كشف تحقيق استقصائي مشترك لـ17 صحيفة ومؤسسة إعلامية وحقوقية عن محاولة اختراق طالت هواتف 50 ألف شخصية عبر العالم، من بينهم رؤساء، وملوك، ونشطاء سياسيون معارضون، وصحافيون، وذلك عن طريق برنامج «بيجاسوس (Pegasus)» الذي طوّرته «شركة التجسس الإسرائيلية (NSO)»، ويستهدف هذا البرنامج هواتف «آيفون» و«أندرويد» مستغلًا ثغرات تقنية في هذه الأجهزة، تسمح له بالتقاط الصور، والفيديوهات، والرسائل، والإيميلات، وحتى تسجيل المكالمات، وفتح المايكروفون، والكاميرا.

وكانت «منظمة العفو الدولية»، بالإضافة إلى «فوربيدن ستوريز» الفرنسية، قد حصلتا على البيانات المسرّبة في البداية، ليجري إشراك مؤسسات إعلامية وصحف دولية في العمل على هذا المشروع، وأفاد التحقيق بأن وجود رقم الهاتف ضمن قائمة الـ50 ألف رقم المستهدفين من طرف «بيجاسوس» لا يعني بالضرورة أن عملية اختراق الهاتف قد نجحت بالفعل، بل يعني اهتمام زبائن الشركة باختراق صاحب هذا الهاتف، ولكن عند فحص عيّنة صغيرة من هذه الهواتف المستهدفة من خلال تقنيات متقدّمة، وجد التحقيق أن أكثر من نصفها على الأقل به آثار برمجية «بيجاسوس».

وشملت قائمة الهواتف المستهدفة 10 رؤساء وزراء من اليمن، ولبنان، وأوغندا، وفرنسا، وكازاخستان، والجزائر، وبلجيكا. بالإضافة إلى ثلاثة رؤساء جمهورية: الرئيس الفرنسي ماكرون، والرئيس العراقي برهام صالح، والرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا. وملك المغرب محمد السادس.

وفي دفاعها عن نفسها قالت الشركة الإسرائيلية في بيان لها عقب التسريبات الأخيرة إن رقم 50 ألف هاتف هو رقم مبالغ فيه، وأكدت أنها لا تبيع خدماتها إلى الأجهزة العسكرية والقضائية والمخابراتية لنحو 40 دولة، كما أنها «تراقب سجلّ حقوق الإنسان» لزبائنها قبل بيع خدماتها.

على جانب آخر نفت عدّة دول جرى ذكر اسمها في التحقيق الدولي هذه الاتهامات، واعتبرتها غير صحيحة، وتشمل قائمة الدول الزبائن لبرمجية التجسس الإسرائيلية عدة بلدان عربية، والتي جرى ذكرها في التسريب الأخير، وهي كل من البحرين، والمغرب، والسعودية، والإمارات، بالإضافة إلى بلدان أخرى مثل: أذربيجان، وكازاخستان، والمكسيك، ورواندا، والمجر، والهند.

أزمة دبلوماسية في الأفق.. هل يتجسس المغرب على فرنسا والجزائر 

أولى أبرز تداعيات هذا التحقيق الصحافي الدولي كانت في المغرب؛ فقد كشف التحقيق أن المغرب هو أحد أكبر زبائن الشركة الإسرائيلية، والذي اشترى خدماتها للتجسس على شخصيات بأعلى هرم السلطة في فرنسا، بالإضافة إلى الجزائر التي تواجدت في قائمة الدول المستهدفة من طرف البرنامج الإسرائيلي؛ وهو ما فجّر أزمة دبلوماسية بين المغرب وهذين البلدين. وكشفت صحيفة «لوموند» أن المغرب اشترى خدمات الشركة من أجل التجسس على حوالي 6 آلاف شخصية جزائرية ما بين سنة 2017 حتى سنة 2019، سنة الحراك الشعبي في الجزائر، وهو ما قد يشير إلى محاولة المغرب الحصول على معلومات حول علمية انتقال السلطة بعد استقالة بوتفليقة.

وبين هؤلاء الذي تعرّضت هواتفهم للاستهداف، مسؤولون سياسيون وعسكريون على أعلى مستوى، ومعارضون ونشطاء، ومن بينهم: وزيرا الخارجية رمطان لعمامرة، وعبد القادر مساهل، والوزير الأول السابق نور الدين بدوي، وعدّة جنرالات حاليين وسابقين في الجيش، والمخابرات الجزائرية: سعيد شنڨريحة وزير الدفاع الحالي، وواسيني بوعزة، وبشير طرطاق من المخابرات، والجنرال بن داود، وخالد نزار وابنه، بالإضافة إلى مراد ابن وزير الدفاع السابق الڨايد صالح، وڨرميط بونويرة المساعد الشخصي للقايد صالح.

 هاتف الرئيس الفرنسي ماكرون هو أيضًا أحد ضحايا محاولات الاختراق من طرف المغرب حسب التحقيق 

هذا الإضافة إلى الأخوة بوتفليقة: السعيد، وناصر، وزهور، والسفير الفرنسي السابق في الجزائر دريانكور، وملحقه العسكري، والسفير الجزائري في باريس سابقًا مسدوة، وملحقه العسكري العقيد كريم حاج صدوق.

ويذكر التقرير أيضًا شخصيات سياسية معارضة، من بينهم الوزير السابق عبد العزيز رحابي، والمحامية زبيدة عسول، وقد فجّر هذا التحقيق أزمة دبلوماسية بين الجزائر والمغرب؛ فقد أمرت النيابة العامة في الجزائر بفتح تحقيق حول مزاعم التجسس التي تورّط فيه المغرب ضد شخصيات جزائرية، بحسب ما ورد في التحقيق.

الجزائر ليست المستهدف الوحيد من طرف المغرب، حسبما جاء في التحقيق، بل إن شخصيات فرنسية على أعلى مستوى كانت أيضًا مستهدفة، أبرزها الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، بالإضافة إلى 14 وزيرًا من الحكومة الفرنسية.

الرئاسة الفرنسية في بيان لها كانت قد وصفت هذه التحقيقات بالخطيرة للغاية، وأعلنت الشروع في تحقيق حول هذه المزاعم، أما المغرب فقد نفى تورّطه في هذه الاتهامات، وأدان بشدة ما سمّاه بـ«الحملة الدولية» التي تستهدفه.

المثير للانتباه فيما يتعلّق بما ذكرته صحيفة «لوموند» حول علاقة المغرب بشركة التجسس الإسرائيلية، هو أن هاتف الملك المغربي نفسه، بالإضافة إلى مجموعة من حاشيته، وأفراد عائلته أيضًا (بعضهم ممن عرفوا بمواقفهم المناوئة)، من المحتمل – حسب التحقيقات – أنهم كانوا ضحيّة لمحاولة التجسس من طرف البرمجية الإسرائيلية.

الإمارات.. تجسّست على المعارضين وعلى أسرة حاكم إمارة دبي

التحقيق الذي بدأ يتكشّف مداه شيئًا فشيئًا مع التقارير التي تُصدرها المؤسسات الإعلامية المشاركة فيه، بيّنت ليس فقط تجسّس الدول المتنافسة فحسب، بل بين الدول الحليفة فيما بينها، بالإضافة إلى تجسّس مؤسسات نفس الدولة على شخصيات من داخل النظام نفسه.

الإمارات هي أيضًا إحدى أبرز زبائن الشركة الإسرائيلية، وأفاد تقرير لـ«الجارديان» البريطانية، وهي إحدى المؤسسات الإعلامية التي شاركت في التحقيق الاستقصائي؛ بأن حوالي 400 شخصية بريطانية كانت مستهدفة من طرف البرمجية الإسرائيلية، وأن الإمارات هي التي تقف خلف أغلب هذه المحاولات.

من بين الشخصيات المستهدفة، الأميرة لطيفة، ابنة محمد بن راشد آل مكتوم حاكم إمارة دبي، والتي فرّت من الإمارات إلى بريطانيا منذ عام 2018، بالإضافة إلى زوجته السابقة هيا، التي وصلت إلى بريطانيا عام 2019، وتشمل القائمة أيضًا عضوة في البرلمان، ومحامين مقربين من أسرة محمد بن راشد، وجون شيبمان، مسؤول في مركز أبحاث متعلق بالدفاع، وقريب من البحرين. هذا بالإضافة إلى صحافيين، مثل رولا خلف الصحافية في جريدة «الفاينانشال تايمز».

معارضون خليجيون أيضًا كانوا من بين الضحايا التي حاولت الإمارات اختراق هواتفهم، من بينهم الحقوقية الإماراتية آلاء الصديق، التي توفيت قبل شهر في حادثة سيارة تعرضت لها بلندن، وتشمل القائمة أيضًا المعارض البحريني سيد أحمد الوداعي؛ هذا بالإضافة إلى نشطاء في جمعيات إسلامية بريطانية، كإمام مسجد فينسبيري بارك، أحد أشهر مساجد بريطانيا، محمد كزبار، ورغد التكريتي، رئيس جمعية مسلمي بريطانيا.

الهند هي أيضًا إحدى أبرز الدول التي حصلت على خدمات شركة التجسس الإسرائيلية «إن إس أو»؛ فقد أشار التحقيق إلى أن الحكومة الهندية، التي تستضيف حكومة التبت الموجودة في المهجر، تتجسّس على هواتف مساعدي الدلاي لاما من أجل التأثير على عملية انتقال السلطة في هذا الإقليم على ما يبدو، هذا بالإضافة إلى التجسس على رئيس وزراء باكستان عمران خان.

تحقيقات «بيجاسوس» قد تلقي الضوء على تفاصيل جديدة حول اغتيال خاشقجي

السعودية هي الأخرى كانت من بين أبرز زبائن الشركة الإسرائيلية؛ فبالإضافة إلى حادثة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في السفارة السعودية بإسنطبول، والتي لعبت فيه البرمجية الإسرائيلية دورًا رئيسًا؛ فإن التحقيق الأخير أشار إلى أن السعودية تتجسّس على معظم الطبقة السياسية في لبنان، وقد بلغ عدد الشخصيات المستهدفة من طرف السعودية 300 شخصية لبنانية، من بينهم رئيس الجمهورية ميشيل عون، ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري، وسمير جعجع، وجبران باسيل، وغيرهم.

 تفاصيل جديدة حول اختراق هواتف المحيطين بالصحافي خاشقجي

بالإضافة إلى ذلك فإن التحقيقات الأخيرة من شأنها أن تعطي صورة أكثر اكتمالًا حول حادثة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي؛ وذلك بسبب ظهور العديد من المقرّبين منه في قائمة الهواتف التي حاولت السعودية اختراقها عن طريق الشركة الإسرائيلية، وتشمل القائمة زوجته حنان العتر، بالإضافة إلى خطيبته خديجة جنكيز، وزملاء مقربين منه، من بينهم وضاح خنفر المدير السابق لشبكة الجزيرة، وقد أصدرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية نفيًا لهذه الاتهامات بالتجسس، واعتبرتها غير صحيحة.

في سنوات مضت كان برنامج «بيجاسوس» يعتمد على إرسال رسائل قصيرة مموّهة إلى الهاتف المستهدف، بها روابط خبيثة تقوم بتثبيت برنامج التجسس فور الضغط عليها، وهو ما حدث مع عمر عبد العزيز، المعارض السعودي الموجود في كندا؛ مما ساعد في التجسس على مراسلاته مع الصحافي السعودي جمال خاشقجي، لكن البرمجيّة قد تطوّرت لتصل إلى مستوى عدم الحاجة إلى الضغط على الروابط لتثبيت البرنامج، بل يكفي فقط مجرّد اتصال هاتفي بالهاتف المُراد اختراقه للسماح للبرمجية الخبيثة بولوج الهاتف.

برنامج «بيجاسوس» للشركة الإسرائيلية الشهيرة «NSO» معروف في الدوائر الإعلامية منذ 2016، لكنه حصل على اهتمام إعلامي كبير لما عرف عن دوره في قضية اغتيال الصحافي السعودية جمال خاشقجي عام 2018، بالإضافة لما ذكر عن استعماله من طرف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لاختراق هاتف رجل الأعمال الأمريكي ومالك شركة «أمازون» جيف بيزوس.

وجدت شركة كندية متخصصة في الأمن السيبراني «سيتيزن لاب» شبكة مرتبطة بالسعودية تتجسس على جهاز في كندا باستخدام «بيجاسوس»، وسمح تتبّع الشبكة بالوصول إلى المعارض السعودي عمر عبد العزيز والوصول إليه، ومن ثم اكتشفوا اختراق هاتفه، وذلك عن طريق رسالة نصية مموّهة تشبه التي ترسلها شركات التوصيل (الشحن)، وتحوي في داخلها رابطًا يخترق الجهاز لو تم الضغط عليه، ومؤخرًا كشف المركز الكندي أنّ الشركة طوّرت تقنيات لاختراق الأجهزة دون الحاجة إلى هذه الرسائل، كما ذكرنا.

وبالتجسس على عمر عبد العزيز اكتشفت الرسائل بينه وبين جمال خاشقجي، وقبض على 23 من أصدقاء عمر، ولكن أشهر ضحايا الاختراقات السعودية هو الملياردير الأمريكي جيف بيزوس، أغنى رجل في العالم حينها، ومالك جريدة «واشنطن بوست»، والتي انتقدت السعودية بشراسة بعد اغتيال خاشقجي الذي كان كاتبًا فيها، وقد ألغى بيزوس زيارة له إلى السعودية خطّط أن يعلن فيها عن صفقة ضخمة تتعلق برؤية «2030» التي دشّنها ولي العهد السعودي في أعقاب ذلك.

على ما يبدو فإن إلغاء الزيارة أغضب ابن سلمان؛ ما دفعه إلى اختراق هاتف بيزوس باستخدام برنامج «بيجاسوس»، ولكن الرسالة وصلت هذه المرة إلى هاتف بيزوس من حساب ابن سلمان شخصيًا على تطبيق المحادثات «واتساب».

ليس هذا فحسب، فالسعوديّة استهدفت رقم وزير الخارجية المصري سامح شكري، والمتحدّث باسم الخارجية السفير أحمد حافظ، في الفترة الممتدّة بين مارس (آذار) وأغسطس (آب) 2019، وذلك على الرغم من التحالف الظاهر بين البلدين، ولكن لم تبين الوثائق ضمن مشروع «بيجاسوس» مضمون الاتصالات التي قد تكون مراقبة، ومن ثم لم يتبين الهدف من محاولات التجسس هذه، كما تبين التحقيقات أن السعودية والإمارات قد استهدفتا أيضًا شخصيات عراقية في مراكز حساسة.

وبعدّ برنامج «بيجاسوس» البرنامج الأكثر تقدّمًا في ميدان التجسس؛ إذ يعمل على استغلال الثغرات الأمنية من نوع «زيرو داي» الموجودة في نظام تشغيل أجهزة «آيفون» و«أندرويد» قبل أن تكتشفها الشركات التقنيّة. وهذا من خلال شراء هذه المعلومات حول الثغرات من «المخترقين (الهاكرز)»، والباحثين في الأمن السيبراني، للحصول من خلالها على صلاحيات أمنية تسمح بالولوج إلى المعلومات المخزّنة داخل الجهاز، مثل الصور، والرسائل، والفيديوهات، وحتى التجسس على المكالمات.

وتعمل الشركات التقنية بشكل متواصل على التصدّي لهذه الثغرات، ولكن السباق للوصول إليها قبل أن يستغلّها المخترقون يبقى تحدّيًا دائمًا، رغم أن الشركات التقنية الكبرى تقدّم مكافآت تصل إلى ملايين الدولارات لمن يكتشف الثغرات الأمنية في أنظمتها ويبلّغ عنها.

وقد استطاعت الشركة الإسرائيلية تطوير تقنية «زيرو كليك»، التي تخوّل لها اختراق الهواتف حتى دون الحاجة إلى أن يضغط المستخدم على روابط خبيثة، مستغلّة بعض الثغرات الأمنية، كتلك التي ظهرت في «الآيفون» سنة 2018؛ إذ كان من الممكن تثبيت تطبيقات خارجية بمجرد إجراء مكالمة هاتفية.

سياسة

منذ سنتين
«سي إن إن»: هذه الشركة الإسرائيلية ساعدت السعودية في قتل خاشقجي

المصادر

تحميل المزيد