طوى السودان اليوم – بشكل جزئي – 17 عامًا من الحرب، بعد توقيع اتفاق السلام التاريخي بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، في جوبا – عاصمة جنوب السودان – بعد عامٍ كاملٍ من المفاوضات كان من المُفترض ألا تستغرق أكثر من ستة أشهر بموجب الوثيقة الدستورية. ويسعى اتفاق السلام غير المسبوق الذي وقع قبل ساعات، إلى نبذ سنوات طويلة من الصراعات في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، والتي أدت إلى تشريد الملايين ومقتل مئات الآلاف.

ووقع قادة الحركات المسلحة ومسارات الشرق والوسط والشمال في الجبهة الثورية على الاتفاق، كما وقع عن الحكومة السودانية رئيس وفدها المفاوِض عضو المجلس السيادي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فيما وقع كل من الرئيس التشادي، ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ومندوبي الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بوصفهم ضامنين وشهودًا على الاتفاقية.

من هم أطراف الاتفاق؟ ومن رفض التوقيع؟

في أغسطس (آب) الماضي، وصل أطراف النزاع للمرة الأولى إلى المحطة الختامية بتوقيع اتفاق مبدئي «بالأحرف الأولى» فقط، ضم «الجبهة الثورية السودانية»، والتي تتألف من أربع حركات: حركة تحرير السودان (جناح مني مناوي)، وحركة العدل والمساواة، والمجلس الثوري الانتقالي، والحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح مالك عقار)، بينما غابت عنه الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور –الفصيل الأكثر نشاطًا على الأرض- في دارفور.

Embed from Getty Images

غياب الحركتين الأكثر نفوذًا في دارفور يهدد فعليًا بقاء اتفاق السلام، وهو ما يبرر حرص الحكومة وزعماء المعارضة المسلحة على عدم تجاهلهما، ودعوتهما رسميًا للتفاوض، والاستماع لشروطهما. وتبرز نفوذ حركة تحرير السودان في تمتعها بنفوذ واسع داخل مخيمات النازحين في دارفور، وسيطرتها على مناطق عديدة في جبل مرة.

بينما تشترط «الحركة الشعبية شمال» بقيادة عبد العزيز الحلو – صديق عبدالله حمدوك – التي تسيطر على أجزاء كبيرة من جنوب كردفان، ضمان فصل الدين عن الدولة في التشريعات القانونية الرسمية للحكومة، أو منح منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق حق تقرير المصير.

وينتمي أغلب أفراد المعارضة المسلحة السودانيين إلى أقليات غير عربية سعت لوقت طويل للتحرر من قبضة السلطة المركزية في الخرطوم، واشتدت وطأة الصراع بين حكومة البشير وبين المعارضة المسلحة في جنوب كردفان والنيل الأزرق عام 2011 في أعقاب انفصال جنوب السودان، وهو ما قابله النظام بقمع غير العرب عبر الفصائل المسلحة العربية.

 وعقب سقوط النظام في أبريل (نيسان) العام الماضي، اشترطت «الوثيقة الدستورية» لاتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري والمعارضة على حكومة حمدوك تحقيق السلام خلال الأشهر الستة الأولى، وإنهاء معاناة النازحين واللاجئين، وبحسب الأمم المتحدة، فقد قُتل في صراع دارفور الممتد منذ عام 2003 نحو 300 ألف شخص، وتشرد أكثر من 3 مليون.

واللافت أنّ حركة تحرير السودان، اقترحت على الحكومة بقاء بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة المشتركة، والتي تعرف اختصارًا باسم «يوناميد»، لأطول فترة أطول ضمانًا لتحقيق الاتفاقات التي أفرزتها مسارات التفاوض، ومن المقرر لها أن تغادر البلاد في أكتوبر (تشرين الثاني) الجاري، وهو الطلب نفسه الذي اقترحه حمدوك في فبراير (ِشباط) الماضي على خلفية صراعات غير معلنة بينه وبين قادة المجلس العسكري.

وتنتشر «يوناميد» في دارفور منذ مطلع العام 2008، وتعتبر ثاني أكبر بعثة حفظ سلام أممية، ويتجاوز عدد أفرادها 20 ألفًا من قوات أمن وموظفين، قبل أن يتبنى مجلس الأمن، في 30 يونيو (حزيران) 2017، خطة تدريجية لتقليص عددها.

حكم ذاتي ودمج داخل الجيش.. ما هي أبرز بنود الاتفاق؟

يعالج اتفاق السلام المكون خمسة مسارات هي: مسار إقليم دارفور، مسار ولايتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق، مسار شرق السودان، مسار شمال السودان ومسار الوسط، وقد صيغت في ثمانية بروتوكلات، أبرزها؛ الترتيبات الأمنية وتفكيك الحركات المسلحة وانضمام مقاتليها إلى الجيش النظامي، إضافة إلى قضايا تقسيم الثروة، وتقاسم السلطة، وحصول الحركات المسلحة على مناصب حكومية، إضافة لحل قضية النازحين واللاجئين، وتوزيع الصلاحيات تجنبًا لعودة العنف المُسلح من جديد.

Embed from Getty Images

ويقضي الاتفاق الأمني بدمج قوات الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الأخرى، على أن تكتمل عمليات فحص تلك القوات وفرزها خلال 90 يومًا، مع إبقاء القوات المدمَجة في دارفور لمدة 40 شهرًا، إلى جانب إعادة هيكلة الجيش السوداني لاستيعاب الدمج الجديد.

الاتفاق الأمني حدد أيضًا 39 شهرًا لعملية الدمج والتسريح المتعلقة بمقاتلي الحركات المسلحة، مع تشكيل قوات مشتركة من الجيش السوداني والشرطة والدعم السريع لحفظ الأمن في ولاية دارفور والمنطقتين تمثل فيها قوات الحركات المسلحة بنسب تصل إلى 30%.

اللافت في الاتفاق حصول منطقتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق على حق الحكم الذاتي الذي تمارسان بموجبه السلطات المنصوص عليها في الاتفاق، وتعملان على صياغة دستوريهما، وتمارسان جميع الحقوق الخاصة بالتشريعات.

واشترطت الحركات المسلحة على الحكومة في الاتفاق ضرورة استيعاب مواطني المنطقتين في الوظائف القومية العليا ضمن الوزارات والمفوضيات والبنك المركزي والبنوك الحكومية، على أن يتمّ تعيينهم بقرار سياسي خلال ستة أشهر من تاريخ التوقيع على اتفاق السلام النهائي.

وفي الوقت الذي قوبل به اتفاق السلام بترحيب من كافة القوى السياسية، إلا أنّ الأحزاب هاجمت الحكومة على اعتبار أنها سعت لاتفاق سلام يجمعها مع «المتمردين» دون اعتبار أهدافه الممثلة في حل أزمة السودان، إضافة إلى أنّ البنود نفسها تميل كل الميل  لصالح الحركات المسلحة.

 من الرابح الأكبر في اتفاق السلام؟

بحسب البنود المعلنة من الاتفاق حتى الآن، فالحكومة ملزمة بتمثيل الحركات المسلحة الموقعة في «مجلس السيادة» الحالي بواقع ثلاثة أعضاء، و25% من الحقائب الوزارية، و75 مقعدًا في المجلس التشريعي من أصل 300 مقعد أي بنسبة 25%، وذلك حتى نهاية الفترة الانتقالية في فبراير (ِشباط) العام القادم.

وتمسكت الحركات المسلحة ببند توزيع الثروات التي تمتلكها منطقتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق عبر بند الحكم الذاتي؛ بحيث توزع عائداتهما الضريبية بنسبة 40% لحكومة الولاية و60% للحكومة القومية لمدة 10 أعوام.

عربي

منذ 6 شهور
مترجم: حتى لا يقع السودان في الفوضى.. هذا ما يلزم لتنجح تجربته الديموقراطية

البند الأكثر إثارة للجدل، هو حصول الأطراف الموقعة من الحركات المسلحة – والتي تشارك في هياكل السلطة الانتقالية – على حقها في الترشح في الانتخابات التي ستجرى في نهاية الفترة الانتقالية، بعكس ما تنص عليه المادة 20 من الوثيقة الدستورية.

الانتصار الأبرز الذي جاء به اتفاق السلام، أنه نصوصه ستدخل ضمن «الوثيقة الدستورية»، وفي حال تعارضها معها، يتمّ تعديل الوثيقة لا الاتفاق، وهو ما يعني فعليًا أن «المتمردين» هم الرابح الأكبر من الثورة السودانية.

المصادر

تحميل المزيد