من جديد تتفجر فضيحة «بيدوفيليا» الأطفال بالمغرب، هذه المرة كانت ضحيتها طفلة بريئة أخرى في عمر ست سنوات تعرضت للاغتصاب، من طرف مشتبه فيه أربعيني كاد ينجو بفعلته بعد تمتيعه بالسراح المؤقت، ليضرب هذا السراح المؤقت مثالًا حيًا على أن القضاء المغربي لا يزال أمامه الكثير من الإصلاح والعمل لمحاربة هذه الجريمة الشنيعة في البلاد، وإصلاح قانون الاغتصاب.

جريمة مروعة كادت تُطمس بدعوى «العار والفضيحة»

بدأ الأمر حين اكتشفت الأم أن طفلتها إكرام تعاني من ألم حاد، وعلى إثر ذلك نقلها والدها إلى مستوصف البلدة، وبعد إجراء فحوصات أولية عليها صدم الأب بتعرض ابنته للاغتصاب. حاول الوالدان المفجوعان استنطاق ابنتهما الصغيرة لمعرفة الحقيقة، والتأكد مما لم يرغبا في تصديقه، فحكت الطفلة تفاصيل اغتصابها في الحمام من طرف جارهم الأربعيني.

وعندما واجه الأب المُغتصب المتهم بفعلته الشنيعة، أنكر الأخير التهمة وجابهه بالنفي المطلق. فقرر الوالدان تناسي الحادثة وطي القضية خشية العار والفضيحة بين ألسنة الناس في بلدتهم الصغيرة.

لكن وبعد مرور 10 أيام على الواقعة لم يستطع الممرض الذي فحص الطفلة الضحية أول مرة نسيان الأمر، وأصر على إقناع الأب بالإبلاغ عن الجريمة، وعرض مساعدته في التكفل برفع القضية إلى الجهات المختصة. حينئذ اصطحب الممرض الوالدين مع ابنتهم إلى المستشفى الإقليمي للمنطقة، وهناك أُجري للطفلة فحص طبي، ليتأكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الضحية الصغيرة تعرضت للاغتصاب، فتم إبلاغ وكيل الملك بالأمر، لتحل الشرطة بالمكان وتعتقل الجاني المشتبه فيه.

وفي الوقت الذي ظن فيه البعض أن المجرم سينال عقابه وتسترجع الطفلة بعض من حقها المهدور، وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ أُطلق سراح المتهم بعد يومين فقط من اعتقاله عقب دفعه كفالة مالية، وتنازل كتابي من والد الطفلة!

كانت القضية ستطوى عند هذا الحد ويُنسى الأمر، لولا أنها وصلت إلى الصحافة وتحولت إلى قضية رأي عام، وتدخلت المنظمات الحقوقية على الخط وتفجر الغضب الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي.

وعلى إثر ذلك قررت محكمة الاستئناف إعادة المتهم إلى السجن ومتابعته بجريمته تحت الاعتقال، فيما برّر والد الطفلة المغتصبة تنازله السابق بـ«تعرضه لضغوط شديدة من الأقارب مخافة العار والفضيحة» وتراجع عن قراره بالتنازل.

«كلنا إكرام».. ردود فعل شعبية وحقوقية غاضبة

عرفت واقعة اغتصاب الطفلة إكرام ردود ساخطة من قبل الرأي العام، فقج نُظمت مسيرة شعبية بالمنطقة للتنديد باستمرار الاعتداء على الأطفال وتمتيع المتهمين بالسراح المؤقت قبل أن يعاد اعتقالهم تحت الضغط الشعبي. كما انتقدت المنظمات الحقوقية بشدة استمرار تواطئ السلطات مع ثقافة المجتمع في تكريس «جريمة البيدوفيليا» في البلاد.

وفي هذا السياق استنكرت «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان»، في بلاغ لها، «تمتيع القضاء بعض المشتبه فيهم بالعنف الجنسي ضد القصر بالسراح المؤقت، حينما تتنازل عائلة الضحية»، معلنةً أنها كلّفت محامين لمتابعة قضية اغتصاب الطفلة إكرام، وستنصب نفسها، طرف مدني في الواقعة.

وفي الشأن نفسه أيضًا، حمّلت جمعية «أطاك» الدولة المسؤولية «في التواطؤ الضمني والتطبيع مع هذه الجرائم، وذلك لضعف الإجراءات المتخذة منها تمتيع المجرمين بالسراح المؤقت، وكثرة الثغرات القانونية»، علاوة على دور الثقافة الذكورية المترسخة، كآلية للحكرة والاضطهاد حسب بيان الجمعية المغربية.

ويتكلّف «منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان» بمؤازرة الطفلة الضحية، فقد وكّل محاميا للدفاع، كما باشر بتوفير حصص مختصة للرعاية النفسية للطفلة أكرام ضحية جريمة الاغتصاب الأخيرة. ويقول رئيس المنتدى مبارك أوتشرفت: «إن الطفلة إكرام بحاجة ماسة إلى رعاية نفسية لتجاوز صدمة الاعتداء الجنسي عليها، خاصة وأن أسرتها تنتمي إلى الطبقة الاجتماعية الهشة»، مضيفا أن المنتدى الحقوقي «طلب من العائلة تغيير البيت تحت نفقة أحد المحسنين، من أجل الابتعاد عن بيت المتهم جارِ الأسرة، وتخفيفًا للضغط النفسي عن الأسرة».

جدير بالذكر أن صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، غصّت بالمنشورات المنددة بظاهرة البيدوفيليا المنتشرة في المغرب، وتضامنًا مع الطفلة إكرام.

القضاء المغربي والتساهل مع قضايا البيدوفيليا

يصنف الاعتداء الجنسي على الأطفال عالميًا ضمن «الجرائم الجسيمة ضد حقوق الطفل»، لذلك تقر الدول في تشريعاتها الجنائية أشد العقوبات لزجر هذا النوع من الجرائم، والتي تصل في بعضها إلى السجن المؤبد والإخصاء الكيميائي لمرتكب هذه الجريمة، فعلى سبيل المثال تطبق كلتا العقوبتين في الولايات المتحدة الأمريكية، حسب نظام كل ولاية.

لكن الوضع في المغرب مختلف تمامًا، إذ تتواطأ المنظومة القضائية التي يشوبها الفساد مع العادات الثقافية المختلة والأوضاع الاجتماعية الهشة في تكريس ظاهرة البيدوفيليا بالبلاد، خاصة في المجتمع القروي الفقير، وبعض المدن السياحية، مثل مراكش. وفي هذا الصدد يشير تقرير صدر في 2015 عن «الائتلاف ضد الاعتداءات الجنسية»، أن 70 طفلًا يتعرضون يوميًا لاعتداء جنسي في المغرب.

وتنتشر ظاهرة «الحكرة والاعتداء الاجنسي على الأطفال» في القرى، بسبب ثقافة الصمت والتكتم السائدة على جرائم الاعتداءات الجنسية، خشية العار والخوف من الفضيحة بين الناس ومحيط العائلة، لا سيما أن الأرقام تفيد أن معظم المعتدين جنسيًا على الأطفال هم من الأقارب والجيران؛ مما يساهم في التغطية على مثل هذه الجرائم الشنيعة دون رقيب أو حسيب، مثلما كاد يحدث مع قضية إكرام، لولا الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي.

اغتصاب " الطفلة إكرام"

يُهتك عرضها وتُسرق طفولتها، ثم يُغفر للجاني بعد تنازل والدها.. قضية الطفلة إكرام تهز الرأي العام المغربي. فما القصة؟

Geplaatst door HESPRESS op Dinsdag 9 juni 2020

من جهة أخرى تتسبب السياحة الجنسية في هذه الظاهرة ببعض المدن، إذ يعتبر الناشط الحقوقي، عمر أربيب، أن السبب الرئيس لتفشي دعارة القاصرين في مراكش هو «تساهل السلطات والقضاء مع هذه القضايا، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأجانب، سواء كانوا أوروبيين أو خليجيين»، ويضرب الناشط الحقوقي مثالًا على ذلك، بالأحكام القضائية المخففة في عدد من الحالات المسجلة، والتي لا تتجاوز سنتين سجًنا، كما حدث مع الأمريكي هاولاي، والفرنسي جون ماري كيوم، اللذين أُدينا بممارسة الدعارة مع قُصّر، فيما أن السمة البارزة لدى المتهمين من دول الخليج ممارسة دعارة القصر؛ هي الإفلات من العقاب.

ويعاقب القانون المغربي على أفعال هتك عرض أو محاولة هتكه على كل طفل أو طفلة يقل سنه عن 18 سنة بعقوبة حبسية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، في حالة كان بدون عنف. وتصل أقصى عقوبة إلى 20 سنة في حالة كان الاعتداء على الطفل مصحوبًا بالعنف، لكن نادرًا ما تطبق هذه العقوبة على أرض الواقع.

وهو ما يدفع المنظمات الحقوقية بشكل متكرر إلى المطالبة بمراجعة قوانين حماية الطفل، وسن قوانين صارمة لردع منتهكي كرامة الطفولة، فضلًا عن تطهير النظام القضائي من الرشوة والفساد، ليستطيع إعادة الاعتبار لبراءة الأطفال.

مجتمع

منذ سنتين
«البيدوفيليا» في المغرب.. كيف تتعامل الحكومة مع الشبح الذي يؤرق البلاد؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد