيال رئيسهم، وستبدأ الجبهة بالتراجع حتى فقدت نصف أعداد مقاتليها، ولن ينضبط الأمر حتى تتم المناداة على بول كاغامي من الولايات المتحدة ليقود الجبهة الوطنية الرواندية.

غيَّر بول كاغامي من خطة الجبهة القتالية فتحوَّل من الهجوم المباشر نحو حرب العصابات مع العودة إلى تجنيد مزيد من اللاجئين التوتسي من الدول المجاورة، كما استعمل الحرب النفسية والإعلامية لتأليب الداخل والخارج ضد الفظاعات العرقية التي ترتكبها الحكومة الرواندية.

كذلك، شنت الحكومة الرواندية مدعومة من ميليشيات متطرفة من عرقية الهوتو حملة من دون هوادة على عرقية التوتسي ستخلف أكثر من 800 ألف قتيل في 100 يوم وهي ما تعرف اليوم باسم الإبادة الجماعية في رواندا. كل هذه الأخطاء ساهمت في ازدياد الدعم وانخراط المزيد من مقاتلي الجبهة الوطنية الرواندية، حتى تمكنت من السيطرة على العديد من المدن الكبرى بدءًا من عام 1992.

رواندا

خلفت الحرب الأهلية الرواندية أكثر من 800 ألف قتيل أغلبهم من أقلية التوتسي التي تعرضت لمحاولة إبادة عرقية.


أجبرت الفظائع والتقارير القادمة من رواندا عن التطهير العرقي القوى الدولية للتدخل، بإرسال قوة حفظ سلام دولية من الأمم المتحدة بدءًا من سنة 1993، وصولًا إلى مفاوضات مباشرة برعاية دولية بين الحكومة الرواندية وجيش الجبهة الوطنية انتهى باتفاقية أروشا (مدينة في تنزانيا)، والتي سيتم بموجبها إنهاء الحرب الأهلية، وإنهاء التمييز العرقي في رواندا وإدماج جيش الجبهة الوطنية في الجيش.

مع الانتصار العسكري والسياسي للجبهة الوطنية، تم تشكيل حكومة رواندية جديدة طبقًا لاتفاق أروشا حصل فيها كاغامي على منصب نائب الرئيس ووزير الدفاع ابتداءً من شهر يوليو (تموز) 1994.

اقرأ أيضًا: دروس من «الهوتو» و«التوتسي».. أو كيف تجاوزت رواندا حربها الأهلية؟

الحكم قبل الرئاسة

نتيجة تغلغل قادة وجنود الجبهة الوطنية في الحكومة والجيش، وبفضل الدعم الأمريكي، تمكّن بول كاغامي من السيطرة كليًّا على مفاصل الجيش والأمن والدولة، وهو ما سيدفع المراقبين إلى اعتبار بول كاغامي الحاكم الفعلي لرواندا.

واجه كاغامي عدَّة أزمات عند بداية حكم حكومة اتفاق أروشا، لعلّ أخطرها على الإطلاق كان أزمة اللاجئين بفعل خروج ودخول لاجئي التوتسي والهوتو للبلاد، وأيضًا بسبب تشكيل اللاجئين الهوتو الهاربين من رواندا جيشًا متمردًا جديدًا متمركزًا في زائير المجاورة (الكونغو الديمقراطية حاليًا).

رواندا

باستور بيزيمينغو رئيس رواندا وبول كاغامي نائب الرئيس ووزير الدفاع.


ستدفع هجمات المتمردين الهوتو المتوالية كاغامي إلى القيام بتشكيل تحالفاتٍ إقليمية عرقية وتكوين عصابات مسلحة في داخل زائير حتى تواجه تهديد المتمردين من الهوتو، هذا الصراع سيكون لاحقًا رافدًا فيما بعد لأحد أكثر الحروب دموية في أفريقيا، وهي الحرب الأهلية الكونغولية – بين 1997 و1998، ثم 1998 إلى 2003 – وهي حرب شهدت التدخل العسكري المباشر لأكثر من عشر دول أفريقية على رأسها أوغندا ورواندا.

كذلك، لم ينس بول كاغامي لا حلفاءه ولا أعداءه السابقين، فتقرّب أكثر من الولايات المتحدة فيما ابتعد برواندا أكثر عن الفرنكفونية لا سيّما بسبب دعم فرنسا السابق لأعدائه من الهوتو.

في الرئاسة.. من دمار الحرب إلى النمو الاقتصادي السريع

20 سنة بعد الإبادة، صارت رواندا منارة للأمل. *توني بلير، رئيس وزراء المملكة المتحدة سابقًا.

وصل بول كاغامي إلى رئاسة رواندا رسميًّا عام 2000 بصفته نائبًا للرئيس المستقيل باستور بيزيمونغو والذي استقال إثر خلافاتٍ سياسية مع كاغامي، فقام كاغامي بتشكيل حكومة جديدة من المقربين منه وإعداد دستور جديد للبلاد، وفي نفس الوقت قام بحملة قوية ضد المعارضين أغلق فيها عددًا من الهيئات والصحف وسجن فيها العديد من السياسيين بما فيهم شريكه في الحكم والرئيس السابق باستور بيزيمونغو.

أيضًا، بدأ حملة لاعتقال عدد من القادة السابقين لميليشيات الهوتو وذلك لتقديمهم للمحكمة الدولية حول الإبادة العرقية في رواندا، التابعة لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وذلك وسط اتهامات له باستغلال المحاكمات المرتبطة بالحرب الأهلية لتصفية حسابات سياسية.

شكّلت القبضة الحديدية التي حكم بها البلد، إضافة إلى شبكة العلاقات الخارجية والتي اكتسبها نتيجة سنوات طويلة من التدخل في الصراعات الأفريقية، وأيضًا غياب منافسين سياسيين حقيقيين في بسط سيطرة بول كاغامي المطلقة على البلاد.

وهو ما مكّنه من اتخاذ عدة إجراء ات جريئة كتحويل اللغة الرسمية من الفرنسية إلى الإنجليزية والانسحاب من منظمة الدول الفرانكفونية مقابل التوجه أكثر فأكثر نحو الولايات المتحدة. أيضًا، يحسب لبول كاغامي أنه قاد حملة شرسة على الفساد مكّنته من تعزيز شعبيته (والتخلص من معارضيه كذلك)، لهذا فاز بسهولةٍ تامة في انتخابات 2003 و2010 تواليًا بنسبتي 95.1% و97.5%.

وبما أن الدستور الرواندي كان يمنع أكثر من ولايتين رئاسيتين، لم يجد كاغامي أدنى صعوبة في تعديل الدستور عام 2015 للرفع من الحد على عدد الولايات الرئاسية، فتمّ رفع عريضة لمجلس الشيوخ تضم توقيع 3 ملايين رواندي (ما يقارب 60% من الكتلة الناخبة)، تطالب بتمكين بول كاغامي من الترشح مجددًا.

هذه الانتخابات ستكون مجرد إجراء إداري لا غير. *بول كاغامي، أثناء الحملة الانتخابية لسنة 2017.

تمّ تعديل الدستور باستفتاءٍ أعلن فيه عن تأييد التعديلات بنسبة 98.3%، لهذا عندما حلت انتخابات 2017، توقّع الجميع فوزًا كاسحًا لكاغامي، الذي وصف الانتخابات خلال الحملة بكونها مجرد إجراء إداري، وهو ما تم بالفعل حيث أعلن يوم السبت عن ولاية جديدة لأمير الحرب الرواندي السابق بنسبة تقارب 99% من الأصوات في مواجهة مرشّحين من الخضر ومن المستقلين حصلا على التوالي على ما يقرب 0.7% و0.4%.

رواندا

بول كاغامي أحد أكثر الزعماء الأفارقة قربًا من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.


أيضًا، شهد حكم كاغامي استقرارًا مكّن رواندا من تحقيق معدل نمو هام يقارب 8% سنويًا، وهو ما مكن البلاد من مضاعفة ناتجها المحلي الخام ثلاث مرات من 500 مليون دولار في عام 2000 إلى أكثر من 1.6 مليار دولار سنة 2016 بحسب البنك الدولي.

ولا ننسى أن قوة علاقات كاغامي الخارجية ستمكّنه من لعب أدوار طلائعية في أفريقيا عمومًا وفي منطقة البحيرات العظمى خصوصًا، فقد كان طرفًا ووسيطًا في الحرب الكونغولية الأهلية الدموية، وأحد قادة تجمُّع دول حوض النيل المؤثرين إلى جانب رفيق دربه ورئيس أوغندا يوري موسيفيني، وهو التجمُّع الذي يهدف إلى الضغط على دول مصب النيل (مصر والسودان) للحصول على امتيازاتٍ أكبر لدول المنبع.

لعب بول كاغامي كذلك دور الوسيط في عدّة نزاعاتٍ أفريقية أخرى، في أنغولا وزيمبابوي وغيرهما، كما أنه كان أحد أكبر الداعمين للمغرب في حملته الأفريقية الحالية، والتي مكّنته من استرجاع مقعده الأفريقي والتطلع لدور ريادي في القارة يمكنها من حسم التنافس مع الجزائر.

اقرأ أيضًا: هل يستفيد المغرب من سياسة «الصنبور المفتوح» نحو أفريقيا؟

المسيرة لم تنتهِ بعد

رغم الانتقادات الحقوقية الدولية، ورغم تقدمه في السن، يبدو أن مصير رواندا ما زال مرتبطًا بمصير كاغامي المدعوم بنتائجه الاقتصادية والخارجية، الذي يتعامل معه العالم بأنه حاكم مطلق وحليف ضروري لكلّ مشروع في شرق أفريقيا، وهو الآن على مشارف سبع سنوات دستورية جديدة في حكم بلد أفريقي يلعب أدوارًا خارجية كبيرة يتجاوز بكثير حجم مساحته وعدد سكانه القليل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد