استعادت القوات الأمنية العراقية نهاية يناير(كانون الثاني) الماضي الجانب الأيسر الغربي من مدينة الموصل – مركز محافظة نينوى – بالكامل من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، الذي كان قد أحكم سيطرته عليها في شهر يونيو(حزيران) من عام 2014، وبعد قرابة ثلاثة أشهر من بدء عمليات «قادمون يا نينوى» بدأت معاناة سكَّان المدينة في انعدام مياه الشرب عن غالبية مناطق الجانب الأيسر من الموصل ليقرع جرس الإنذار لأزمة إنسانية ولتبدأ معها معاناة السكان اليومية في الحصول على المياه، بعد أن كانت مياه الشرب تصل الأحياء السكنيَّة والبيوت عبر شبكة الأنابيب الحكومية.

تقع مدينة الموصل – مركز محافظة نينوى – العراقية شمال البلاد وتبعد عن بغداد حوالي 400 كم ويصل عدد سكان الموصل إلى مليون و750 ألف نسمة موزَّعين على جانبي المدينة الأيسر والأيمن، يخترق نهر دجلة الموصل ليقسمها إلى شطرين شرقي وغربي، وتعتمد المدينة في توفير المياه على النهر حيث إن جميع مشاريع المياه في المدينة تقع على ضفتي النهر ومع استعادة القوات العراقية السيطرة على الجانب الأيسر، بات ما يزيد على 750 ألف نسمة بلا مياه نتيجة تضرر مشاريع المياه بفعل العمليات العسكرية التي شهدها هذا الجزء من المدينة.

ساسة بوست يترصَّد من داخل الموصل هذه المعاناة.

 عائلة موصلية مهجَّرة

الآبار الجوفية.. الملجأ الوحيد

لجأ سكان الموصل في الجانب الأيسر إلى الاعتماد على مياه الآبار الجوفية في حياتهم اليومية، رغم معرفتهم بخطورة استخدامها وعدم موافقتها للمعايير الصحيَّة.

الأستاذ رضوان حامد النعيمي، المحاضر السابق في جامعة الموصل في قسم علوم الأرض، شرحَ لنا طبيعة الموصل، إذ – وفقًا له – تتميَّز الموصل بتربتها الخازنة للمياه، إذ إنّ طبقات الأرض في الموصل لها القابلية على حفظ المياه إلى حدٍّ كبير. وبالتالي ونتيجة لكون الموصل تقع ضمن المناطق السهلية إضافةً إلى اختراق نهر دجلة للمدينة، كل هذا ساعد وعبر آلاف السنين على تخزين الأرض للمياه، ولا ننسى أيضا سدّ الموصل الذي أنشئ في ثمانينيات القرن الماضي حيث أدى ضغط المياه الهائل في بحيرة السد إلى تخلل المياه إلى باطن الأرض.

ورغمًا عن كلّ ذلك، «لا توجد دراسة حديثة لحجم المياه الجوفية في المدينة، وآخر دراسة علمية دقيقة كانت في سبعينيات القرن الماضي». إلا أنه أوضح أيضًا أنّ باطن الأرض في الموصل يحوي مخزونًا هائلًا من المياه.

أمَّا عن طرق استخراج هذه المياه من باطن الأرض فقد أضاف النعيمي أن: طرق استخراج المياه الجوفية تتنوَّع من خلال طرق الحفر ونوع الآبار المستهدفة لكن في الموصل على وجه الخصوص تنقسم طرق الاستخراج إلى نوعين، أولهما: الآبار الارتوازية التي تكون من خلال آليات الحفر المتخصصة، والتي تستهدف عمق 150 مترًا فما فوق ويعتمد هذا الرقم على المسح الجيولوجي للأخصائيين. أمَّا القسم الثاني فيمكن تسميته بالآبار السطحية التي تعتمد الحفر إلى عمق 50 مترًا في الغالب وهذه تكون في المناطق المحاذية للنهر، وأوضح أن الحفر إلى مستوى أقلّ من هذا داخل الموصل أمرٌ خاطئ نتيجة كون الطبقة القريبة من السطح مليئة بالمياه الآسنة الناتجة عن تخلل مياه الصرف الصحي إلى باطن الأرض فكما هو معلوم أن مدينة الموصل ليس فيها نظام صرف صحي للمياه الثقيلة.

المياه في الموصل

معاناةٌ مستمرة بحثًا عن المياه والحياة

يقول مهنَّد حسين من سكان حيّ التحرير وهو يعمل على حفر بئر في منطقته، أنَّه بعد انقطاع المياه نتيجة الحرب بين القوات العراقية ومسلحي تنظيم الدولة لجأ هو وبعض السكان إلى حفر بئرٍ بمجهودٍ ذاتيّ وباستخدام معدَّاتٍ بسيطة تتمثل بالكرك والمطرقة. أمضى مهنَّد ورفاقه 10 أيام في حفر البئر حتَّى وصلوا لعمق خمسة أمتار فقط وظهرت المياه، لكنّ المشكلة تتمثَّل بكون هذه المياه غير صالحة للاستخدام. فهي ذات رائحة كريهة وقذرة ولا تصلح للاستخدام. يضيف مهنَّد «لكنّ الناس مضطرة لاستخدامها لانعدام البديل، فالحفر النظامي إلى عمقٍ أكبر مُكلف ويحتاج إلى معدَّاتٍ ثقيلة ولا تتوافر لدينا الإمكانيات المادية ولا الدعم الحكومي». وكما أسلفنا يجب أن يكون على عمق 50 مترًا.

أمَّا التقصير الحكومي في توفير المياه للسكان، فهو واضح تمامًا، ونتيجة لذلك فقد تعرَّض أطفال مهنَّد والكثير من سكَّان تلك المنطقة إلى أمراض معويَّة كالإسهال والمغص المائي.

معاناةٌ أخرى من نوعٍ آخر وجدناها في منطقة الزُّهور بالموصل، فالحاجّ نوفل محمـد من ميسوري الحال بالمنطقة، وقد حفر بئرًا بعمق 35 مترًا ليغذِّي البيوت القريبة إلى بيته. يقول الحاج نوفل إنّ البئر الذي حفره قبل عام – إدراكًا منه أنّ مشكلة المياه ستأتي عاجلًا أو آجلا – وبعد استخدامه قرابة 3 أشهر بعد انقطاع المياه من الشبكة الحكومية بدأ بالنضوب شيئًا فشيئًا. «قمنا بحفر البئر لعمق 35 مترًا بمجهودٍ شخصيّ وعلى نفقتنا وحصلنا على المياه وفحصناها في المختبرات، وأخبرونا أنَّها غير صالحة للاستهلاك البشري لاحتوائها على معدَّلات عالية من الأملاح والكبريت.. رغم ذلك فإنّ السكان مضطرون لاستخدامها، فقارورة المياه المعدنية سعة 20 لتر تباع في الأسواق الآن بألفي دينار وليست للناس القدرة الشرائية خصوصًا أن الأزمة مضى عليها 3 أشهر دون أمل في انفراجة قريبة للأزمة».

المياه في الموصل

رحلة الموت من أجل الحياة!

الموت، كان متربِّصًا بأحمد ذي الأحد عشر ربيعًا الذي كان يقف في طابورٍ طويل أمام أحد الآبار في منطقة حيّ الجزائر في الجانب الأيسر الشرقي من المدينة – وهو من الأحياء الفقيرة – يقول عبد الرحمن والد أحمد وعيناه تذرفان الدمع على ولده البكر: «تتعرَّض منطقتنا بين الفينةِ والأخرى للقصف بقذائف الهاون من جهة الجانب الأيمن من الموصل الذي يخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية وبينما كان ولدي يقف في طابور الحصول على المياه سقطت قذيفة هاون وأردته قتيلًا في الحال هو وأربعة من رفاقه».

لا يملك قسمٌ كبير من سكَّان الموصل القدرة على شراء المياه المعدنية فضلًا عن حفر الآبار نتيجة الكلفة العالية للحفر حيث يوضِّح عمر محسن وهو صاحب آلية لحفر الآبار السطحية أنّ تكلفة حفر المتر الواحد كانت تصل إلى عشرة آلاف دينار عراقي، لكن مع ارتفاع الطلب على الحفر وصلت تكلفة الحفر إلى ثلاثين ألف دينار نتيجة قلَّة عدد الحفارت في المدينة وأضاف أن تكلفة حفر بئر في المتوسط تصل إلى مليوني دينار، تشمل تكلفة الحفر والأنابيب ومضخَّة الماء والمولدات الكهربائية.

لجأ الناس نتيجة لكلِّ ما سبق إلى الاصطفاف في طوابيرٍ طويلة بعرباتٍ حديديَّة بدائيَّة تحمل بعض الأواني في انتظار حصتهم من المياه أمام الآبار المنتشرة في المدينة وهذه مشلكةٌ أخرى حيث إنَّ الناس يضطرون للانتظار ساعة أواثنتين للحصول على المياه في جوٍ قارس البرودة في فصل الشتاء حيث تصل درجة الحرارة إلى صفر.

المياه في الموصل

مياه الآبار الملوَّثة!

أمّا عن الحالات المرضية التي تسببها المياه الملوثة فقد تحدَّثنا للدكتور ثائر هادي الجواري، مدير مركز الزهراء الصحي وقال إنَّ المركز هو عبارة عن مستشفى ميداني لاستقبال الحالات الطارئة البسيطة من المدنيين المصابين نتيجة العمليات العسكرية، وليس له القدرة على استقبال كل الحالات فهو بالأساس مركز صحي حُول خلال الحرب إلى مركز طوارئ فقط بعد خروج جميع مستشفيات الجانب الأيسر عن الخدمة نتيجة المعارك. يُكمل الجواري: «لا تتوافر لدينا المعدات الطبية والأجهزة المختبرية اللازمة لعلاج الحالات المرضية الباطنية التي تسببها المياه الملوثة والمتمثلة بالمَغص والإسهال المائي والتي تنتج عن التلوث البكتيري والميكروبي في كثير من مياه الآبار المنتشرة في المدينة».

ما يؤكَّده الدكتور الجواري، أنّ مياه الآبار في الموصل يتصف قسمٌ كبيرٌ منها بالعسرة، وتقسم هذه العسرة إلى نوعين عسرة مؤقتة يمكن معالجتها من خلال غلي الماء منزليًّا، وعسرة دائمة لا يمكن معالجتها الا من خلال مواد كيميائية معينة وفلترة لا يمكن تطبيقها في المنزل، وعسرة المياه بصورة عامة لا يمكن تحديد نوعها إلا من خلال فحص مختبري دقيق، وهو بالطبع غير متوافر الآن في المدينة.

وترجع أسباب انقطاع المياه عن الجانب الأيسر إلى سببين رئيسيين، أولهما: تضرر شبكة الأنابيب الرئيسية الناقلة للمياه نتيجة القصف الجوي للتحالف الدولي لتقاطعات الطرق بصواريخ ارتجاجية أدت إلى تكسُّر وتفجُّر أنابيب المياه، أما السبب الثاني فيرجع إلى توقُّف مشاريع المياه وخروجها عن الخدمة نتيجة القصف أو التخريب الذي طالها أثناء المعارك.

مشاريع المياه.. تخوضُ الحربّ كالجنود

ساسة بوست، تواصلت مع مدير دائرة ماء محافظة نينوى، الأستاذ مرعي حسن قلندر لسؤاله عن الدور الحكومي لمعالجة هذه الأزمة. في البداية أوضح قلندر أنّ انقطاع المياه يعود إلى سببين رئيسيين يتمثل الأول بالتكسُّرات التي أحدثها القصف الجوي للتحالف الدولي لتقاطعات الطرق والذي أدَّى إلى أضرارٍ جسيمة بالأنابيب الرئيسية الناقلة للمياه خصوصًا في الأجزاء الشرقية من المدينة حيث وصل عدد الأنابيب المتضررة إلى 240 أنبوبًا رئيسيًا، وفقًا لمرعي فقد أصلحت الحكومة ما نسبته 70% منها تقريبًا. أما السبب الثاني فيتمثل بتوقف مشاريع المياه وخروجها عن الخدمة نتيجة التخريب أو القصف من قبل تنظيم الدولة.

الأضرار الناجمة عن هذه الاشتباكات قد تفوقُ الحصر، ففي الجانب الأيسر هناك 5 مشروعات للمياه، المشروع الأكبر هو مشروع الأيسر الجديد «الكبة» الذي كان يزوِّد المدينة بـ 13 ألف متر مكعَّب من المياه في الساعة. هذا المشروع يقعُ الآن على نهر دجلة مباشرةً، في الحيِّز الضيِّق للنهر المقابل للجانب الأيمن الذي ما تزال فيه معارك بين القوات العراقية والتنظيم، هذا المشروع لا معلومة دقيقة عن نسبة الأضرار فيهِ حتَّى الآن.

أما المشروع الثاني فهو مشروع الأيسر القديم «القصور»، وقد كانت قدرته التشغيلية تصل إلى 7 آلاف متر مكعَّب في الساعة وتبلغ نسبة الأضرار فيه 40% نتيجة تضرُّر وحدات السَّحب والدفع والتخزين. أمَّا المشروع الثالث فهو مشروع الزهور «السدة» ويقع هذا المشروع في الجهة المقابلة لمنطقة الميدان قرب الجسر القديم ولا تستطيع الفرق الهندسية الوصول إليه، حيث إنّ المسافة بينه وبين الضفَّة الغربية للنهر هي 150 مترًا فقط وهو ضمن مدى نيران المعارك.

المشروع الرابع هو مشروع «الساهرون» في الجزء الجنوبي الشرقي للمدينة، وهو مشروع متكامل ولم يتعرض لأيّ ضرر وتبلغ قدرته التشغيلية 5 آلاف متر مكعّب في الساعة، ويعمل بصورة متقطِّعة. أمَّا المشروع الخامس فهو مشروع الرشيدية وهو مشروعٌ صغير تبلغ قدرته 750 مترًا مكعبًا في الساعة وهو بحالة تحتاج إلى أعمال صيانة وتأهيل فقط وتبلغ نسبة ضرره 20%.

أمَّا عن الكلفة التقديرية لإعادة تأهيل تلك المشاريع الخمس وإعادتها إلى وضعها السابق، فقد أوضح قلندر أنّ أغلب التخصيصات المالية الخاصة بدائرته أنفقت بالفعل في إصلاح تكسُّرات الأنابيب الناتجة عن قصف التحالف الدولي للتقاطعات داخل المدينة، أما إصلاح وإعادة تأهيل مشاريع المياه فتحتاج إلى أموالٍ طائلة لا تتوافر حاليًّا.

حربٌ دائمة وحلولٌ مؤقتة

أمَّا حسن العلاف، نائب محافظ نينوى لشؤون التخطيط، فقد صرَّح لنا أنّ المحافظة بدأت قبل شهر تسيير أرتال سيارات حوضية تغذِّي الساحل الأيسر من الموصل بمياه الشرب النقية من الآبار النظامية في منطقة بازوايا – قرب مدينة برطلة – بمعدل 100 سيارة يوميًّا توزَّع على المواطنين مباشرة أو تفرَّغ في خزَّانات مياه كبيرة تصل سعتها إلى 5 آلاف لتر منتشرة في أحياء المدينة كانت منظمة اليونيسيف قد قامت بنصبها بين الأحياء حتى يستخدمها الأهالي في الشرب وقد فُحصت هذه المياه مختبريًا وهي صالحة للشرب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد