نصادف في الطب عادة أمراض سميت على أسماء أشخاص، وبالبحث خلف قصة تلك الأسماء نجد أن هؤلاء الأشخاص في الأغلب هم الأطباء الذي قضوا أوقاتًا طويلة في البحث العلمي وكللت جهودهم باكتشاف هذا المرض؛ لكن هناك أمراضًا واضطرابات نفسية خالفت تلك القاعدة، وسميت على أسماء آخرين غير من اكتشفوها، فماذا فعل هؤلاء الأشخاص لتقترن أسماؤهم بتلك الأمراض النفسية؟

ديوجانس.. الفيلسوف الذي خُلّد اسمه في متلازمة

«متلازمة ديوجانس» هي اضطراب سلوكي يتسم بالإهمال للشديد للذات، والانسحاب الاجتماعي، والميل للعزلة المفروضة ذاتيًا، واللامبالاة، مع رفض أي مساعدة خارجية، والميل إلى الاحتفاظ بالأشياء المهملة، مما يؤدي إلى سوء النظافة والمشاكل الصحية، ويمكن أن تصيب المتلازمة الرجال والنساء في مختلف الأعمال، إلا أنها أكثر شيوعًا لدى كبار السن. وأثبتت بعض الدراسات أن 15% من المسنين المصابين بالمتلازمة يعانون من مرض الخرف.

وصف الطبيبان ماكميلان وشاو المتلازمة لأول مرة في عام 1966، لتصبح من الأمراض النفسية المعترف بها، وأطلق الطبيب كلارك وآخرون على المتلازمة اسم «ديوجانس» في عام 1975، نسبة إلى الفيلسوف اليوناني ديوجانس والذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، وجادل العديد من الأطباء والباحثين حول مدى ملائمة الاسم للمتلازمة؛ وجادلوا بأن المصطلح خاطئ، لكن لا يزال الاسم الأكثر شيوعًا للمتلازمة هو «ديوجانس».

كان ديوجانس (404-323 ق.م)، فيلسوفًا يونانيًا؛ ويعرف في الثقافة العربية باسم ديوجانس الكلبي، نسبة إلى المدرسة الفلسفية التي ينتمي إليها، المدرسة «الكلبية – Cynicism»، عاش متقشفًا في أثينا، متهكما ساخرًا من أنماط الحياة المختلفة، وقيل إنه كان يعيش داخل برميل نبيذ، وقيل جرة فخار كبيرة في السوق، وكان يؤمن أن الحياة يجب أن تكون طبيعية، فكان يسير شبه عارٍ، ويتبول أمام الناس، وكان يرى الأخلاق مجرد أكاذيب تستخدم لإخفاء الطبيعة الحقيقية للإنسان، وينتقد أفلاطون المعاصر له.

حكايات كثيرة نسجت حول ديوجانس، منها أن الإسكندر الأكبر مر عليه وهو مستلق أسفل الشمس، فسأله الإسكندر عن شيء يقدمه له، فأجاب ديوجانس: «نعم.. ابتعد، فأنت تحجب الشمس عني»، فقال الإسكندر: «لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون ديوجانس»، أحب ديوجانس الكلاب ورآها أفضل من الإنسان، وقيل إن قراصنة قبضوا عليه وباعوه كعبد في مدينة كورنثوس اليونانية، والمؤكد أنه مات هناك، ودفن عند بوابة المدينة كنوع من التشريف، ووضع الناس له نصبًا تذكاريًا عند قبره.

عذاب المرضى النفسيين في مصر.. «ساسة بوست» يكشف معاناتهم عن قرب

فريجولي.. فنان الألف وجه البريء

أحد الأمراض النفسية الغريبة، والني ربما لم تسمع بها، هي متلازمة «وهم فريجولي»، وهي اضطراب نفسي يتخيل المريض به أن كل الأشخاص من حوله؛ شخص واحد يتتبعه لاضطهاده، ويعتقد المريض أن هذا الشخص الواحد، وربما أكثر من شخص، لديهم حيل تنكرية ويلجأون إلى الجراحات التجميلية للتنكر في هيئة أصدقائه ومعارفه لاضطهاده وملاحقته، ولا يمكن إقناعه بعكس ذلك.

الفنان الإيطالي ليوبولدو فريجولي. مصدر الصورة: «ويكيبيديا»

سجلت أول حالة لخادمة عام 1927 في باريس، كان الطبيبان النفسيان فيل وكوربن أول من سجلوا حالة الخادمة، وخلصوا إلى تسجيل حالتها، وصياغة مفهومها للمجتمع الطبي، وكانا مندهشين لأنهم لم يسمعا بشيء عن حالتها من قبل، كانت الخادمة من محبي المسرح، وكانت تعتقد أن فنانتي المسرح سارة برنارد، وآنا شارلوت روبن، تتنكران لها في كل أفراد أهلها وأصدقائها وحتى الغرباء في الشارع، وسبب هذا الوهم للخادمة عذاب نفسي، وهاجمت شخصًا غريبًا كانت مقتنعة أنه الممثلة روبن.

كانت قدرات وموهبة الممثل المسرحي الإيطالي ليوبولدو فريجولي (1867 – 1936) الاستثنائية؛ هي السبب في جعل اسمه يوضع على أحد الأمراض النفسية المسماة متلازمة «وهم فريجولي»، إذ كان يلقب بـ«رجل الألف وجه»، بسبب قدرته على تغيير مظهره؛ وصوته بسرعة وبشكل مقنع، ويعتقد أنه كان أول من صنع عرض الرجل الواحد، يقال إنه في بضع ثوان يتحول بسهولة من شخصية إلى أخرى، مع استكمال التغييرات في الأزياء.

جولات فريجولي في فرنسا وأوروبا وأمريكا في فترة ظهور المتلازمة؛ كان لها آثر في أن تحمل المتلازمة اسمه، بالإضافة إلى أن أول حالة كانت مرتبطة بالمسرح، لذا حملت المتلازمة اسم فريجولي.

ستندال.. هلوسة الفن الزائد

«متلازمة ستندال» اضطراب نفسي جسدي تسببه الأعمال الفنية والأشياء فائقة الجمال؛ فحين يقع الشخص تحت تأثيرها تتسارع ضربات قلبه، ويصاب بالدوار، والإغماء، والارتباك، وربما الهلوسة، وسميت علي اسم الكاتب الفرنسي ماري هنري بيل والذي كان يكتب تحت اسم مستعار «ستندال».

Embed from Getty Images

ستندال

في عام 1817 زار الكاتب الفرنسي ستندال، مدينة فلورنسا الإيطالية ووقع تحت تأثير الفن الإيطالي، وحين دخل كاتدرائية سانتا كروتشي أصابته الدهشة من تاريخ الفن الراقي، وكتب عن ما أصابه من نشوة وأحاسيس اختلطت عليه، فجاءته أعراض المتلازمة التي لم تكن من الأمراض النفسية المعروفة وقتها، لكنه وصفها في كتابه عن رحلته إلى فلورنسا، قال: «شعرت بخفقان في القلب.. وخشيت وأنا أمشي أن أقع»، وكان هذا الكتاب والوصف كفيلًا لأن تصبح هناك متلازمة مرضية باسمه.

ظل زوار مدينة فلورنسا يعانون من أعراض مشابهة، وفي أواخر القرن التاسع عشر راقبت الطبيبة جرازيلا ماجيريني رئيسة قسم الطب النفسي في مستشفى سانتا ماريا نوفا بفلورنسا؛ أكثر من 100 سائح نقلوا إلى المستشفى بعد مشاهدة المعالم الفنية في فلورنسا، وكان لديهم أعراض متشابهة ومقاربة للكاتب ستندال، فصاغت مصطلح «متلازمة ستندال»، ونشرت كتابًا عن هؤلاء السياح الذين عانوا من مجموعة من الأعراض التي تشمل الخفقان في القلب، والدوار، والارتباك، والهلوسة، بعد رؤية الأعمال الفنية الشهيرة.

متلازمة ستندال.. التفسير العلمي لـ«أكاد من فرط الجمال أذوب»

مونخهاوزن.. لا يضاهى في الأساطير

«متلازمة مونخهازون» هي أحد الأمراض النفسية التي يختلق المصاب بها أمراضًا وأعراضًا ووعكات صحية، وربما يحدثها في نفسه بهدف كسب تعاطف الآخرين، وظهرت المتلازمة في أمهات زيفن أعراض لمرض غير موجود في أطفالهن، وأحيانًا كانوا السبب في مرض الطفل متعمدين لكسب التعاطف، ولإدمانهم على الذهاب إلى المستشفى.

البارون الألماني كارل فريدريك فون مونخهاوزن (1720 – 1797) هو أحد النبلاء الألمان، كان ضابطًا في سلاح الفرسان، خدم مع القيصر الروسي، وعاد إلى ألمانيا عام 1750، وتفرغ إلى الصيد وركوب الخيل، واستضافة النبلاء في المساء، ليروي لهم قصصه في روسيا، والتي كانت خيالية، وأسطورية، تقمص فيها أدوارًا أكبر من «سوبر مان»؛ وفي فترة لم يكن الأبطال الخوارق لهم وجود، فقط في الأساطير الشعبية.

كان مونخهازون يروي كيف يمكنه أن يطير على ظهر بطة، ويقفز بحصانه من ضفة النهر ليصل إلى الناحية الأخرى، ويتفادى قنابل المدفع المتناحرة عليه، بل ويردها إلى جيش العدو، وكان بإمكانه فعل ما هو أكثر من ذلك في أساطيره، ولم يكن الناس يصدقونه إلا أنهم كانوا يستمتعون بحكاياته؛ لذا اكتسبت قصصه المختلقة شعبية كبيرة في أوروبا، وحول منها أفلام ومسلسلات ورسوم كرتونية في الوقت الحالي لذا لم يكن غريبًا أن يسمي الطبيب النفسي ريتشارد آشر؛ متلازمة اختلاق المرض باسمه عام 1951.

مازوخ.. من علم الإنسان الألم

تنطوي المازوخية الجنسية على أفعال يتعرض فيها الشخص للإثارة الجنسية من الإهانة أو الضرب أو التقييد أو الإيذاء بأي طريقة، ورغم أن أغلب الأشخاص الذين لديهم ميول مازوخية طبيعيون، إلا أن هناك مرض «اضطراب المازوخية الجنسية»، وهو مرض نفسي حين يطلب المزيد من الأفعال المؤدية إلى أضرار جسدية أو نفسية شديدة، والتي من الممكن أن يؤديا إلى الموت مثل الاختناق.

Embed from Getty Images

الصدمات الكهربائية، والاختناق من أبرز الأفعال شيوعًا في مرض الاضطراب المازوخي، فالأشخاص المطالبون بالاختناق أثناء العملية الجنسية يمكن أن يختنقوا بالفعل، سواء عبر خنق أنفسهم جزئيًا عن طريق وضع حبل حول أعناقهم، أو يسمحون لشريكهم بالقيام بذلك، أما المازوخية كمصطلح فقد صاغه الطبيب الألماني ريتشارد فون كرافت ايبنج، علي اسم ليوبولد فون مازوخ، والذي كان حيًا آنذاك، لكن لا يعرف هل وافق على استخدام اسمه أم لا.

ليوبولد فون مازوخ (1836 – 1895) أحد النبلاء والكتاب النمساويين، وصاحب رواية «فينوس في الفراء – Venus in Furs» والتي تروي قصّة بطلها يدعى سيفرين الهائم في حب تمثال فينوس إلهة الحب والجمال، ويلتقي بأرملة ثرية، يحبها ويطلب منها أن تجسد له معشوقته فينوس، ويطلب أيضًا أن تجلده بالسوط وهي عارية وترتدي الفراء، بينما هو مقيد، وتتجاوب معه الأرملة، ويدخلان تجارب أخرى تحمل نفس الأفكار الجنسية.

وقد ورد أن رواية فينوس ما هي إلا سيرة مازوخ الحقيقة، مع عشيقته الثانية فاني بيستور، وقيل إنهما أبرما اتفاقًا، حيث يصبح هو عبدًا لها لمدة ستة شهور، يكون تحت أمرها في أي شيء، على أن تسمح له بست ساعات يومية لعمله المهني، ولا تقرأ أي من مراسلاته ولا أعماله الأدبية، بينما ترتدي له الفرو قدر المستطاع، وهي تجلده، أما الرغبة الدفينة التي عبر بها في الرواية ولا يمكن الجزم بصحتها في الواقع، أن بطل الرواية كان يتلذذ بخيانة زوجته له أمامه، وقد انتهى الأمر بمازوخ بتدهور صحته العقلية، وانتهى به المطاف في الصحة النفسية، ومات هناك.

ماركيز دي ساد.. ماذا فعل ليصبح اسمه مقترنًا بأحد أشهر الأمراض النفسية؟

السادية الجنسية تُعرف بشكل عام أنها إلحاق معاناة جسدية كالضرب؛ أو نفسية كالإذلال بشخص آخر بهدف الحصول على الإثارة والنشوة الجنسية، ويشمل هذا السلوك الجنسي السادي «المعتدل»؛ وهو ممارسة جنسية شائعة بين البالغين الموافقين عليه، وذا نطاق محدود، وغير ضار، ولا يفي بالمعايير السريرية لمرض «اضطراب السادية الجنسية»، وهو أحد الأمراض النفسية القائمة على السادية الجنسية، والتي تسبب الآلام الخطيرة، أو اختلال وظيفي خطير للطرف الآخر الرافض للسادية أصلًا.

السادية الجنسية الشديدة يمكن أن تكون إجرامية، وتؤدي إلى ضرر جسيم أو حتى وفاة شخص آخر، ولا تعد مرادفة للاغتصاب، فهي مزيج معقد من ممارسة الجنس والسلطة معًا على الضحية، وتشخص السادية الجنسية في أقل من 10% من المغتصبين، ولكنها موجودة في 37 إلى 75% من الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم قتل بدوافع جنسية، وظهر مصطلح السادية لأول مرة على يد الطبيب الألماني ريتشارد فون كرافت ايبنج، والذي أسماها على اسم الكاتب الفرنسي ماركيز دي ساد.

واحد من النبلاء الفرنسيين، ماركيز دي ساد (1740 – 1814)، اشتهر بحياته الجنسية التحررية، والتي كتب عنها في أعماله الأدبية المختلفة، بدأ حياته عسكريًا في جيش الملك، وسرعان ما ترك الحياة العسكرية عام 1763، وتزوج من عائلة أحد النبلاء الفرنسيين، لكنه انخرط في علاقة مع ممثلة فرنسية، والتي أودعته السجن بسبب الانتهاكات الجنسية التي سببها لها، وأطلق سراحه بعده، لينخرط في علاقة مع عاهرة شابة، والتي حبسها وأحدث بها جروحًا، وانتهاكات جنسية مختلفة، فقبض عليه ثانية.

الحياة الجنسية لماركيز دي ساد، حافلة بالتعذيب، والمثلية، وأطفال، والاختطاف، والاغتصاب، بل حتى المراهقات اللاتي كن يخدمن عنده في بيته، لم يدعهن وشأنهن، لذا أودع السجن، ومجمل ما قضاه في السجن خلال حياته وصل إلى 32 عامًا، لذا كسر ملله في السجن بكتابة رواياته والتي أكمل فيها خياله الجنسي الجامح، بالإضافة إلى الروايات الثورية بأسماء مستعارة، والأخيرة أذاقته الاعتقال بعد السجن، وانتهى به المطاف في مصحة عقلية بدعوى الجنون، حيث مات هناك.

في فهم السادية.. رحلة في عقل «الماركيز دي ساد»

المصادر

تحميل المزيد