أُنهي أقدم نزاع في أمريكا اللاتينية أخيرًا باتفاق سلام، استمرت المفاوضات حوله أربع سنوات، اتفاق بين الحكومة الكولومبية وتنظيم «فارك»، ونزاع استمر بينهما 52 عامًا، وتسبب في مقتل أكثر من 260 ألف شخص، و45 ألف مفقود، ونزوح نحو سبعة ملايين كولومبي.

لم يكن عمل هذا التنظيم ذو أثر على كولومبيا فقط، فتجارة المخدرات التي اعتبرت المصدر الرئيس لتمويله، جعلت الولايات المتحدة ودول أخرى، هرب إليها التنظيم «الكوكايين»، في موضع عداء دولي، لذلك كان توقيع هذا الاتفاق التاريخي، قبل يومين، ذا أثر على المستوي الدولي أيضًا.

«فارك»: التأسيس والتمويل

تعرف القوات المسلحة الثورية الكولومبية اختصارًا بـ«فارك»، وهي أكبر الجماعات المتمردة في كولومبيا، وأقدم حركة تمرد على مستوى العالم، إذ أعلن رسميًا عن انطلاقها في العام 1964، ويعتبر أعضاء التنظيم، المتبنين للفكر اليساري الماركسي، أنفسهم ممثلين لفقراء الريف الكولومبي، هذا الريف الذي شهد في العام 1948 «انتفاضة المزارعين»، وقيل أن التنظيم ظهر بعدها، حيث مثل فلاحو الريف نواة القوات المسلحة في «فارك».

منذ 52 عامًا والنزاع المسلح قائم بين «فارك» والجيش الكولومبي. يستخدم متمردو «فارك» السيارات المفخخة، وقنابل الغاز المتفجرة، والعمليات الانتحارية في نزاعهم، وتعد كل مصادر تمويل أسلحتهم وقوتهم العسكرية غير شرعية، إذ يعتمد المتمردون على تهريب مخدر الكوكايين، الذي يُسمح للمناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم بزرع نبته «الكوكا»، المستخدمة فيه. وتشير المصادر إلى أن هناك 300 مليون دولار سنويًا تعود على التنظيم من تجارة الكوكايين فقط، ووضعت عمليات تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة التنظيم في موقع صدام مع واشنطن، التي صنفته كأخطر مجموعة إرهابية دولية في غرب العالم، وأدرجته على لائحة الإرهاب الأمريكية، ولائحة الاتحاد الأوروبي، ولائحتي برلمان أمريكا اللاتينية وكندا، في عام 2005، كما يجنى التنظيم أموالًا من الفديات التي يحصل عليها نتيجة خطف الساسة، وكبار رجال الأعمال.

يقود التنظيم، الذي يشكل الجناح العسكري للحزب الشيوعي الكولومبي، مانويل مارولاندا بيليث، الملقب بـ«تيروفيخو» أي «الرمية الدقيقة»، ويتراوح عدد أعضاء التنظيم ما  بين 12 إلى 18 ألف مسلح، وينتشرون على أكثر من 35% من الأراضي الكولومبية، في الغابات الكثيفة الواقعة بالجنوب الشرقي، وقيل أن هذه المساحة تعادل حجم مساحة سويسرا.

كيف استخدم «فارك» النساء والأطفال في القتال؟

رغم أن الالتحاق بتنظيم «فارك» اختياري في المناطق التي يسيطر عليها، إلا أن مجرد الانتساب له يعني الخضوع لنظام عسكري صارم، ومخالفته أو عدم الانصياع للأوامر يقضى بوضع المخالف في الخطوط الأمامية، أو إجباره على القيام بعمل انتحاري، «حتى لا يصيب غيره بعدوى عدم تنفيذ الأوامر»، أما الفرار من التنظيم فيعرض الشخص إلى الملاحقة والإعدام.

مقاتلات في تنظيم فارك.. مصدر الصورة «بوابة الشرق الالكترونية»

فيما يتعلق بالأطفال، عمل «فارك» على تجنيّدهم للقتال، إذ وصل عدد من جندهم إلى 11556 قاصرًا، أعمارهم أقل من 18 سنة، وهذه الأرقام تخص الفترة ما بين عامَي 1975 و2014، ويقول النائب العام «خورخي فرناندو بيردومو»: «في إطار سياساتهم لتجنيد قاصرين، حدّد متمردو فارك سن الـ 15 كحد أدنى»، وأضاف: «خلال نحو 40 عامًا، أُحصي تجنيد 11556 قاصرًا، وذلك عبر الإقناع أو الخداع في عدد كبير من الحالات، أي ما يقارب 30% من مجموع الأعضاء».

وخلال مفاوضات السلام والتفاوض للوصول إلى اتفاق، أصر خورخي على أن تلتزم «فارك» بتسريح القاصرين، على أن يتم التوصل إلى طريقة لنقلهم، وإعادة دمجهم في المجتمع.

أما فيما يتعلق بالنساء المجندات، فهن يشكلن ثلث القوة العسكرية للتنظيم، يلتحقن بالتنظيم ويقاتلن إلى جوار الرجال، ويتلقين دروسًا حول كيفية استخدام بنادق كلاشنيكوف الروسية الهجومية، وحتى لا تُفقد المقاتلات أو تتراجع قدرتهن القتالية، يجبرن على الإجهاض، ومن يسُمح لهن بالإنجاب يعتبرن من المقاتلات المحظوظات.

وقد أحدثت عمليات الإجهاض القسرية، التي كانت ضمن سياسة التنظيم، ضجة في وسط المؤسسات الحقوقية والقضائية، وتعد واحدة من أشهر القضايا، المتعلقة بإجهاض مقاتلات فارك، قضية الممرض» هكتور أربوليدا ألبيديس بوريتراجو»، الذي اعتقلته الشرطة الإسبانية نهاية العام الماضي، بتهمة إجراء أكثر من 100 عملية إجهاض قسرية، لنساء يقاتلن في صفوف «فارك».

بعد أربع سنوات مفاوضات: اتفاق مرضي

عانى تنظيم «فارك» من انتكاسات في الفترة الأخيرة، أنهكته الحملات العسكرية من قبل الجيشين الكولومبي والأمريكي، وفقا لتقديرات الحكومة الكولومبية، فأعداد المقاتلين تراجعت من 20 ألف مقاتل، إلى نحو 7000 مقاتل، منذ عام 2010 وحتى اليوم.

لذلك كان التنظيم معنيًا بتوقف كفاحه المسلح، والانضمام إلى العملية السياسية القانونية في كولومبيا، وكان معنيًا أيضًا خلال الأربع سنوات الأخيرة، البادئة في نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 2012، بنجاح مفاوضات السلام، التي رعتها كوبا والنرويج في هافانا، والقائمة على تبنى وسائل سلمية لحل النزاع.

في الإطار القانوني لاتفاق السلام النهائي، وضعت عدة بنود، أبرزها حل حركة القوات المسلحة، والمشاركة السياسية لعناصر التنظيم، وتسريح أفراده، وإرساء عدالة انتقالية. كما يقضي الاتفاق بسماح محكمة خاصة بـ«وضع حد للإفلات من العقاب، وإجلاء الحقيقة، والمساهمة في التعويض عن الضحايا»، وينص الاتفاق على أن: «مرتكبي الجرائم الذين يتعاونون، سيواجهون عقوبات بالسجن من خمس إلى ثماني سنوات، وفق أنظمة خاصة، في حين أن الذين يقرون بذنبهم بشكل متأخر، سيواجهون العقوبات ذاتها ولكن وفق نظام السجن الاعتيادي، أما الآخرون فيواجهون عقوبات يمكن أن تصل إلى عشرين عاما من السجن». وفي المقابل، وفيما يتعلق بالعفو عن الجرائم السياسية أو المرتبطة بها، يحدد قانون عفو سيصدر لاحقًا أبعاد هذا العفو.

يشار إلى أن أبرز ما في المفاوضات، في السنوات الماضية، هو إصرار «فارك» على ضمان عدم اعتقال مقاتليه المدانين بارتكاب جرائم، أو بتهريب المخدرات، بينما أصرت الحكومة الكولومبية على عقابهم. ويقول المحلل في «إنترناشونال كرايسيس جروب» للشؤون الكولومبية، كيل جونسون: «أعتقد أن نشاط جيش التحرير الوطني، والمجموعات الإجرامية، ما زال لا يخولنا للحديث عن النهاية التامة للصراع المسلح. ربما سينهي الاتفاق أبرز صراع مسلح في كولومبيا، لكنه لن ينهي كل شيء».

هل ينهي الاتفاق زراعة «الكوكا» وصناعة الكوكايين؟

«الكوكا» هي كلمة السر في النزاع بين الحكومة الكولومبية وتنظيم «فارك»، فهذه النبتة المستخدمة في صناعة الكوكايين، تزرع في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، ويقتات من زراعتها عشرات الآلاف من المزارعين، كما يجنى التنظيم الضرائب من مزارعيها، وينخرط في إنتاج وتهريب الكوكايين، لتكون كولومبيا هي المنتج الأول لهذا المخدر في العالم.

خلال سنوات النزاع بين التنظيم والحكومة، اعتمدت أساليب عدة من قبل الجيش الكولومبي ضد المزارعين، فقامت مثلًا برش محاصيل نبتة الكوكا بمادة «الجليفوسات»، المبيدة للحشائش بهدف القضاء عليها. وتسبب هذا الصراع في تأرجح أسعار «الكوكا» بين الفينة والأخرى، لكن الحديث عن اتفاق السلام بين الطرفين كان له الأثر الأبرز على الأسعار، فخلال الشهور الأخيرة قبيل توقيع الاتفاق، زادت نسبة زراعة الكوكا 39%، بسبب تكثيف الإنتاج من قبل المزارعين، وجاء في بيانات من الأمم المتحدة إن المساحات المنزرعة بالكوكا زادت إلى 96 ألف هكتار، في نهاية عام 2015، وهي أكبر مساحة زرعت خلال سبع سنوات، ارتفاعًا من 69 ألف هكتار قبل عام.

وأصرت «فارك»، في محادثات السلام، على مطالبة الحكومة الكولومبية بإلغاء سياسة مكافحة المخدرات، لكن الاتفاق ركز على أهمية الإصلاح الزراعي، ومكافحة الاتجار بالمخدرات، والتحول إلى زراعة محاصيل قانونية، بدلًا من زراعة الكوكا والخشخاش والماريجوانا، وحسب الاتفاق النهائي، ستقوم الحكومة الكولومبية بتوزيع مساحات من الأراضي، على المزارعين الذين يتخلون عن زراعة الكوكا، على مدى أكثر من خمس سنوات، وسيخضعون إلى إجراءات اجتماعية ومساعدات تقنية، مع التأكيد على أن المزارعين الذين يواصلون زراعاتهم الممنوعة، ستتعرض أراضيهم للإتلاف بالقوة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد