هل يمكن إسقاط طاغية بطريقةٍ سلمية؟ هذا السؤال الذي أرق مئات الشعوب ممن عانوا تحت حكم ديكتاتوري، وكانت كل محاولة لإسقاط الطاغية تخضبها دماء الآلاف من أبناء الشعب، يقول المهاتما غاندي: «اللاعنف أعظم قوة حظيت بها البشرية»، وفي تقريرٍ نشر بجريدة «نيويورك تايمز»، تحت عنوان: «كيف تسقط ديكتاتورًا بطريقة سلمية» يجيب عن هذا السؤال، في إشارة إلى أن هناك طريقة تسمى «أوتبور»، وهي الحركة الطلابية الصربية التي كان لها دور فعال في إسقاط سلوبودان ميلوسوفيتش عام 2000، وهو زعيم صربي قاد حملات تطهير عرقي واسعة في دول البلقان انتهت بالإطاحة به وتسليمه إلى المحكمة الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة.

أما طريقة «أوتبور»، وشعارها «قبضة يد مضمومة»، فهي تتخذ من الكفاح السلمي دون عنف استراتيجية لها، وقد استقى الصربيون أفكارهم من الأكاديمية الأمريكية جين شارب وكتابها «المقاومة اللاعنفية»، والذي كانت أطروحته «كيف نتمكن من إحداث تغيير جذري دون اللجوء إلى العنف»، وتشير شارب إلى أن هناك تقنيةً أخرى للنضالِ، وبديلًا واقعيًا للعنف، يتمثل في: «أشكال النضال النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية»، والتي يمكن أن نواجه بها حتى أعتى الأنظمة القمعية، تلك التي تستخدم الإعدام والضرب والاعتقالات والذبح الجماعي، وقد نحقق انتصارًا عليهم.

أما التاريخ الإنساني، فقد كان حافلًا بقصصٍ كثيرة عن وسائل سلمية استخدمتها الشعوب حول العالم لإسقاط الأنظمة العسكرية الدكتاتورية، كان بعضها أغرب من الخيال، فما هي أغرب هذه الوسائل؟

كيف تسبب الجنرال بينوشيه في عزل نفسه؟

في عام 1973، انقلب الجنرال أوجستو بينوشيه على الحكم الديمقراطي في دولة تشيلي، ليحكمها ما يقرب من عقدين من الزمان بالحديد والنار، ويصبح واحدًا من أعتى طغاة عصره. كان الجنرال بينوشيه رمزًا سيئ السمعة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وملفات الفساد؛ إذ وبعد الانقلاب الوحشي على رئيس جمهورية تشيلي المنتخب سلفادور أليندي بدأ في اعتقال الآلاف من المتعاطفين مع أليندي وجرى استجوابهم بطريقةٍ وحشية، كما كانت هناك عمليات قتلٍ ممنهجة في الثلاثة أشهر الأولى، وتم إخفاء أكثر من 3 آلاف فرد من السياسيين والمعارضين لحكمه. كانت استراتيجية الجنرال في السيطرة على الحكم تتمثل في إعدام سجناء الأحياء الفقيرة، إضافةً إلى سجناء الريف البسطاء، وذلك من أجل إرهاب جيرانهم وإجبارهم على الصمت وتقبل الحكم العسكري.

«كانت روايات القتل يتم تبريرها بطريقة مُتهكمة زائفة، على سبيل المثال، هناك بعض القضايا جرى الادعاء فيها أن قتل السجناء رميًا بالرصاص، قد جاء نتيجة لمحاولتهم الفرار». *نيويورك تايمز.

في السنوات التي تلت الانقلاب العسكري في تشيلي، وما لازمه من فظائع، تضاءلت انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن صورة الجنرال بينوشيه المحفورةِ في الأذهان كانت دائمًا لهذا الرجل الذي سار بثقة في الملعب الرياضي الرئيس بسانتياجو المليء بالسجناء، طاويًا ذراعيه ناحية صدره، وخافيًا أعينه تحت نظارته الداكنة. وفي عام 1980 ومن أجل إضفاء الشرعية على حكمه، أمر بينوشيه بعمل استفتاء شعبي، مما مكنه من المضي قدمًا في الحكم حتى عام 1988.

وقد جاء هذا الاستفتاء الشعبي في بداية الثمانينات، بعدما واجه الجنرال بينوشيه ضغوطًا متصاعدة داخليًا وخارجيًا؛ وذلك من أجل إبداء بعض المرونة في عملية التحول نحو الحكم الديمقراطي؛ إذ على الرغمِ من أن الولايات المتحدة قد كانت الحليف الرئيس، إلا أن نظام بينوشيه، والذي واجه اتهامات مريعة لانتهاكات حقوق الإنسان تسببت في حالة من السخط العالمي، قد وضع الولايات المتحدة في وضعٍ حرج، حتى أنها هددت بينوشيه بقطع المساعدات الأمريكية لنظامه العسكري، ما لم يخضع لإجراء استفتاءٍ شعبي على حكمه.

كان لمنظمة العفو الدولية دورو كبير في الضغوط الخارجية التي واجهها نظام بينوشيه؛ إذ أصدرت تقارير موثقة انتقدت بشدة أوضاع حقوق الإنسان في تشيلي، بعدما أشارت إلى مقتل نحو 30 ألف شخص، ونفي قرابة نصف مليون إلى خارج البلاد، إضافةً إلى حالات الاختفاء القسري للمعارضين؛ مما حفز المجتمع الدولي للقيام بحملة ضغط عالمية ضد النظام العسكري في تشيلي.

في الوقت ذاته، كان النظام الديكتاتوري لبينوشيه يعاني داخليًا؛ إذ تفاقمت المشكلات الاقتصادية وارتفع حجم الديون الخارجية، وانخفضت قيمة العملة، إضافةً إلى زيادة معدلات البطالة، وقد استغلت أحزاب المعارضة من اليمين واليسار هذه الظروف المقيتة، وتحالفوا في جبهتين كبيرتين هما: «التحالف الديمقراطي بقيادة الحزب الديمقراطي المسيحي، والحركة الديمقراطية الشيوعية»، وقد تمكنت المعارضة حينها من تنظيم حركة احتجاجية واسعة أجبرت بينوشيه تقديم العديد من التنازلات كان من بينها الإفراج عن السجناء السياسيين والسماح بعودة المعارضين المنفيين إلى أرض الوطن، إضافةً إلى الحد من انتهاكات حقوق الإنسان والسماح للأحزاب السياسية المعارضة بمزاولة عملها السياسي. وقد صدرت حينها على إثر ذلك الصحف والمحطات الإذاعية المعارضة للنظام، وكانت الخطوة الأهم هي ضغط المعارضة على بينوشيه من أجل إجراء استفتاء شعبي آخر في نهاية ولايته مارس (آذار) 1990.

بينوشيه

وفي أواخر الثمانينات ظنَّ الجنرال أن الرخاء الاقتصادي في عهده سيدعمه خلال انتخابات حرة ونزيهة، مُعتقدًا أنه في الانتخابات الحرة سيحصل على دعم وامتنان التشيليين؛ مما دفعه إلى القبول بخطة المعارضة وإجراء استفتاء شعبي آخر في نهاية عام 1989، لإعادة التأكيد على توليه منصبه، وهنا جاءت المفاجأة التي لم يتوقعها؛ إذ صوتت الأغلبية الساحقة من التشيليين ضد محاولة الجنرال بينوشيه للبقاء رئيسًا لثماني سنوات أخرى، بنسبة 53% ضد استمرار الحكم العسكري.

كان السبب الرئيس وراء تلك الهزيمة الساحقة هو حركة شعبية «لاعنفية»، سبقت استفتاء أكتوبر (تشرين الأول) 1989 بسنوات؛ إذ نشبت تلك المعارضة داخل التجمعات السرية في الجامعات ومنظمات العمال والكنائس، مُتبعين استراتيجية مُبتكرة أظهرت مدى السخط الشعبي على النظام العسكري الحاكم، وبعد التعبئة الوطنية للناخبين، ومراقبة استطلاعات الرأي، والاستخدام الفعال للإعلام، هزم تصويت «لا» الشعبي في الاستفتاء نظام بينوشيه؛ مما أجبر الجنرال على التنحي عن مقعد الرئاسة، لكنه أصر على الاستمرار حتى انتهاء ولايته، ومع إصرار المعارضة على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فاز مرشح الحزب الديمقراطي المسيحي باتريشيو أيلوين في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 1989، بنسبة 53.8%. أما بينوشيه فبعد هربه إلى بريطانيا جرى اعتقاله عقب توصيات دولية عام 1998 وتقديمه إلى المحكمة العليا في تشيلي، بتهمةِ ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، إلا أن المحاكمة جرى تعطيلها حتى وفاته عام 2006.

كيف أسقطت «أمهات ساحة مايو» الحكم العسكري الأرجنتيني؟

كانت الأرجنتين تحت الحكم العسكري في الفترة ما بين (1976 – 1983)، وإبان ذلك كانت أي معارضة للنظام يجرى دحضها في وضح النهار؛ وانتشرت حملات القبضِ على المعارضين من منازلهم، وجرى إخفاؤهم قسريًا، وكان مصير الكثيرين إما القتل، أو السجن والتعذيب. كان حينها التواصل مع معارضي الجيش يعرضك للخطر، وقد اختفى حتى المحامين الذين تجرأوا بالدفاع عن النشطاء السياسيين، وذلك بحسب «المركز الدولي للنزاعات اللاعنفية (ICNC)»، وكانت تلك الاستراتيجية متعمدة من جانب السلطة والمسؤولين الحكوميين ورجال المخابرات؛ إذ أعلنها الجنرال خورخي رافائيل فيديلا – والذي تولى الحكم إثر انقلابٍ عسكري من 1976 إلى 1981 – في أكثر من حوارٍ له «حربًا داخلية»، وقرر أن يخرس معارضيه بقسوة لا حدود لها.


كانت الأجواء في الأرجنتين في تلك الفترة يسودها الخوف والصمت؛ إذ وبحسب وثائقي «الجزيرة»، كانت السلطات تعمد إلى إخفاء من يتم القبض عليهم إلى جهاتٍ غير معلومة، ليختفوا هناك وإلى الأبد. وفي أشهرٍ قلائل، اختفى أكثر من 30 ألف معارض. هذا المناخ الذي لم يستطع أن يكسره سوى قلق الأمهات على أبنائهن، ومع تزايد أعداد المختفين قسريًا، بدأت الأمهات في الأرجنتين رحلة بحث عن أبنائهن المفقودين.

وفي 30 أبريل (نيسان) 1977، شاركت 14 امرأة في تظاهرة هي الأولى من نوعها؛ إذ اجتمعن في «بلازا دي مايو» أو ساحة مايو، بالعاصمة الأرجنتينية أمام القصر الرئاسي والكاتدرائية الوطنية، وكان دافعهن الأول هو غريزة الأمومة وليس السياسة، مطالبات بمعرفة الحقيقة حول «مصير» أبنائهن. في البداية أطلقت عليهن السلطة لقب «مجنونات ساحة مايو»، ولم يعرهن أحد اهتمامه؛ إلا أنهن لم يتزحزحن عن موقفهن، وفي كل خميس كانت الأعداد تتزايد، وفي غضون عام شاركت المئات من الأمهات في إعلان من نصف صفحة بأسمائهن وأرقام بطاقات الهوية في صحيفة «لا برينسا الوطنية»، متسائلات عن أبنائهن. ومن رحم قسوة النظام العسكري، نشأت أغرب حركة نسائية عرفت باسم «أمهات ساحة مايو».

«نريد أن نعرف أين أبناؤنا، أحياء أم في عداد الموتى؟ نشعر بالقلق، ولا نعرف إن كانوا مرضى، يشعرون بالبردِ أم جائعين، فنحن يائسون لا نعرف عنهم شيئًا، ولا نعرف لمن نتوجه». *أمهات ساحة مايو.

كانت تلك الحركة النسائية، هي المسمار الأخير في نعش الحكم العسكري الأرجنتيني؛ إذ شجعت العديدين على الخروج عن الصمت، والتظاهر سلميًا دون خوف من السلطة، كما كشفت واحدة من أبشع جرائم النظام العسكري بالأرجنتين؛ إذ كان بين المختفين قسريًا أطفال ورضع اختطفوا من الأسر المعارضة للنظام، في وقتٍ كان فيه الإعلام بالكامل تحت سيطرة الدولة، بحسب وثائقي «الجزيرة»؛ مما شجع آخرين على كشف انتهاكات النظام إلى الصحافة العالمية، خاصةً إبان استضافة الأرجنتين لكأس العالم 1978؛ إذ توجهت الأمهات إلى الصحف العالمية قائلات: «أنتم أملنا الوحيد».

دروس للديكتاتور المبتدئ.. كيف خطط الرئيس الصيني للبقاء في الحكم مدى الحياة؟

كان المجلس العسكري حينذاك يواجه ضغطًا عالميًا؛ ما أدى في النهاية إلى انقسام السلطة داخل الجيش نفسه، وعانت الأرجنتين من انقلاباتٍ متتالية، وتورطت في حربٍ ضد بريطانيا من أجل السيطرة على جزر فوكلاند عام 1982، إلا أن الحرب قد باءت بالفشل، ونتج عنها أزماتٍ اقتصادية، شوهت سمعة المجلس العسكري، وهنا خرج المحاربون القدامى مع العاطلين عن العمل وربات البيوت يقودون احتجاجات الشوارع؛ مما دفع المجلس العسكري للتخلي عن السلطة، وإعلان إجراء انتخابات ديمقراطية.

وفي عام 1985، حُكم على فيديلا بالسجن مدى الحياة؛ إذ جرى اتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من تعذيبٍ وقتل، وعلى الرغم من أن الرئيس الأرجنتيني السابق كارلوس منعم قد منحه عفوًا رئاسيًا عام 1990، إلا أنه وفي أبريل (نيسان) من عام 2010 أيدت المحكمة العليا حكمًا قد صدر من المحكمة الفيدرالية بإلغاء العفو، ووجهت إليه عام 2012 اتهامات بالإشراف على عمليات سرقة ممنهجة لمواليد السجناء السياسيين، وواجه على إثره حكمًا بالسجن مدة 50 عامًا، وقد توفى فيديلا عن عمرٍ يناهز 87 عامًا، عام 2013، أثناء قضائه عقوبة السجن.

البرازيل.. الطبقة العاملة في مواجهة الانقلاب العسكري

عام 1964، كانت البرازيل تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة، وقد انتهز المجلس العسكري في البرازيل تلك الأزمة من أجل الانقلاب على حكم جواو غولار، الرئيس المنتخب، وفي فيلمٍ وثائقي أعدته «الجزيرة»، جرى الإشارة إلى أنه منذ اللحظات الأولى للانقلاب، اتخذ العسكريون من العنفِ سبيلًا لإسكات المعارضة، وإخماد الاحتجاجات والمقاومة. وفي الفترة ما بين 1968-1969 قادت الحركات الطلابية في البرازيل عدة تظاهرات، كانت هي حجر الأساس، والموجة الثورية الأولى في مواجهة الحكم العسكري؛ إلا أن قوات الأمن قد تمكنت من قمع تلك التظاهرات، وجرى اعتقال الآلاف – تعسفيًا – واحتجزوا دون محاكمة، ومن ثم حكم عليهم بالسجن.


كان النمو الاقتصادي الذي شهدته البرازيل بداية من سبعينات القرن الماضي، هو البداية لسقوط الحكم العسكري؛ إذ ومن رحم هذا النمو هاجر الآلاف من الريفيين إلى المدينة، وتكونت على إثر ذلك طبقة من العمال، كانوا هم وقود المصانع الجديدة، والموجة الثورية القادمة على حدٍ سواء.

عانت البرازيل إبان الحكم العسكري من انعدام العدالة الاجتماعية، وعلى الرغم من أن العمال كانوا نواة هذا الازدهار الاقتصادي، إلا أنهم عاشوا في فقرٍ مدقع، دون أي توزيع عادل للثروات، يعانون من القمع والقيود البيروقراطية، إلى جانب النزاعات مع أرباب العمل، ونتيجة لذلك نشأت «الحركات العمالية»، والتي سعت لاقتناص الحقوق المهدورة لتلك الطبقة الاجتماعية؛ إذ وفي تلك الفترة انضم العديد من العمال إلى النقابات العمالية، وذلك سعيًا إلى تمثيلٍ أكبر في النزاعات مع أرباب العمل، واستعادة المساحة التي فقدوها بانقلاب 1964، الذي اضطهد الطبقة العاملة. وفي النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، ما بين عامي 1978-1980، بدأت موجة من الإضرابات العمالية في منطقة سان باولو وهي المنطقة الصناعية، في أكثر من 213 مصنعًا، وكان عدد العمال المشاركين في تلك التظاهرات حوالي نصف مليون تحت قيادة لولا دي سيلفا – القيادي العمالي، وقد تمكن دي سيلفا فيما بعد من تأسيس حزب العمال، لينتقل بالصراع من حدودِ مشكلات العمالة مع أرباب العمل، إلى الدولة العسكرية التي رسخت اضطهاد العمال. ومن هنا امتدت الاحتجاجات والإضرابات إلى أنحاء البلاد. كان النمو الاقتصادي إحدى الركائز التي استند إليها النظام العسكري القمعي في البرازيل، وكانت الإضرابات العمالية، ضربة موجعة ضد الركائز الاقتصادية والسياسية التي دعمت الديكتاتورية، والخطوة الأولى على طريق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

في بداية الثمانينات، كانت الحركات العمالية قد تشكلت وأصبحت قوة لا يستهان بها، لم تستطع الشرطة قمع الاحتجاجات العمالية حينذاك، كما فعلت من قبل، وفي عام 1985، رضخت السلطة العسكرية للمطالب العمالية، وأعلنت تخليها عن السلطة.

في بورما استخدموا الكلاب من أجل الاحتجاج

في سبتمبر (أيلول) من عام 2007، شهدت بورما أكبر حركة للتظاهرات في الألفية الجديدة، أطلقوا عليها «ثورة الزعفران»؛ إذ قاد عشرات الآلاف من الرهبان البوذيين مظاهرات حاشدة في البلاد، وانضم إليهم آلاف المدنيين، وذلك من أجل المطالبة بإنهاء الحكم العسكري. خلال هذه التظاهرات، اعتقل النظام أكثر من 6 آلاف فرد، كان بينهم حوالي 1400 راهب، كما أصيب العديد من المتظاهرين بالجروح، وحرموا من الرعاية الطبية المناسبة، وكان المحتجزون يتعرضون للتعذيب البدني، ولا يحصلون على كفايتهم من الطعام والماء، ويجبرون على استخدام مرافق ومراحيض، «قذرة وغير آدمية»، بحسب تقارير حقوق الإنسان.

«هناك أكثر من 200 شخص قد قتلوا خلال هذه الحملة، وتقارير مروعة من بورما تفيد بأن المستشفيات والعيادات قد مُنعت من تقديم أي علاج للمصابين في التظاهرات، وأن الجيش قد نفذ عمليات حرق سرية لجثث الضحايا ليلًا». 

بدأت الاحتجاجات في 19 أغسطس (آب) 2007، عندما قامت الحكومة برفعِ أسعار الوقود دون سابق إنذار، بنسبة وصلت إلى 500%، حينها قاد الناشطون السياسيون المؤيدون للديمقراطية مجموعة من التظاهرات، قابلها النظام بحملةِ قمع وحشية، واعتقل المئات من الناشطين السياسيين، وهنا انضم الرهبان البوذيون إلى حركة التظاهرات؛ مما أضفى عليها زخمًا جديدًا، وكان النظام العسكري في بورما يعمل على دحض كل حركة مقاومة بوحشية، ومع تزايد التظاهرات، عزز النظام الأمن في مدن بورما الرئيسة، استعدادًا لقمع الاحتجاجات، وفي 26 سبتمبر، قام النظام بحملة صارمة ضد المتظاهرين؛ إذ قام أفراد الأمن باقتحام الأديرة، وتهجير الرهبان قسرًا، بعد الاعتداء عليهم بالضرب، كما أطلقت قوات الشرطة الغاز المسيل والأعيرة النارية بين الحشود؛ لتفريق المتظاهرين.

جانب من التظاهرات

على الرغم من القمع، والوجود العسكري المكثف في مدن بورما الرئيسة، استمر شعب بورما في تحدي النظام بطرقٍ سلمية؛ إذ قاموا بوضع صور قادة النظام العسكري حول أعناق الكلاب، وتركوها تتجول بين أنحاء المدينة، وهي إهانة خطيرة في بورما، ووزعوا المنشورات التي تدين العنف سرًا في أنحاء البلاد، كما دهنت القطارات بالشعارات التي تندد بالحكمِ العسكري.

وعلى الرغم من «النهاية المأساوية» لثورة الزعفران، إلا أنها كانت البداية نحو عملية التحول التدريجي التي شهدتها في البلاد منذ 2010؛ إذ وافق الجيش على تسليم السلطة لحكومة يرأسها الجنرال الإصلاحي ثين سين، وقد توج هذا التحرك عام 2015، بتولي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» السلطة، والذي تتزعمه المناضلة الحائزة على جائزة نوبل للسلام أونغ سان سو كي.

حُرمت سو كي دستوريًا من الترشح للانتخابات الرئاسية، لزواجها من أجنبي، إلا أنها أعلنت خطتها لتصبح سلطتها أعلى من سلطة الرئيس؛ وأدى تين كياو ذراعها الأيمن اليمين الدستورية في مارس (آذار) 2016، ليقود أول حكومة منتخبة ديمقراطيًا بعد سنوات من الحكم العسكري.

العسكريون يقرؤون نفس الكتاب.. 4 تجارب للجيوش مع الثورة والسلطة

 

المصادر

s