بعد 19 عامًا من العمل المتواصل في شركة «جوديير» للإطارات والمطاط اكتشفت ليلي ليدبيتر أنها كانت تجني أقلّ بكثير من نظرائها الرجال في الوظيفة ذاتها بمقدار آلاف الدولارات.

كان قانون «ليلي ليدبيتر الأجور العادلة» عام 2009 أول مشروع قانون يوقعه الرئيس باراك أوباما.

رفعت ليلي دعوى قضائية؛ لكنها خسرتها لأسباب فنية. ومع ذلك، كان لأسباب خسارتها القضية بالغ التأثير في تشريع «قانون ليلي ليدبيتر للأجور العادلة»؛ فصار من حق المرأة مقاضاة أرباب العمل للتمييز في الأجور بين الجنسين.

سرية الأجور وسيلة ينتهجها مديرون لتوفير المال

تعد هذه الواقعة واحدة مما يتعذر حصره كمثال على التحفظ بخصوص ما يتقاضاه الآخرون، ورفض المؤسسات تبادل التفاصيل حول هذا الأمر.

فهناك قاعدة ضمنية يبدو أن الجميع يتبعها بعدم الحديث عما يتلقونه من أجر. فليس من الملائم أو المريح أن تخبر غيرك بمقدار ما تجنيه من مال؛ تجنبًا لما يمكن أن يثيره من غيرة، أو مشاكل وصراعات بين الزملاء.

انتقلت هذه العادة بين الأجيال؛ ففي عام 1919، أصدرت مجلة «فانيتي فير» الأمريكية مذكرة تمنع بموجبها مناقشة الموظفين تفاصيل رواتبهم؛ فجاؤوا للعمل في اليوم التالي مع لافتات مكتوب عليها رواتبهم ومعلقة حول رقبتهم. فالمديرون يريدون دفع مرتبات أقل، وإذا تناقش الموظفون حول رواتبهم؛ قد يؤدي ذلك لمطالبات بزيادة الأجر.

ومع هذا، يقول ديفيد بيركس، الباحث في علم الإدارة، إن هذه السرية السبب في تأجيج الشعور بالمرارة والغضب «فعندما لا يعرف الناس كم يجني زملاؤهم من العمل؛ يميلون إلى الاعتقاد بأنهم يتقاضون أجورًا أقل مما يستحقون أو يتعرضون للتمييز«.

ويشير إلى أن سرية الأجور وسيلة تتبعها الشركات لتوفير الكثير من المال، وتوظيف كوادر مميزة نظير أجرٍ أقل؛ وهو ما يعتبرونه «صفقة ناجحة» وليس دفع أجرٍ زهيد.

عدم معرفة العاملين بحقوقهم يفاقم المشكلة

تزيد هذه الفجوة مع واقع أن عددًا قليلًا جدًا من العاملين يعرفون حقوقهم. فضلًا عن أن كثيرًا من المشتغلين يشتكون من عدم رضاهم عن أعمالهم. وعند النظر في الأمر، يتضح أن سياسات الشركات التي يعملون بها تنص على عدم السماح بمناقشة الموظفين تفاصيل رواتبهم، ومثل هذه السياسات تزدهر عندما لا يعرف العاملون حقوقهم بعكس مديريهم، وفقًا لبيركس.

شفافية الأجور تجعل عملية التفاوض أكثر نجاحًا

لا يمكن للعاملين أن يحسنوا أوضاعهم إلا بعد فهمهم لظروف أعمالهم. *كريغ بيكر، محامي عمل بالولايات المتحدة الأمريكية.

إلى جانب عدم توافر المعلومات ذاتها عند الطرفين، مما يجعل الموظفين دائمًا الطرف الأضعف؛ فيما يكون أرباب العمل على اطلاع بما يجنيه الجميع. فيمكن للموظف أو المتقدم للوظيفة أن يحقق المزيد من النتائج الإيجابية؛ إن كان على علم بما يجنيه أقرانه، وآلية تحديد الأجور عند التوظيف والترقية أو الزيادة السنوية. لذلك يحدث عدم توازن في السلطة عندما لا تتوفر هذه المعلومات للعاملين.

الإحباط والمقارنات أبرز العيوب

تمنح سياسات سرية الأجور أرباب العمل عديدًا من المزايا بالتأكيد، مثل: توظيف أصحاب الكفاءات بثمن بخس، وتفادي صعوبات الخوض في مشكلات التمييز وعدم المساواة، واضطرار البحث عن حلول والتي قد تؤتي ثمارها على المدى القصير.

يتساءل بيركس عما إذا كانت هذه المنافع تستحق السلبيات الناتجة من تعريض العاملين للإحباط والتشوش، والتفكير في مقارنة وضعهم مع نظرائهم، والتي تستمر آثارها على المدى الطويل.

فمنذ عقود، يحاول العاملون استنباط العلاقة بين المدخلات والمخرجات؛ لذلك يصابون بالإحباط إذا شعروا بأن ما يبذلونه أكبر من العائد عليهم منه مقارنة مع نظرائهم، وهو ما يُدعى بـ«نظرية العدالة»، التي وضعها جون ستايسي آدامز، العالم في علم النفس السلوكي وأماكن العمل.

تفتح سرية الأجور كذلك الباب للتخمينات الخاطئة؛ فيعتقد الموظف أنه يتقاضى أجرًا بخسًا أو أن الآخرين يتقاضون أجورًا أعلى، ناهينا عن الطاقة المهدرة في هذه المقارنات غير المحسومة. وهو ما يمكن تلافيه تمامًا بتطبيق مبدأ الشفافية في الأجور؛ فيطمئن الموظف أنه في موقعه المناسب، ويتلقى أجرًا عادلًا.

الفجوة في الأجور بين الجنسين تتسع نتيجة سرية الأجور

يتسبب انعدام الشفافية في الأجور في ازدياد الفجوة في الأجور بين الجنسين. بمعنى آخر، يمكن أن تتأثر آلية تحديد الرواتب سلبيًا بناء على التحيز والتمييز العرقي أو الجنسي وغيره.

وتمنح قواعد السرية أربابَ العمل الحرية في تحديد الأجور دون أسس عادلة وقواعد للمساءلة، فتصبح عرضة للتقديرات الشخصية، والتي يمكن أن تخضع للانحيازات الشخصية والأعراف الاجتماعية. وفي هذه الحالة تزداد احتمالات تعرض المرأة للظلم في الأجر.

الفجوة في الأجور وفقًا للتمييز العرقي والجنسي في أمريكا

كشفت بيانات أصدرتها وزارة العمل الأمريكية في العام الماضي أن النساء يتلقين 81.9 سنتًا من كل دولار يجنيه نظراؤهن الرجال. وهو ما كانت تبرره الشركات مثل: «وول مارت» بأن الرجل المعيل المسئول عن الأسرة بعكس المرأة. في حين أنه وفقًا لإحصائيات عام 2013 تعد المرأة المعيل الوحيد في نحو 40% من الأسر الأمريكية.

فيما أوضح آخرون أن هذه الفجوة ترجع لأن النساء أقل طلبًا للعلاوات. فقد كشفت أبحاث أجراها باحثون بجامعتي هارفرد وكارنيجي ميلون أن المديرين يميلون لمعاقبة النساء أكثر من الرجال لتفاوضهن على الأجر. لذلك تضطر النساء لالتزام الصمت؛ خوفًا من اتهامهن بالانتهازية والتسلط لما لها من أثر سلبي على النساء في بيئة العمل.

على الجانب الآخر، عادة ما يتلقى السود 76.1 سنتًا لكل دولار يتلقاه البيض. وهو الأمر الناتج عن العنصرية المحضة، فمع أن القانون يكفل المساواة بين الجنسين ويجرم العنصرية؛ إلا أنها ما زالت ماثلة بشكل واضح فيما يتعلق بتحديد الأجور.

الشفافية لأجور عادلة

لن يدفع أرباب العمل رواتب أقل لبعض المرؤوسين عن البعض الآخر؛ إذا علم زملاء العمل بما يتلقاه كل منهم. ومثلما توضح ديبورا جيليس، الرئيس التنفيذي لمنظمة Catalyst غير الربحية المعنية بعمل النساء، أن الشفافية في الأجور «تمنح المرأة المعلومات التي تحتاجها للتفاوض وطلب تلقي أجر عادل ومساوٍ للرجال».

وضعت إيريكا بيكر، مهندسة بجوجل سابقًا، أمر شفافية الأجور قيد التجربة بعد أن أعلنت وبعض زملائها رواتبهم من خلال قاعدة بيانات بالشبكة الداخلية في الشركة.

دفعت التجربة البعض للمطالبة بمكافآت وأجور متساوية أسوة بأقرانهم. وسلطت الضوء على ضرورة مناقشة الأسس التي تحدد بناء عليها الأجور والمكافآت، وتشجيع الحوار المشترك حول توزيع الأجور، وتحديد الأرباح، فضلًا عن تحميل أرباب العمل مسئولية الالتزام بهذه البنود.

فتح المناقشة حول الرواتب لضمان العدالة

يمكن عن طريق إجراء الحوار الصريح حول جدول الرواتب، سواء كان الموظف يتلقى أجرًا أقل مقارنة بأقرانه أو بالمتوسط العام لهذه الوظيفة في السوق، وتوضيح أسباب انخفاض الأجر؛ أن يثني الموظفين عن الاستقالة، وزيادة معدلات بقائهم بعد إشراكهم في هذه العملية، وتفسير أسباب تقاضيهم أجورًا أقل. وهو ما كشفته التجارب التي أجرتها دورية هارفارد بزنس ريفيو. لذلك يتعلق الأمر بمدى استعداد المديرين لإجراء مثل هذه المناقشات.

عدم الشفافية في الأجور يمكن أن تتسبب في استقالة العاملين

عندما يفهم الموظفون كيفية تحديد الأجور، يميلون إلى الاستمرار مع أصحاب العمل فترةً أطول. *سكوت دبروسكي، خبير مجتمع بموقع Glassdoor. 

وتشجع دونا بولمان، محامية التوظيف بفلوريدا، إجراء مثل هذا الحوار بين الزملاء فتقول «وإلا كيف ستعرف إذا كان هناك شيء غير قانوني، أو تتأكد من تلقيك أجرًا عادلًا».

وفي الوقت الحالي، أصبح من السهل معرفة أجور الوظائف المختلفة بفضل مواقع مثل: بيت.كوم و .Glassdoor

مساواة الأجور في مقابل الكفاءات

على الجانب الآخر، لا يعني تحقيق العدالة في الأجور تلقي الموظفين الراتب ذاته للوظيفة نفسها؛ فتحديد الأجور يعتمد على خبرات الشخص ومهاراته ومؤهلاته. وهو ما تطبقه جوجل؛ فيقدم الموظفون المميزون عملًا يفوق أضعاف ما يقدمه الموظفون العاديون.

المبرمج العظيم يساوى 10 آلاف ضعف المبرمج المتوسط.

*بيل جيتس، مؤسس مايكروسوفت.

لذلك قد تحظر بعض الشركات تشارك الموظفين تفاصيل عن رواتبهم، ويوقع بعضهم على اتفاقات للسرية.

شفافية الأجور للمساءلة ومنع التمييز

على سبيل المثال، تكون شفافية الأجور أكثر شيوعًا في القطاع العام؛ فتتقلص الفجوة في الأجور بين الجنسين من 23% إلى .11% مما يعني توزيعًا أكثر عدالة للأجور والمكافآت وفقًا لأبحاث جايك روزنفيلد، أستاذ علم الاجتماع في جامعة واشنطن.

شفافية الأجور تضمن عدالة توزيع

وتشير دراسات إلى أن النساء والأقليات أكثر ميلًا للشركات والمؤسسات التي تطبق مبدأ الشفافية في الأجور؛ والذي يعني أنه ليس عليهم القلق حيال تلقيهم أجرًا غير عادل عندما يكون نظام الأجور ثابتًا وواضحًا للجميع، وهو النهج الذي بدأت بعض الشركات في تطبيقه.

المعرفة أولى الخطوات لبدء التفاوض

يمكن للحديث حول الرواتب بين الزملاء أن يكون شائكًا؛ فأرباب العمل يقولون إن السماح بالحديث عن الأجر يمكن أن يمثل إحراجًا، ويثير التوتر والغضب خاصة عندما يكتشف أحدهم أن زميله يجني أكثر منه، وقد يتضرر منها أولئك الذين يتقاضون أجورًا مرتفعة ولا يشعرون بالراحة في مشاركة ذلك مع الجميع. وهو شيء مفهوم تمامًا.

لذلك ننصحك بعدم محاصرة الزملاء لمعرفة رواتبهم؛ وإنما يمكنك أن تخبر أحدهم بلطف أنك تود أن تتأكد من كونك تتلقى أجرًا عادلًا، وتسأله إن كان لا يمانع أن يطلعك على ما يتلقاه من راتب. فإذا اكتشفت أنك تجني أقل من زميلك، وتعتقد أنك تتمتع بالخبرات والمهارات ذاتها؛ يمكنك أن تتفاوض مع مديرك مؤكدًا أنك لن تذكر اسم زميلك في حالة قررت ذلك.

وفي هذه الحالة يمكن لمديرك أن يوافق على طلبك بزيادة راتبك، أو قد يصدمك بحقيقة أنك لست جيدًا كما تعتقد؛ وبالتالي يمكنك أن تسأل عما عليك فعله لتحسين عملك. وقد لا يعطيك رب العمل إجابات مرضية، فيخبرك أن هذا هو الأجر المحدد نظير هذه الوظيفة، أو يتكشف لك أنه يميز بين المرؤوسين.

فيتركك تحاول استنباط الأجور وتسلسلها وفقًا للتخطيط الهيكلي للشركة. أو قد يطلعك بعض أرباب العمل على آلية تحديد الأجور معلنًا أنها غير قابلة للتفاوض. وحينئذ قد تضطر للبقاء ساخطًا، أو تقرر أن تستقيل من العمل فالراتب يعد السبب الأول لترك الوظائف. لذلك استعد لمواجهة كافة الاحتمالات.

الشفافية في الأجور لإنتاجية أعلى

علاوة على ذلك، عندما يكون الموظفون على علم بآلية تحديد الأجور وتوزيعها بعدل؛ تغدو بيئة العمل أفضل، ويصبحون أكثر سعادة وإنتاجية، وأكثر كدًّا في العمل وتحسين أنفسهم. فيصبح من الواضح ما يتوجب عليهم فعله للارتقاء في الدرجات الوظيفية، والحصول على الراتب الأعلى الذي يطمحون إليه وتقل احتمالات استقالتهم من العمل.

إنتاجية العاملين ورضاهم عن العمل تزداد بتطبيق شفافية الأجور

جدير بالذكر أن اتباع سياسة سرية الأجور لا يكون بالضرورة لغرض سيء؛ إلا أن هذه السياسة تعطي انطباعًا للعاملين بأن مديريهم يخفونها لعلة ما، ولا يملكون الحق في التأكد من تلقيهم أجرًا عادلًا أم لا. فعادة ما تتخفى النزعات التمييزية والفجوة في الأجور خلف سياسات السرية. لذلك يستلزم تحديد عدالة الأجور كلا من العاملين وأرباب العمل.

فضلًا عن التأكد من مدى نزاهة آلية تحديد الأجور، وما إن كانت تولي الاعتبار لمختلف العوامل المؤثرة. ورغم حساسية الأمر إلا أنه يعطي نتائج مبهرة كما يقول بيركس.

يعطينا بيركس مثالًا على ذلك فيقول إنه بعدما أعلنت شركة Buffer للتكنولوجيا صيغة حساب الأجور؛ أثار الأمر الحوار بشأنها فتغيرت الصيغة بناء على ملاحظات الموظفين.

نُجري بانتظام تحليلًا لآلية المكافآت، والترقية، والأداء لضمان الإنصاف وعدم وجود فجوة في الأجور. وللموظفين كامل الحرية في مشاركة المعلومات بشأن رواتبهم مع بعضهم البعض إذا رغبوا. *متحدث باسم جوجل في بيان.

وينصح بيركس الشركات كي تنجح في تطبيق سياسة الشفافية باتخاذ خطوات تدريجية في البداية وليس القفز مرة واحدة والإعلان عما يتقاضيه كل فرد؛ وإنما التمهيد بإطلاعهم على آلية حساب الأجور، ومن ثم تخصيصها فيما بعد وتثبيتها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد