2,194

في خطوة وصفها البعض بأنها مثل «سقوط جدار برلين» في شرق أفريقيا، وصل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ليعلن من هناك انتهاء مرحلة الحرب بين بلاده وإثيوبيا، مكللًا أسابيع من الجهود لطي صفحة الصراع بين البلدين، ذلك الصراع الذي استمر 20 عامًا كاملة، ولم يتصور أحد قبل شهور قليلة أن يجد طريقه إلى التسوية بتلك السرعة والبساطة.

حرب الثلاثين عامًا

أًعلنت إريتريا كمستعمرة تابعة للتاج الإيطالي منذ نهاية القرن التاسع عشر، إذ كانت حجر زاوية في المشروع الإيطالي لإعادة إحياء الإمبراطورية الرومانية، ولكن مع هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، تصاعدت مزاعم إثيوبيا -التي كانت قد تحررت هي الأخرى للتو من الهيمنة الإيطالية- بأن إريتريا كانت جزءًا من إثيوبيا، وقد تم لأديس أبابا ما أرادت حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1950 على ضم إريتريا كمقاطعة إلى إثيوبيا، على أن تقيم الأخيرة لها حكمًا ذاتيًا وقد دخل القرار حيز التنفيذ بداية من عام 1952. ضيقت الحكومة الإثيوبية على الشعب الإريتري، فمنعت قيام الأحزاب السياسية أو الحركات الإقليمية في الإقليم، لكن ذلك لم يمنع الإريتريين من تأسيس «جبهة تحرير إريتريا» التي دشنت في العام 1961 حربًا لاستقلال الإقليم، وقد بدأت حرب الاستقلال على يد حامد إدريس عواتي الذي قاد الانتفاضة مع بضع مقاتلين يحملون بنادق إيطالية عتيقة، قبل أن يتسع نطاق التمرد إلى ثورة شاملة ردت عليها إثيوبيا بحملات قمع وإبادة شملت مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمهجرين واللاجئين.

لكن سرعان ما دب الشقاق داخل الصف الإريتري نفسه، فتشكلت «جبهة تحرير إريتريا الشعبية» التي خاضت حربًا أهلية ضد «جبهة تحرير إريتريا»، كان النصر فيها لـ«جبهة تحرير إريتريا الشعبية» التي أصبحت هي المنظمة السياسية الرئيسية في البلاد، (وهي الجبهة التي تحكم البلاد اليوم بزعامة أسياس أفورقي)، سيطرت حركة المقاومة الإريترية بالأساس على الريف، وكانت سيطرتها تتسع أساسًا لتشمل بعض المدن، كما كان للجبهات المتمردة جهد سياسي ودبلوماسي لدعم الحركة المسلحة في الداخل.

ابتسمت الأقدار لحركة المقاومة حين أدت المجاعة والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي اجتاحت إثيوبيا إلى اضطراب حكم الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، مما مهد الطريق أمام فقدانه السلطة على يد مجموعة من الضباط الشيوعيين، انتهز الإريتريون الفرصة ليصعدوا من حركة مقاومتهم، وسرعان ما أصاب الوهن السلطة الإثيوبية الجديدة بزعامة منغستو هيلا ميريام. فتحالفت «جبهة تحرير إريتريا الشعبية» مع مجموعة من حركات المعارضة الإثيوبية المسلحة، على رأسها «جبهة تحرير شعب التقراي».

وسرعان ما فقدت الحكومة المركزية في إثيوبيا قبضتها على البلاد، ليقيم الثوار الإثيوبيون حكومتهم في عام 1991، في الوقت الذي سيطرت فيه قوات «جبهة تحرير إريتريا الشعبية» على كامل التراب الإريتري، لتقيم حكومة مستقلة، وفي أبريل (نيسان) 1993 أجرى الإريتريون استفتاء شعبيًا على الاستقلال، الذي أيده الشعب الإريتري بأغلبية كاسحة، لتصبح للإريتريين أخيرًا دولتهم المستقلة بعد 30 عامًا من الحرب والنضال.

أفريقيا التي لا نعرفها.. 6 تجارب أفريقيّة لإنتاج السيارات تستحق التأمل

هدير المدافع لا يتوقف

الإريتريون يجيدون حفر الخنادق، ونحن نجيد تحويل الخنادق إلى قبور* جنرال إثيوبي

برغم التحالف المبدئي بينهما، إلا أن السلطة الجديدة في إثيوبيا لم تنظر كذلك بعين الرضا إلى استقلال إريتريا، فقد اعتبرت استقلال إريتريا يمكن أن يشكل سابقة خطيرة ويمكن أن يفتح الباب لانفصال قوميات أخرى، الأمر الذي قد يؤول في النهاية إلى تفكك إثيوبيا، كما أن استقلال إريتريا، التي تطل على البحر الأحمر قد جعل من إثيوبيا دولة حبيسة، وأفقدها الموانئ البحرية على البحر الأحمر مثل: عصب ومصوع، كما جعل من البحر الأحمر بحيرة عربية، الأمر الذي يؤثر على الأمن القومي لإثيوبيا، وفضلًا عن ذلك فقد كانت الأخيرة ترغب في الاستفادة من المعادن والثروات الطبيعية لإريتريا.

في المقابل، كان الداخل الإثيوبي على موعد مع تعهدات وطموحات كبرى، تشمل تحولًا للدولة الوليدة إلى النظام الديمقراطي، وإجراء انتخابات تعددية، لكن الخلاف المتصاعد الذي وقع بين الزعيمين الإريتري أسياس أفورقي والإثيوبي ميليس زيناوي -والذي تطور لاحقًا إلى حرب شاملة- قد أدى إلى تعطيل تل الاستحقاقات، وساهم في تحول البلد إلى ديكتاتورية شمولية مطلقة، وتتهم المعارضة الإريترية أفورقي بالاستثمار في الخلاف والصراع مع الجانب الإثيوبي لإحكام قبضته على البلاد، ولكي يتخلص من قادة النضال الذين كانوا يعارضون توجهاته، ويتمتعون بشعبية كبيرة تهدد بقاءه في السلطة.

على تلك الخلفية تصاعدت الخلافات بين الجانبين، وكانت النزاعات الحدودية عنوان هذا الخلاف، وبعد فشل جهود الوساطة الدولية بين الجانبين، اندلعت في 4 يونيو (حزيران) معارك طاحنة بين القوات الإثيوبية والإريترية، استخدمت الدبابات والمدفعية والأسلحة الثقيلة، في البداية نجح الإريتريون في إلحاق خسائر فادحة بالقوات الإثيوبية، التي لم تلبث أن استخدمت قوتها الضاربة ففرضت حصارًا شاملًا على إريتريا، وضرب سلاح الجو الإثيوبي أهدافًا حيوية من بينها مطار العاصمة أسمرة، وتوغلت قوات أديس أبابا في عمق الأراضي الإريترية، وسيطرت على المناطق المتنازع عليها، الأمر الذي أجبر أسمرة على القبول بالوساطة الدولية التي لم تكن قد تحمست لها قبل ذلك.

توقف أتون الحرب عام 2000، بعدما وقع الطرفان اتفاقية سلام شاملة برعاية الجزائر، وتدخلت قوات حفظ السلام لتفصل بين الطرفين المتنازعين، وقد راح ضحية هذه الحرب عشرات آلاف القتلى، وأنفقت ملايين الدولارات على العمليات العسكرية في الوقت الذي كان فيه البلدان يعانيان من أزمات اقتصادية كبرى.

«قارة المستقبل».. إلى أين وصل صراع الشرق الأوسط على أفريقيا؟

سقوط «جدار برلين الأفريقي»

حالة الحرب التي كانت قائمة بين البلدين انتهت، لقد بدأ عهد جديد من السلام والصداقة* وزير الإعلام الإريتري

لم يقبل الجانب الإثيوبي القرارات التي تمخضت عنها اللجنة المنبثقة عن اتفاقية السلام عام 2000، فيما يتعلق بترسيم الحدود بين البلدين، وهو ما أبقى الوضع بين البلدين في حالة «اللاسلم واللاحرب»، إذ تكررت المناوشات والتحرشات المتبادلة على الحدود بين قوات البلدين، من دون أن تتطور إلى حرب شاملة، لتصبح الأزمة الإريترية الإثيوبية إحدى أكبر الإشكالات المستعصية على الحل في قارة أفريقيا طيلة عشرين عامًا.

أدت حالة «الحرب الباردة» هذه إلى استنزاف الموارد الاقتصادية والبشرية للبلدين، كما صاغ النظام الإريتري نظامًا فريدًا للتجنيد الإجباري للمواطنين، قد يؤول ببعضهم إلى البقاء رهن الخدمة حتى سن الشيخوخة، الأمر الذي جعل من إريتريا أكثر دول العالم تصديرًا للاجئين، الذين صاروا يفرون من نير الحرب والخدمة الإجبارية إلى أرض الله الواسعة، كما شتتت الحرب، والإجراءات التعسفية التي تلتها من حكومتي البلدين من شمل العديد من العائلات، حتى فرقت أحيانًا بين أبناء الأسرة الواحدة.

ظلت الأزمة بين أديس أبابا وأسمرة معلقة إذًا طيلة عشرين عامًا، إلى أن ابتسمت الأقدار لتلك المنطقة أخيرًا، بعدما صعد إلى سدة الحكم في إثيوبيا قائد جديد، بأجندة مختلفة عن سالفيه، أبيي أحمد، ينتمي الأخير إلى عرقية الأورومو ذات الغالبية السكانية والنفوذ السياسي المحدود في إثيوبيا، وقد وصل إلى قمة هرم السلطة بعد احتجاجات واسعة النطاق قادها الأورومو كادت تودي بالاستقرار السياسي الهش في البلاد، وقد نظر إلى تنصيبه كجزء من خطة قادتها النخبة الحاكمة في البلاد لإعادة هيكلة النظام في محاولة لتجنب سقوطه إثر الاحتجاجات المتعاقبة.

عمد أبيي أحمد إلى انتهاج سياسة جديدة أكثر «ليبرالية» وانفتاحًا، حتى شبهه البعض بنيلسون مانديلا أو جاستن ترودو أو ميخائيل جورباتشوف، فأطلق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع الحظر عن مجموعة من الأحزاب والتكتلات المعارضة المتهمة بالإرهاب، وخفف القيود على الصحافة وألغى حجب المواقع الإلكترونية، كما أقال العديد من المسؤولين المتهمين بالفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان، كما بدأ خطوات لخصخصة بعض الشركات المملوكة للحكومة.

كانت إحدى الخطوات الثورية التي اتخذها أبيي أحمد، والتي شكلت انقلابًا على الكلاسيكيات التقليدية للعلاقات الدولية في القرن الأفريقي، هو إعلانه استعداد بلاده الاعتراف بالمقررات التي تمخضت عن اتفاقية السلام مع إريتريا عام 2000 برعاية جزائرية، فيما يتعلق بترسيم الحدود بين البلدين، وأكد أن بلاده ستسحب قواتها من منطقة بادمي والمناطق الحدودية الخلافية، الأمر الذي يعني قبول أديس أبابا بالرجوع خطوات إلى الوراء على أمل تحقيق «المستحيل»، وإيجاد حل نهائي للصراع الذي بدا أزليا مع جارتها.

وسرعان ما تلقفت إريتريا الفرصة لتبدي بدورها استعدادًا مماثلًا للتقارب، وتسارعت خطوات التقارب حتى توجت بأن طار أبيي أحمد إلى العاصمة الإريترية حيث أجرى لقاءً تاريخيًا مع الرئيس أسياس أفورقي، وقعا خلاله اتفاقًا وصف بـ«التاريخي» لاستئناف العلاقات بين البلدين، إذ سيعاد فتح السفارات والحدود، وفي 14 يوليو (تموز) الجاري، أعاد أفورقي كتابة التاريخ بزيارته العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث استقبل استقبالًا وصف بـ«الأسطوري»، تعهد فيه بالمضي قدمًا في حل الخلافات بين البلدين وطي صفحة الحرب، مؤكدًا «لم نعد شعبًا في دولتين، نحن شعب واحد، سنمضي قدمًا معًا».

القارة السمراء تتصدَّع.. هل ستنشطر أفريقيا إلى قارتين؟