أحد أبرز التحديات التي تواجه علماء الجيولوجيا هي محاولتهم لاختراق وشاح الأرض. كثير من العلماء على مدى أكثر من 60 عامًا حاولوا أن يقوموا بهذا الأمر لكن بلا فائدة. في 1 ديسمبر الماضي انطلقت سفينة الحفر “جويدس ريزوليوشن” من العاصمة السيرلانكية كولومبو باتجاه موقع محدد في جنوب غرب المحيط الهندي تعرف باسم “ضفة أطلانطس”. وسوف تقوم السفينة ببدء عمليات الحفر في المنطقة بسمك 1,5 كيلومتر.

إذا سار الأمر على ما يرام فإن بعثات أخرى ستأتي لاستكمال الحفر حتى الوصول إلى وشاح الأرض العلوي.

فما هي القصة بالضبط؟

طبقات الأرض

تنقسم الأرض جيولوجيًا إلى 3 طبقات، هي بالترتيب من الخارج إلى الداخل؛ القشرة والوشاح واللب. القشرة الأرضية، وهي الجزء الصلب الذي نعيش عليه ولا نرى إلا جزءًا ضئيلًا منه لأنها مغطاة في كثير من أجزائها برواسب. يتراوح سمك قشرة الأرض ما بين 30 – 60  كيلومترًا تحت الكتل القارية، بينما يمتد لحوالي 6 كيلومترات أسفل المحيطات. قشرة الأرض تتكون من طبقتين، الأولى هي الطبقة الخارجية الرقيقة والتي تتكون من الصخور الرسوبية مثل الحجر الجيري والطين والحجر الرملي. الطبقة الثانية وهي التي تكون معظم طبقة القشرة، تتكون من صخور نارية مثل الجرانيت والبازلت.

الطبقة الداخلية للأرض هي اللب أو نواة الأرض. ويشكل اللب الكتلة المركزية للكرة الأرضية، ويبدأ من عمق 2900 كيلومتر وحتى مركز الأرض. لب الأرض يتكون هو الآخر من طبقتين. الطبقة الأولى هي اللب الخارجي والذي يبلغ سمكه 2270 كيلومتر، وهو غني بالفلزات الثقيلة مثل الحديد والنيكل، وتتواجد الصخور فيه في حالة مصهورة. الطبقة الثانية هي اللب المركزي، ويعتقد أنه مكون من كرة مركزية قطرها 1216 كيلومترًا، وتتكون أيضًا من كرة من النيكل والحديد، لكن الصخور بها توجد في صورة صلبة.

وشاح الأرض

الطبقة الوسطى بين القشرة واللب هي طبقة وشاح الأرض، والتي تمثل حوالي 84% من حجم كرة الأرض والتي يبلغ سمكها 2886 كيلومترًا. منطقة الوشاح هي المنطقة التي تحدث فيها القوى المسببة للحركات الأرضية مثل البراكين والزلازل. هذه المنطقة هي التي يحدث فيها أيضًا كل ما ينتج من تغيرات في شكل الكرة الأرضية، كبناء الجبال والقارات وتكون الأخاديد وهبوط قيعان المحيطات.

وشاح الأرض يتكون من منطقتين رئيسيتين هما الوشاح العلوي والوشاح السلفي. الوشاح العلوي يبدأ من على بعد 7 – 35 من سطح الأرض وحتى عمق 410 كيلومتر. هناك منطقة وسطية تمتد من عمق 410 – 660 كيلومتر. وأخيرًا الوشاح السفلي الذي يمتد من 660 – 2886  كيلومترًا.

يتم بانتظام حدوث عمليات تدمير وإعادة بناء للقشرة الأرضية، فهناك توازن ما بين أجزاء القشرة الأرضية التي تتدمر وتصبح أكثر سيولة وتنضم للوشاح، وبين أجزاء من طبقة الوشاح العلوي التي تبدأ في البرودة والالتصاق بالقشرة الأرضية من جديد. عملية الإحلال والتجديد هذه تتم بشكل أسرع في القشرة الأرضية الموجودة أسفل المحيطات. في بعض مناطق المحيطات تتكون تلال محيطية نتيجة ارتفاع الحمم البركانية المنصهرة بين الصفائح التكتونية من منطقة الوشاح.

من هنا فإن هناك بعض المناطق أسفل المحيطات التي تصعد فيها طبقة الوشاح إلى ارتفاع قريب جدًا من القشرة الأرضية أو داخل قشرة الأرض.

فاصل موهو

الجزء المميز في وشاح الأرض هي المنطقة التي يطلق عليها اسم “فاصل موهو” والتي سميت بهذا الاسم نسبةً إلى العالم اليوغسلافي “موهو روفيشيك”. هذا العالم اكتشف هذه المنطقة عندما لاحظ أن سرعة الموجات الزلزالية تتغير فجأة عند دخولها للمنطقة الفاصلة بين وشاح الأرض والقشرة الأرضية. العالم اليوغسلافي لاحظ أن سرعة الموجات الزلزالية أسفل هذه المنطقة أعلى من سرعتها في المنطقة الأعلى منها، مما يدل على حدوث تغير أساسي في التركيب والخواص الفيزيائية للصخور الموجودة بها. يتكون فاصل موهو من صخور أكثر قتامة في اللون وأكثر كثافة من صخور القشرة الأرضية الموجودة فوقها.

عند المنطقة التي يتم عندها الحفر والمسماة “ضفة أطلانطيس” يعتقد العلماء أن وشاح الأرض يرتفع بنحو 2,5 كيلومتر فوق “فاصل موهو” مما يجعل الوصول إليه سهلًا.

ولأن طبقة موهو تقع تحت القشرة الأرضية مباشرة، فإنها تقع تحت الكتل القارية على عمق بين 30 – 60 كيلومترًا، مما يصعب الوصول إليها عبر الحفر. لكن الوصول يكون أسهل كثيرًا أسفل قيعان المحيطات، حيث تقع طبقة موهو على عمق ما بين 5 – 10 كيلومترات فقط من قاع المحيط.

مشروع سلومو

قال عالم الجيوفيزياء في معهد “وودز هول” لعلوم المحيطات، بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة، هنري ديك؛ في تصريحات صحفية أن الوصول لهذه الحدود العميقة للأرض هو أحد المساعي الكبرى التي يسعى لها العلم خلال القرن الحادي والعشرين. بعض العلماء يشبه إمكانية الوصول إلى طبقة موهو وأخذ عينات للصخور منها، بإطلاق المكوك الفضائي أبوللو إلى القمر والعودة بعينات جيولوجية منه. لكن المشكلة هنا أن الوصول لهذا العمق أكثر صعوبة بكثير من وصولنا إلى سطح القمر!

ديك هو أيضًا قائد الحملة التي خرجت من العاصمة السريلانكية، والتي تحمل اسم “مشروع سلومو”، والذي يأمل في الوصول بالحفر إلى عمق كيلومتر ونصف في القشرة الأرضية عند ضفة أطلانطس. وفي حالة النجاح في الأمر فإنه سيعود لاحقًا برفقة سفينة يابانية أكثر تطورًا يمكنها الوصول لعمق 5 كيلومترات أو أكثر لتصل إلى طبقة موهو.

ديك كان قد نجح سابقًا في الوصول إلى عمق 1,5 كيلومتر وذلك عندما قاد بعثة إلى ضفة أطلانطس عام 1997 في محاولة للوصول إلى طبقة موهو، لكن الحفر تعطل بسبب الرياح الشديدة التي تسببت في فصل أنبوب الحفر داخل الحفرة. ويذكر أن أقصى عمق للحفر تمكن الإنسان من الوصول له كان عمق كيلومتريْن فقط وهي ثلث المسافة تقريبًا للوصول إلى طبقة موهو.

ويبني العلماء الكثير من الآمال على هذا المشروع في الإجابة على أسئلة عميقة تتعلق بكوكبنا، مثل كيف تتصاعد الصخور المنصهرة من باطن الأرض ثم تبرد لتشكل قشرة جديدة للمحيط.

 

محاولات سابقة

نشأت بذرة هذه الفكرة في أواخر فترة الخمسينيات من القرن الماضي، على أيدي مجموعة من علماء الجيولوجيا الأمريكيين تحت ملاحظة إحدى المؤسسات غير الرسمية. نشأت الفكرة تحديدًا من قبل العالم الأمريكي هاري هيس، وهو أحد مكتشفي نظرية الصفائح التكتونية (الصفائح التي تتكون منها القشرة الأرضية والتي توجد في حركة مستمرة، وتحركاتها هذه تسبب الزلازل)، وعلى يد والتر مونك والذي قاد الدراسات الخاصة بتأثير الرياح على تيارات المحيطات.

وشهدت فترة الستينيات أولى محاولات العلماء للوصول إلى طبقة موهو عندما بدأ مجموعة من العلماء مشروعًا يسمى “مشروع موهولي”. قام العلماء بالحفر تحت سطح البحر قبالة جزيرة “غوادالوبي” المكسيكية. وقد تمكن العلماء في ذلك الوقت من الوصول لعمق 183  مترًا قبل أن يتوقف المشروع بعدما واجهتهم صخور البازلت الصلدة، بتكلفة وصلت آنذاك إلى 1,5 مليون دولار أمريكي، وهو ما يوازي حوالي 40 مليون دولار حاليًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد